تتزايد في الأردن الأصوات المطالبة بإعادة النظر في الوجود العسكري الأمريكي على أراضي المملكة، مع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران وتحول الأردن إلى إحدى الساحات المتأثرة بالحرب الإقليمية، بعدما وقّع مئات السياسيين والقانونيين والشخصيات العامة رسالة مفتوحة تدعو إلى سحب القوات الأمريكية، محذرين من أن استمرار وجودها يعرّض البلاد لمخاطر أمنية وسياسية واقتصادية.
وتعد هذه الرسالة من أبرز التحركات العلنية المنتقدة للسياسة الرسمية الأردنية، في ظل بيئة يصفها ناشطون ومنظمات حقوقية بأنها تشهد تضييقاً متزايداً على حرية التعبير والاحتجاج.
مخاوف من جرّ الأردن إلى الحرب
أكد الموقعون على الرسالة أن وجود القوات الأمريكية يجعل الأردن عرضة لتداعيات الحرب الدائرة بين واشنطن وطهران، ويزيد احتمالات انخراطه في صراع لا يعد طرفاً فيه.
وجاء في الرسالة أن استمرار هذا الوجود “يعرض الأردن لمخاطر أمنية وسياسية واقتصادية لا تخدم المصلحة الوطنية، ويرفع احتمالات جر البلاد إلى نزاع إقليمي”.
ويستضيف الأردن نحو أربعة آلاف جندي أمريكي موزعين على قواعد عسكرية عدة، ويُعد مركزاً مهماً للعمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، وهو ما جعله هدفاً متكرراً للهجمات الإيرانية منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.
انعكاسات اقتصادية متزايدة
أثرت الحرب بشكل مباشر على الاقتصاد الأردني، ولا سيما قطاع السياحة الذي يمثل أحد أهم مصادر الدخل في المملكة، إذ تشير التقديرات إلى أن السياحة تسهم بما يصل إلى 18% من الإيرادات الوطنية.
ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه الأردن من تحديات اقتصادية مزمنة تشمل ارتفاع معدلات البطالة وضعف الموارد الطبيعية، بينما تعتمد المملكة بصورة كبيرة على المساعدات الأمريكية، التي بلغت العام الماضي نحو 1.65 مليار دولار بين دعم اقتصادي وعسكري.
ويرى محللون أن هذا الاعتماد المالي يفسر تمسك الحكومة الأردنية بتحالفها الوثيق مع واشنطن رغم تصاعد المخاطر الأمنية.
تباين بين الموقف الرسمي والشعبي
وقال عدد من الموقعين إن الرسالة تهدف إلى إبراز وجود اختلاف بين موقف الحكومة، التي تواصل التعاون العسكري مع الولايات المتحدة، وبين قطاعات من الرأي العام الأردني الرافضة لهذا النهج.
وأوضح الناشط السياسي المخضرم سفيان التل أن الوجود الأمريكي يجعل الأردن عرضة للأخطار، مشيراً إلى سقوط أجزاء من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي يتم اعتراضها فوق الأراضي الأردنية خلال الهجمات الإيرانية.
وأضاف أن مئات الأشخاص انضموا لاحقاً إلى الموقعين على الرسالة، رغم المخاوف من تعرضهم لإجراءات قانونية أو أمنية بسبب مواقفهم.
جدل داخل البرلمان
وامتد الجدل إلى مجلس النواب الأردني، حيث شهدت إحدى الجلسات نقاشاً حاداً بعدما اقترح أحد النواب تقديم التعزية للولايات المتحدة في مقتل جنودها داخل الأردن، الأمر الذي قوبل باعتراضات واسعة من نواب آخرين، اتهموا الجيش الأمريكي بالتسبب في مقتل مدنيين خلال عملياته العسكرية في المنطقة.
ويعكس هذا الجدل حالة الانقسام الداخلي بشأن طبيعة العلاقة مع واشنطن، خاصة مع تزايد تأثير الحرب على الأمن الداخلي الأردني.
تضييق على حرية التعبير
ويرى مراقبون أن قياس حجم التأييد الشعبي لمطالب سحب القوات الأمريكية أمر صعب، في ظل غياب استطلاعات رأي مستقلة، إضافة إلى القيود المفروضة على حرية التعبير.
وأشار الصحفي والكاتب داود كتّاب إلى أن معظم الموقعين ينتمون إلى تيارات قومية ويسارية وإسلامية، لافتاً إلى أن وسائل الإعلام الأردنية لم تنشر نص الرسالة، بينما جرى تداولها بشكل محدود عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
كما حذر من تقلص مساحة حرية التعبير والاحتجاج في المملكة، مستبعداً أن تتحول المبادرة إلى حركة احتجاجية واسعة في ظل البيئة السياسية الحالية.
وتشير منظمات حقوقية، بينها منظمة العفو الدولية، إلى أن الأردن شدد خلال السنوات الأخيرة القوانين المتعلقة بالنشر الإلكتروني وجرائم المعلومات، بما أدى إلى ملاحقة صحفيين وناشطين بتهم تتعلق بـ”نشر أخبار كاذبة” أو “تهديد السلم المجتمعي”.
مستقبل العلاقة مع واشنطن
ويرى خبراء أن الدعوة لسحب القوات الأمريكية تمثل تحدياً نادراً لإحدى ركائز السياسة الأمنية الأردنية، القائمة على الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.
ويقول الباحث الأمريكي آرون ماجيد إن انتقاد التحالف الأمني مع واشنطن يُعد خطوة جريئة في السياق الأردني، نظراً لحساسية هذا الملف وأهميته بالنسبة للسلطات.
ومع استمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وتكرار الهجمات التي تطال قواعد أمريكية داخل الأردن، تبدو المملكة أمام معادلة معقدة بين الحفاظ على تحالفاتها الاستراتيجية، وتزايد الضغوط الداخلية المطالبة بإبعاد البلاد عن تداعيات الصراع الإقليمي.






اترك تعليقاً