أظهرت النتائج شبه النهائية للانتخابات العامة في البوسنة والهرسك، التي جرت الأحد 4 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تعزيز الأحزاب القومية لمواقعها في عدد من مؤسسات الدولة، في نتيجة تثير مخاوف من استمرار الانقسام السياسي والعرقي الذي تعانيه البلاد منذ انتهاء حرب البوسنة قبل أكثر من ثلاثة عقود.
وبحسب النتائج التي أعلنتها لجنة الانتخابات بعد فرز الغالبية الساحقة من مراكز الاقتراع، فاز دينيس بشيروفيتش، العضو البوشناقي الحالي في مجلس الرئاسة والقيادي في الحزب الاشتراكي الديمقراطي، بولاية جديدة ممثلًا للبوشناق في مجلس الرئاسة الثلاثي للبوسنة والهرسك. وأظهرت النتائج اللاحقة حصوله على نحو 38% من الأصوات في سباق المقعد البوشناقي.
وفي المقابل، احتفظت جيلكا تسفيانوفيتش، مرشحة تحالف الديمقراطيين الاشتراكيين المستقلين القومي الصربي SNSD، بالمقعد الصربي في مجلس الرئاسة، بحصولها على أكثر من 55% من الأصوات. وهي حليفة للزعيم الصربي البوسني ميلوراد دوديك، الذي يدعو منذ سنوات إلى انفصال جمهورية صرب البوسنة ويتمتع بعلاقات وثيقة مع موسكو.
أما المقعد الكرواتي في مجلس الرئاسة فذهبت نتائجه إلى داريانا فيليبوفيتش، مرشحة الاتحاد الديمقراطي الكرواتي HDZ، وهو حزب قومي كرواتي مؤيد للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وبذلك يضم مجلس الرئاسة الجديد ممثلًا بوشناقيًا من يسار الوسط إلى جانب ممثلين عن تيارين قوميين صربي وكرواتي.
نفوذ دوديك مستمر رغم منعه من تولي المناصب
وتبرز نتائج الانتخابات استمرار نفوذ ميلوراد دوديك على المشهد السياسي في المناطق ذات الأغلبية الصربية، رغم منعه من تولي منصب عام لمدة ست سنوات بعد إدانته بتحدي قرارات الممثل الدولي الأعلى المشرف على تطبيق اتفاق السلام.
وأعلن دوديك أن حزبه حقق انتصارًا في جمهورية صرب البوسنة، بعدما تصدرت تسفيانوفيتش سباق المقعد الصربي في الرئاسة، فيما فاز مرشح حزبه سافو مينيتش برئاسة جمهورية صرب البوسنة. وكان دوديك قد التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو قبل أيام فقط من الانتخابات.
وتشير النتائج الأولية للانتخابات البرلمانية أيضًا إلى تقدم قوى قومية بوشناقية وصربية، فيما قالت أسوشيتد برس إن الأحزاب القومية عمومًا عززت مواقعها مقارنة بالمرحلة السابقة.
لماذا تهم النتائج مسلمي البوسنة؟
يشكل البوشناق المسلمون نحو نصف سكان البوسنة والهرسك، لكن النظام السياسي الذي أُنشئ بموجب اتفاق دايتون عام 1995 يقسم البلاد إلى كيانين رئيسيين: اتحاد البوسنة والهرسك، الذي يقطنه أساسًا البوشناق والكروات، وجمهورية صرب البوسنة ذات الأغلبية الصربية، ويربطهما نظام مركزي محدود الصلاحيات. كما تتقاسم المكونات الثلاثة – البوشناق والصرب والكروات – مجلس رئاسة الدولة.
ولهذا فإن استمرار قوة التيارات القومية، ولا سيما في جمهورية صرب البوسنة، يحظى بمتابعة خاصة لدى البوشناق، في ظل الخلافات المتكررة بشأن مؤسسات الدولة وتصريحات انفصالية صدرت عن دوديك خلال السنوات الماضية.
وتأتي الانتخابات أيضًا بعد أسابيع من تجدد الجدل حول إرث حرب 1992-1995، التي قُتل خلالها نحو 100 ألف شخص وهُجّر أكثر من مليوني شخص، وشهدت الإبادة الجماعية في سربرنيتسا عام 1995 التي راح ضحيتها أكثر من ثمانية آلاف رجل وفتى بوشناقي مسلم.
إقبال انتخابي منخفض ومسار أوروبي متعثر
وسجلت الانتخابات مشاركة منخفضة بلغت نحو 42%، وسط استياء من الوضع الاقتصادي والجمود السياسي وبطء مسار انضمام البوسنة والهرسك إلى الاتحاد الأوروبي. وحصلت البلاد على صفة دولة مرشحة للعضوية عام 2022، ووافق الاتحاد الأوروبي على فتح مفاوضات الانضمام في 2024، لكن المفاوضات الفعلية تعطلت بسبب عدم استكمال إصلاحات أساسية، بينها إصلاح القضاء ومكافحة الفساد.
وتبقى إحدى أبرز القضايا بعد الانتخابات قدرة المؤسسات الجديدة على العمل وسط الانقسامات بين القوى البوشناقية والكرواتية والصربية، خصوصًا مع استمرار التنافس بين النفوذ الأوروبي والروسي والأمريكي في البلاد.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود على اتفاق دايتون، تظهر نتائج انتخابات 2026 أن الانقسامات التي تشكل حولها النظام السياسي بعد الحرب لا تزال عاملًا أساسيًا في تحديد موازين السلطة في البوسنة والهرسك، في وقت يطالب فيه جزء من السكان، ولا سيما الأجيال الشابة، بتجاوز خطاب الحرب والانقسامات العرقية والتركيز على الاقتصاد والإصلاح ومستقبل البلاد.





اترك تعليقاً