قُتل أكثر من 120 شخصًا في معارك عنيفة بين الحوثيين والقوات الحكومية اليمنية غربي البلاد، إثر هجوم واسع شنته الجماعة باتجاه مناطق تقود إلى الساحل وباب المندب، في مواجهات وصفت بأنها الأعنف في اليمن منذ سنوات، بينما استمرت المعارك السبت مع دخول الطيران الحربي الحكومي على خط المواجهات وشن عشرات الغارات على مواقع الحوثيين.
وبحسب وكالة فرانس برس، اندلعت الجولة الأخيرة من القتال الخميس، عندما شن الحوثيون هجومًا بريًا واسعًا تزامن مع استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة في مناطق غربي تعز والساحل المطل على البحر الأحمر، في محاولة للتقدم نحو مناطق تسيطر عليها القوات الحكومية بالقرب من مضيق باب المندب.
وأفاد مسؤول عسكري يمني للوكالة بأن عدد قتلى القوات الحكومية ارتفع إلى 66، في حين قالت مصادر طبية وعسكرية قريبة من الحوثيين إن 62 من عناصر الجماعة قُتلوا، ما يرفع الحصيلة المعلنة من الجانبين إلى ما لا يقل عن 128 قتيلًا، فضلًا عن عشرات الجرحى. ولم يصدر حتى الآن إحصاء مستقل ونهائي لجميع خسائر المعارك.
من تعز إلى باب المندب.. ما هدف الهجوم؟
تتركز المواجهات بصورة خاصة في جبهات مقبنة وجبل حبشي والكدحة وموزع غربي تعز، إضافة إلى مناطق في محافظة الحديدة على الساحل الغربي.
وتكتسب هذه الجبهات أهمية استثنائية لأنها تقع على الطريق المؤدي إلى مدينة المخا والساحل المطل على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية الدولية والرابط بين البحر الأحمر وخليج عدن.
وتشير مصادر ميدانية إلى أن الهجوم الحوثي لا يستهدف مجرد تحقيق مكاسب محدودة داخل تعز، وإنما يسعى إلى السيطرة على المرتفعات والطرق التي تشرف على الساحل وتهديد الطريق الرابط بين تعز والمخا، بما يمنح الجماعة قدرة أكبر على الاقتراب من المناطق المحاذية للمضيق.
وقالت مصادر للجزيرة إن الحوثيين تمكنوا بالفعل خلال الهجوم من السيطرة على منطقة «قهبان» الاستراتيجية و«جبل الشيخ سعيد»، الذي يطل على مديرية مقبنة والمحاور المؤدية إلى الساحل الغربي.
ويشكل الموقعان جزءًا من المرتفعات التي تحكم خطوط الإمداد غربي تعز، الأمر الذي يجعل خسارتهما تطورًا ميدانيًا مهمًا بالنسبة للقوات الحكومية.
هجوم بالصواريخ والطائرات المسيّرة
لم يعتمد الهجوم على القوات البرية وحدها، إذ قال الجيش اليمني إن الحوثيين أطلقوا 14 صاروخًا باليستيًا على مناطق في الساحل الغربي بمحافظتي تعز والحديدة، بالتزامن مع هجمات بطائرات مسيّرة.
وامتدت الاشتباكات في الوقت نفسه إلى الكدحة ومقبنة وموزع، وسط استخدام مكثف للأسلحة الثقيلة والقصف المتبادل.
ويأتي ذلك بعد أسابيع من تصعيد متزايد على الساحل الغربي، فيما كانت الحكومة اليمنية قد حذرت سابقًا من أن الحوثيين يسعون إلى الاقتراب من باب المندب ومناطق مطلة على خطوط الملاحة الدولية.
وقال رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي إن القوات الحكومية «لن تسمح» للحوثيين بالسيطرة على المضيق، محذرًا من أن أي محاولة للتقدم باتجاهه ستواجه برد عسكري.
المستجد.. 15 غارة جوية وهجوم مضاد
ومع دخول المعارك يومها الثالث، أعلنت القوات الحكومية السبت 5 سبتمبر/أيلول انتقالها إلى عمليات مضادة في عدد من الجبهات.
وقال الجيش اليمني إن طيرانه الحربي نفذ أكثر من 15 غارة على مواقع وتجمعات وآليات للحوثيين في الساحل الغربي بمحافظتي تعز والحديدة، في دخول لافت للطيران إلى المعركة منذ تجدد التصعيد العسكري في يوليو/تموز الماضي.
كما أعلنت مصادر عسكرية أن القوات الحكومية سيطرت على تبتي «سعيد طه» و«ذيبان» في مديرية حيفان جنوبي تعز، في حين تواصلت المواجهات في عدة محاور أخرى.
وفي البحر، أعلنت بحرية «المقاومة الوطنية» التابعة للقوات الحكومية تدمير زورقين مفخخين للحوثيين، قالت إنهما كانا في طريقهما لاستهداف منطقة الفجرة جنوب الخوخة وميناء المخا.
وفي الجبهة الغربية لتعز، بدأت القوات الحكومية إعادة تمركز قواتها والإعداد لهجوم مضاد لاستعادة منطقة قهبان وجبل الشيخ سعيد، وفق مصادر عسكرية، بالتزامن مع وصول تعزيزات إلى خطوط المواجهة.
1,790 أسرة تنزح خلال يومين
وبالتوازي مع الخسائر العسكرية، أخذت الأزمة الإنسانية تتفاقم سريعًا.
وأعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، السبت، أن نحو 1,790 أسرة اضطرت للنزوح خلال يومين فقط بسبب المعارك في تعز، مشيرًا إلى أن بعض الأسر لا تزال عالقة في مناطق المواجهات.
وكانت السلطات المحلية في تعز قد أعلنت في حصيلة أولية نزوح 917 أسرة، قبل أن يكشف التحديث الأممي اللاحق أن عدد الأسر النازحة بلغ نحو ضعف ذلك الرقم.
وأفادت تقارير ميدانية بأن عائلات فرت من قرى ومخيمات للنازحين في مقبنة وجبل حبشي ومناطق مجاورة، وبعضها نزح للمرة الثانية بعد أن كانت قد لجأت سابقًا إلى هذه المناطق هربًا من جولات سابقة من الحرب.
لماذا يشكل باب المندب هدفًا بالغ الخطورة؟
لا تتجاوز المسافة عند أضيق أجزاء باب المندب بضعة عشرات من الكيلومترات، لكنه يمثل أحد أهم الاختناقات البحرية في العالم، إذ تمر عبره السفن بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وصولًا إلى قناة السويس والبحر المتوسط.
ولهذا فإن أي تغيير كبير في خريطة السيطرة على الساحل اليمني القريب منه لا يبقى شأنًا داخليًا يمنيًا فقط، بل يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على أمن الملاحة والتجارة الدولية.
ولا يسيطر الحوثيون حاليًا على الضفة اليمنية المباشرة المحيطة بأضيق أجزاء المضيق، لكن امتلاكهم مرتفعات ومناطق أقرب إلى الساحل من شأنه أن يوسع نطاق قدرتهم العسكرية على تهديد الطرق البحرية والمناطق المحيطة بالمخا وباب المندب.
وهنا تكمن خطورة الجولة الحالية: فالمعركة لم تعد تقتصر على خطوط تماس شبه مجمدة داخل تعز، بل تتجه بصورة متزايدة نحو عقدة جغرافية تربط المدينة بالساحل وبواحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
ومع استمرار الهجوم والهجوم المضاد، ودخول الطيران والزوارق المفخخة والصواريخ والطائرات المسيّرة في المواجهة، تبدو جبهات تعز والساحل الغربي أمام واحدة من أخطر مراحل التصعيد منذ بدء الهدنة غير الرسمية التي خففت القتال في اليمن عام 2022.





اترك تعليقاً