إذا كانت قرطبة قد مثّلت ذروة الدولة الأموية في الأندلس، فإن إشبيلية كانت واحدة من أبرز المدن التي حملت راية الإسلام في الأندلس بعد أفول قرطبة، حتى أصبحت في عصر الموحدين عاصمة سياسية كبرى ومركزًا للعمران والعلم والتجارة.

ولذلك لا تأتي إشبيلية في سلسلة «حواضر الإسلام عبر التاريخ» بسبب شهرة برج أو قصر فقط، وإنما لأنها كانت مدينة صنعت مرحلة من التاريخ الإسلامي في الأندلس، تعاقبت عليها الدول، وازدهرت فيها الأسواق والعلوم، واتسعت أسوارها، وارتفع فيها المسجد الجامع، حتى غدت في القرن السادس والسابع الهجريين/الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين واحدة من أعظم مدن الغرب الإسلامي.

وتشير الدراسات التاريخية إلى أن إشبيلية تجاوزت قرطبة في الأهمية الحضرية خلال القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، واستمرت حاضرة رئيسية حتى سقوطها سنة 646هـ/1248م.

من إشبيلية القديمة إلى «إشبيلية» الإسلامية

عرفت المدينة قبل الإسلام باسم «هيسباليس»، وكانت لها مكانة مهمة في إقليم الأندلس، ومع الفتح الإسلامي في القرن الأول الهجري/الثامن الميلادي دخلت إشبيلية مرحلة جديدة، وأصبحت جزءًا من الدولة الإسلامية في الأندلس.

وفي العصر الأموي أصبحت عاصمة لكورة إشبيلية، واستفادت من موقعها على نهر الوادي الكبير، الذي منحها اتصالًا تجاريًا ومائيًا بالغ الأهمية.

وتكشف البقايا العمرانية عن أن المسلمين استفادوا من بنية المدينة السابقة، فأعيد استخدام بعض التحصينات والمنشآت، ثم أخذت المدينة تتوسع تدريجيًا خارج حدودها القديمة.

وكان المسجد الجامع القديم أحد مراكز المدينة الأولى، ثم جاء العصر الموحدي ليغير صورة إشبيلية تغييرًا عميقًا.

الخيرالدة.. مئذنة جامع إشبيلية الموحدي وأشهر شاهد باقٍ على عظمة المدينة الإسلامية.

إشبيلية العبّادية.. عاصمة مملكة من ممالك الطوائف

بعد سقوط الخلافة الأموية في الأندلس سنة 422هـ/1031م، دخلت البلاد مرحلة ملوك الطوائف.

وكانت إشبيلية من أهم الممالك التي ظهرت في تلك المرحلة، وحكمتها أسرة بني عباد، ومن أشهر حكامها المعتمد بن عباد.

وفي عهده أصبحت إشبيلية مركزًا سياسيًا وأدبيًا بارزًا، واجتمع في بلاطها الشعراء والأدباء، وتحولت المدينة إلى واحدة من أكبر مراكز الأندلس السياسية والثقافية.

لكن عصر الطوائف كان أيضًا عصر انقسام سياسي أضعف المسلمين أمام الممالك النصرانية في الشمال، ولذلك انتهى الأمر باستدعاء المرابطين من المغرب.

وجاء يوسف بن تاشفين إلى الأندلس، وانتصر المسلمون في معركة الزلاقة سنة 479هـ/1086م، ثم دخلت إشبيلية في الدولة المرابطية.

الموحدون.. اللحظة التي تغير فيها وجه إشبيلية

لكن التحول الأكبر جاء مع الموحدين، حيث دخل الموحدون إشبيلية سنة 541هـ/1147م، واتخذوها مركزًا رئيسيًا لحكمهم في الأندلس، ثم أصبحت في منتصف القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي عاصمتهم الأندلسية.

وفي عهدهم شهدت المدينة برنامجًا واسعًا لإعادة البناء والتوسعة، ولم تكن المسألة بناء مسجد فقط؛ فقد أعيد تنظيم أجزاء من المدينة، وقويت الأسوار، وتوسعت القلعة، وأنشئت الأسواق، وشُيدت القصور، وربطت منشآت الحكم بمراكز المدينة.

وكانت إشبيلية بالنسبة للموحدين أكثر من مدينة أندلسية؛ لقد أرادوا أن يجعلوا منها صورة لقوة دولتهم في الضفة الأوروبية من العالم الإسلامي.

وتصف مصادر تاريخية متخصصة مرحلة الموحدين بأنها أعظم موجة تجديد عمراني شهدتها إشبيلية في العصور الوسطى، إذ شملت المسجد الجامع والأسوار والقصور والأسواق والمنشآت المائية.

قصر إشبيلية .. أجزاء من المجمع الذي توسع في العصر الموحدي ليصبح مقرًا للحكم.

أبو يعقوب يوسف.. الأمير الذي أعاد بناء العاصمة

ارتبطت النهضة العمرانية الكبرى باسم الخليفة الموحدي أبي يعقوب يوسف، وكان قد نشأ في بيئة أندلسية، وأولى إشبيلية عناية خاصة، فجعلها مركزًا لحكمه، وأمر بإقامة منشآت جديدة وتوسيع القصر والأسوار.

وفي سنة 567هـ/1171م تقريبًا بدأت مشاريع عمرانية واسعة، شملت القصور والبساتين وتنظيم المياه.

وأقيمت البحيرة الكبرى «البحيرة» خارج الأسوار، وأُنشئت فيها حدائق وقصور ومزارع، كما عمل المهندسون على نقل المياه إلى المدينة.

وتذكر رواية ابن صاحب الصلاة أن الخليفة أمر بزراعة آلاف الأشجار، ومنها الزيتون، وأن أعمال الري والزراعة أُديرت بصورة منظمة ضمن مشروع عمراني متكامل.

وهذا يكشف أن العمران الإسلامي لم يكن قائمًا على القصور وحدها؛ فالحدائق والمياه والزراعة والأسواق كانت جزءًا من تصور متكامل للمدينة.

المسجد الجامع.. قلب العاصمة الموحدية

كان أعظم مشاريع الموحدين في إشبيلية بناء المسجد الجامع الجديد.

بدأ العمل فيه في عهد أبي يعقوب يوسف، وافتُتحت الصلاة فيه سنة 577هـ/1182م تقريبًا، ثم استمرت الأعمال في مئذنته بعد ذلك.

وكان المسجد أوسع بكثير من المسجد السابق، وأصبح مركز العبادة والتعليم في العاصمة الموحدية.

ووصف المؤرخ الأندلسي ابن صاحب الصلاة المسجد بأنه يقارب جامع قرطبة في السعة، ويتميز بكثرة بلاطاته واتساعه.

ولم يكن المسجد منفصلًا عن القصر؛ فقد ارتبطت منطقة المسجد بمجمع الحكم والأسوار، بحيث أصبحت العمارة نفسها تعبر عن العلاقة بين السلطة والمسجد والمدينة.

قصر اشبيلية

«الخيرالدة».. مئذنة صنعت رمزًا

ومن المسجد الجامع بقيت مئذنة إشبيلية، المعروفة اليوم باسم «الخيرالدة»، وقد شُيدت في العصر الموحدي في أواخر القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، وأصبحت إحدى أعظم نماذج العمارة الموحدية.

وتميزت المئذنة بتصميمها المربع، وزخارفها الهندسية، وشبكات الأقواس، وبوجود منحدر داخلي واسع كان يسمح بالصعود حتى مستوياتها العليا.

وتوضح الدراسات المعمارية أن تصميمها أصبح نموذجًا أثّر في عدد من الأبراج اللاحقة في الأندلس وشمال إفريقيا. كما بقيت بنيتها الإسلامية الأساسية واضحة رغم الإضافات التي أُدخلت عليها بعد سقوط المدينة.

وقد وصف المقري التلمساني مئذنة جامع إشبيلية في نفح الطيب بإعجاب، رابطًا عظمتها بالعمران الإسلامي الذي تركه الموحدون.

وهنا تظهر قيمة الأثر بالنسبة لهذه السلسلة: المئذنة ليست مجرد برج جميل، وإنما بقايا مئذنة جامع عاصمة إسلامية كبرى.

تفاصيل الخيرالدة .. الزخارف الهندسية والأقواس التي تميز العمارة الموحدية.

الأسوار.. مدينة تتحصن حول الإسلام والاقتصاد

لم يكتف الموحدون بالمسجد والقصر، فقد وسعوا نطاق التحصينات، وشُيدت أبراج وأسوار جديدة، وأقيمت منشآت دفاعية حول المدينة.

وفي أواخر العصر الموحدي ظهرت برج الذهب «Torre del Oro» على ضفة الوادي الكبير، نحو 617هـ/1220م، ضمن منظومة دفاعية لحماية النهر ومدخل المدينة.

وكانت وظيفته مرتبطة بالسيطرة على حركة السفن، كما ارتبط بجسر من القوارب كان يصل إشبيلية بضفة النهر الأخرى.

وبذلك أصبحت المدينة محاطة بمنظومة متكاملة من الأسوار والأبراج والقلاع، تعكس أهمية إشبيلية السياسية والعسكرية.

برج الذهب.. منشأة دفاعية موحدية أقيمت على الوادي الكبير لحماية المدينة وممرها النهري.

إشبيلية.. مدينة العلم والأدب

لم يكن ازدهار إشبيلية عمرانيًا فقط، فقد خرج منها عدد كبير من العلماء والأدباء والشعراء، كما أصبحت مقصدًا للعلماء القادمين من مدن الأندلس والمغرب.

وكان أبو محمد عبد الله بن عبد البر وغيره من أعلام الأندلس جزءًا من البيئة العلمية التي تشكلت في مدنها الكبرى، بينما ظهر في إشبيلية نفسها علماء وأدباء كان لهم حضور في الفقه والحديث واللغة والأدب.

كما ارتبطت المدينة بأعلام كبار مثل ابن عبدون الإشبيلي، وبرزت فيها حلقات العلم والكتابة والقضاء.

إشبيلية والبحر والتجارة

ساعد الوادي الكبير على جعل إشبيلية مدينة تجارية مهمة، فالممر النهري جعلها متصلة بالموانئ، بينما كانت طرق البر تربطها بقرطبة وقرمونة وبلاد الأندلس الأخرى.

وازدهرت الأسواق، ومنها أسواق السلع الفاخرة، كما أشارت المصادر إلى وجود قيصرية للحرير في قلب المدينة.

وكانت الزراعة المحيطة بالمدينة جزءًا من قوتها الاقتصادية، خصوصًا في منطقة إقليم إشبيلية المعروف بكثرة بساتينه ومزارعه.

وهكذا اجتمعت في المدينة عناصر الحاضرة الإسلامية: المسجد، والقصر، والسوق، والميناء، والمزرعة، والسور.

من انتصار المسلمين إلى بداية النهاية

بلغت دولة الموحدين أوجها في عهد أبي يوسف يعقوب المنصور، ولا سيما بعد انتصاره في معركة الأرك سنة 591هـ/1195م.

وبدأت المدن الإسلامية الأندلسية تتساقط تباعًا، وأصبح الخطر على إشبيلية مباشرًا، ثم جاءت مرحلة التفكك السياسي بعد ضعف الدولة الموحدية، فأصبحت المدينة أكثر تعرضًا للضغط العسكري.

646هـ/1248م.. سقوط الحاضرة

في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي أصبحت إشبيلية إحدى آخر المدن الكبرى التي بقيت تحت الحكم الإسلامي في الأندلس.

وحاصرها جيش فرناندو الثالث مدة طويلة، وشارك الأسطول القشتالي في قطع الاتصال النهري للمدينة.

وبعد حصار استمر نحو 17 شهرًا، انتهت المقاومة، وسُلّمت إشبيلية في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 1248م، الموافق 646هـ.

وبسقوطها خرج المسلمون منها، وانتهى بذلك أحد أكبر المراكز السياسية والحضارية للإسلام في الأندلس.

ماذا بقي من إشبيلية الإسلامية؟

بقيت الخيرالدة، وبقايا المسجد الجامع، وقصر إشبيلية الذي يحتفظ بأجزاء من العمارة الموحدية، وبرج الذهب، وأجزاء من الأسوار، وآثار المنشآت المائية والحدائق.

وتوضح هذه المعالم أن إشبيلية لم تكن مجرد مدينة عاش فيها المسلمون خمسة قرون؛ بل كانت عاصمة أندلسية إسلامية مكتملة الوظائف، امتلكت مؤسسات الحكم والعلم والاقتصاد والعمران والدفاع.

وبحسب مصادر تاريخية وتراثية، فإن مجمع المدينة التاريخي اليوم يحفظ طبقات متراكمة من تاريخ إشبيلية، ومن بينها المرحلة الإسلامية والموحدية، وهو ما يجعل آثارها من أهم الشواهد الباقية على العمارة الإسلامية في الأندلس.

إشبيلية في ميزان التاريخ الإسلامي

لم تكن إشبيلية مدينة تابعة لقرطبة فحسب، لقد أصبحت بعد انهيار الخلافة إحدى أهم مدن الطوائف، ثم دخلت في الدولة المرابطية، وبعدها صارت العاصمة الأندلسية الكبرى للموحدين.

ومن هنا تستحق مكانها في خريطة حواضر الإسلام: لأنها شاركت في صناعة التاريخ السياسي والعلمي والعمراني للأندلس، واحتضنت المسجد الجامع الذي كان قلب عاصمتها، وارتفع فيها أحد أشهر مآذن العالم الإسلامي، وشهدت مرحلة من أقوى مراحل الحكم الموحدي.

أما العبرة الأهم، فهي أن الحضارة لا تُقاس بما بقي من الأبنية وحدها؛ بل بما صنعته المدينة في زمانها من علم ودولة وعمران واقتصاد وذاكرة.