على هضبة إيران، وبين جبال زاغروس والهضاب الداخلية، قامت أصفهان واحدة من أكثر المدن تأثيرًا في تاريخ الحضارة الإسلامية في المشرق. دخلت المدينة المجال الإسلامي في القرن الأول الهجري، ثم مرت بمراحل سياسية متعاقبة حتى أصبحت في القرن الخامس الهجري عاصمة للسلاجقة ، وفيها ازدهرت الإدارة والعلم والعمارة، ثم تعرضت بعد ذلك لغزوات مدمرة أعادت تشكيل تاريخها مرات عديدة.
ولم تكن أهمية أصفهان ناتجة عن كونها عاصمة سياسية فقط، فقد اجتمع فيها العلماء والفقهاء والأدباء والتجار، وتحولت أسواقها ومساجدها ومدارسها إلى مكونات أساسية لمدينة إسلامية كبرى. ثم أعاد الشاه عباس الأول بناء مركزها الحضري في أواخر القرن العاشر الهجري، فظهرت أصفهان جديدة تختلف عمرانيًا عن أصفهان السلجوقية، وإن ظلت المدينة القديمة ومسجدها الجامع شاهدين على الطبقات الإسلامية السابقة. وتصف المصادر التاريخية أصفهان بأنها من أهم المراكز الحضرية على الهضبة الإيرانية عبر تاريخها الطويل.
أصفهان تدخل التاريخ الإسلامي
كانت أصفهان قبل الإسلام مركزًا مهمًا في وسط إيران، وكانت المنطقة تضم مدينتين رئيسيتين هما جيّ ويهودية، قبل أن تتطور المدينتان تدريجيًا إلى النسيج الحضري الذي عُرف لاحقًا بأصفهان.
وصل المسلمون إلى أصفهان في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في سياق الفتوحات الإسلامية لفارس. وتشير المصادر إلى أن القوات القادمة من البصرة دخلت المنطقة سنة 23هـ/644م، وأن جيّ ويهودية وقعتا في يد المسلمين بعد مقاومة واضطرابات سابقة، ثم أُبرمت ترتيبات تتعلق بالجزية والأمان.
وكان دخول أصفهان إلى الدولة الإسلامية جزءًا من التحول الأكبر الذي أنهى الحكم الساساني في معظم أنحاء فارس، وربط المنطقة إداريًا واقتصاديًا بالعراق ومراكز الدولة الإسلامية.
لكن المدينة لم تصبح مباشرة عاصمة سياسية كبرى، فقد احتاجت قرونًا حتى تصل إلى ذروة نفوذها.
أصفهان في العصر العباسي والبويهي
مع ضعف السلطة المركزية العباسية في المشرق، أصبحت أصفهان مسرحًا لتنافس الأسر الحاكمة المحلية، وتعاقبت عليها قوى متعددة، قبل أن يصل النفوذ البويهي إليها في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي.
وفي العصر البويهي شهدت المدينة نموًا عمرانيًا وعلميًا ملحوظًا، وخصوصًا خلال حكم ركن الدولة وأبنائه.
ومن الشخصيات التي ارتبطت بأصفهان في هذه المرحلة الوزير الأديب صاحب بن عباد، الذي جعل مجلسه مقصدًا للأدباء والعلماء، واستقطبت المدينة عددًا كبيرًا من رواة الحديث والأدباء والشعراء. وتشير المصادر إلى أن أكثر من أربعمائة وخمسين محدثًا عُرفوا في أصفهان خلال العصر البويهي، وأن المدينة أصبحت في نظر معاصريها من أبرز مدن المنطقة بعد بغداد والري.
وفي هذه البيئة العلمية عاش المؤرخ والمحدث أبو نعيم الأصفهاني، صاحب كتاب “حلية الأولياء”، كما ارتبطت المدينة بحركة واسعة في الحديث واللغة والأدب.
ابن سينا في أصفهان
ومن أهم فصول أصفهان العلمية في هذه المرحلة ارتباطها بأبي علي الحسين بن عبد الله بن سينا، المعروف بابن سينا.
فبعد انتقاله بين عدد من مدن المشرق، وجد ابن سينا حماية ورعاية لدى علاء الدولة محمد بن كاكويه، الذي حكم أصفهان في النصف الأول من القرن الخامس الهجري.
وتشير المصادر إلى أن ابن سينا أمضى نحو أربعة عشر عامًا في أصفهان، وكانت من أكثر مراحل حياته إنتاجًا، فواصل فيها أبحاثه في الطب والفلسفة والعلوم الطبيعية والرياضيات، وظل على صلة بالبلاط المحلي وبالحياة العلمية للمدينة.
وهذا الارتباط يجعل أصفهان واحدة من المدن التي ارتبط اسمها بمرحلة مهمة من تاريخ العلوم في الحضارة الإسلامية، قبل أن تبلغ المدينة ذروة أخرى في العصر السلجوقي.
أصفهان.. عاصمة السلاجقة
جاء التحول الأكبر في تاريخ أصفهان عندما دخلها السلطان السلجوقي طغرل بك سنة 443هـ/1051م، واتخذها عاصمة لدولته.
كان هذا الحدث نقطة تحول، فأصبحت أصفهان مركزًا سياسيًا لإحدى أقوى الدول الإسلامية في القرن الخامس الهجري، ثم بلغت المدينة أوج ازدهارها في عهد السلطان ملكشاه، الذي حكم من 465هـ/1072م إلى 485هـ/1092م.
وفي هذه المرحلة اتسعت المدينة، وشُيدت القصور والحدائق، وتطورت الأسواق، وأعيد تنظيم أجزاء من المجال الحضري.
وتشير المصادر إلى أن ملكشاه أعفى سكان المدينة من بعض الرسوم، وهو ما ساعد على زيادة الاستقرار وتشجيع النشاط التجاري والعمراني، كما توسعت أحياء أصفهان وأضيفت مناطق جديدة إلى نطاقها الحضري.
نظام الملك.. المدرسة والسياسة والعلم
ارتبط ازدهار أصفهان السلجوقية باسم الوزير نظام الملك، أحد أشهر رجال الإدارة في التاريخ الإسلامي الوسيط.
كان نظام الملك شافعي المذهب أشعري العقيدة، وأولى التعليم السني أهمية كبيرة من خلال شبكة المدارس التي أسسها أو دعمها في عدد من مدن الدولة السلجوقية.
وفي أصفهان أنشأ مدرسة نظامية، واستقدم إليها علماء من خارج المدينة، ومنهم أبو بكر محمد بن ثابت الخجندي الذي تولى الإشراف على المدرسة الشافعية فيها بعد دعوة نظام الملك له إلى أصفهان نحو 457هـ/1064–1065م.
وكانت المدارس النظامية جزءًا من مشروع أوسع لتقوية التعليم الفقهي وتنظيم الحياة العلمية في الدولة السلجوقية.
ومن المهم هنا عدم الخلط بين نظامية أصفهان ونظامية بغداد، فالأخيرة هي الأشهر والأكثر توثيقًا من حيث تاريخ افتتاحها سنة 459هـ/1067م، بينما كانت لأصفهان مدرسة نظامية ضمن شبكة المدارس التي ارتبطت بنظام الملك.
مسجد أصفهان الجامع.. سجل العمارة الإسلامية
إذا كان هناك مبنى واحد يمكن من خلاله قراءة تاريخ أصفهان الإسلامي عبر قرون، فهو المسجد الجامع.
بدأ المسجد في صورته الإسلامية المبكرة في القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي، ثم تعرض لتوسعات وإعادة بناء متتابعة.
وفي العصر السلجوقي حدثت أهم التحولات المعمارية؛ فقد أضاف نظام الملك القبة الجنوبية الكبرى في عهد ملكشاه، ويرجح تاريخها إلى الفترة بين 465–485هـ/1072–1092م، ثم أقام تاج الملك، منافس نظام الملك السياسي، القبة الشمالية سنة 481هـ/1088م تقريبًا.
وأعيد تشكيل المسجد في مراحل لاحقة، حتى أصبح نموذجًا بارزًا للمسجد ذي الإيوانات الأربعة، وهو الشكل الذي أصبح من السمات المهمة في العمارة الإسلامية الفارسية.
وهكذا لا يمثل المسجد عصرًا واحدًا؛ بل يحمل داخله طبقات عباسية وسلجوقية وتيمورية وصفوية، وهو ما يجعله وثيقة معمارية حية لتاريخ المدينة.

من السلاجقة إلى المغول
لم يستمر الازدهار السياسي لأصفهان دون انقطاع، فبعد ضعف السلاجقة دخلت المدينة في صراعات القوى المحلية والخوارزمية، ثم أصبحت هدفًا مباشرًا للمغول.
قاومت أصفهان الحملات المغولية لسنوات، لكن الحصار المغولي انتهى بسقوطها سنة 633هـ/1235–1236م تقريبًا، وتعرض سكانها لقتل واسع، في واحدة من أعنف الكوارث التي عرفتها المدينة خلال تاريخها الوسيط.
فعندما زارها ابن بطوطة سنة 726هـ/1327م، وصفها بأنها كانت من أكبر وأجمل المدن، مع ملاحظته أن أجزاء واسعة منها كانت قد أصبحت خرابًا بعد الكوارث التي مرت بها. وكان ذلك وصفًا لمدينة تحمل آثار الماضي العظيم، لكنها لم تستعد بعد كامل عافيتها.
ومع ذلك لم تختف أصفهان من الخريطة الحضارية.
تيمور وأصفهان
جاءت كارثة أخرى في العصر التيموري، ففي سنة 789هـ/1387م دخل تيمور أصفهان بعد خضوعها الأول، ثم اندلع تمرد داخل المدينة على الجباة والقوات التابعة له.
ورد تيمور بقمع شديد، وأمر بقتل أعداد كبيرة من السكان، وتذكر المصادر التاريخية أرقامًا ضخمة للضحايا، لكن تقديراتها تختلف، ولذلك لا يصح التعامل مع رقم واحد بوصفه حقيقة قطعية. وتؤكد المصادر الأكاديمية أن مذبحة 789هـ/1387م كانت من الأحداث الأكثر تدميرًا في تاريخ أصفهان الوسيط.
وهكذا دخلت المدينة عصرًا جديدًا بعد سلسلة من الكوارث التي غيرت بنيتها السكانية والعمرانية.
أصفهان الصفوية.. مدينة جديدة فوق المدينة القديمة
بعد قيام الدولة الصفوية سنة 907هـ/1501م، لم تصبح أصفهان عاصمة مباشرة، فقد كانت تبريز أول عاصمة صفوية، ثم انتقل المركز إلى قزوين بسبب الاعتبارات العسكرية والسياسية.
لكن الشاه عباس الأول قرر نقل العاصمة إلى أصفهان، وتم الانتقال الرسمي سنة 1006هـ/1597–1598م تقريبًا. وكان اختيار المدينة مرتبطًا بموقعها الداخلي، وبمياه نهر زاينده رود، وبموقعها التجاري بين قلب إيران والخليج.
ومنذ ذلك الوقت بدأت عملية إعادة تشكيل هائلة للمدينة.
أنشأ الشاه عباس ميدان نقش جهان، وأقيمت حوله مجموعة من المنشآت والقصر والأسواق والمساجد، وأصبحت أصفهان مركزًا إداريًا وتجاريًا جديدًا.

وفي هذه المرحلة اتخذت الدولة الصفوية التشيع الاثني عشري مذهبًا رسميًا للدولة، وانعكس ذلك على عمارة العاصمة ومؤسساتها الدينية، ولذلك ينبغي التمييز بوضوح بين أصفهان السنية في عصورها الإسلامية السابقة وبين المرحلة الصفوية ذات البنية المذهبية المختلفة.
نقش جهان.. قلب أصفهان الجديدة
كان ميدان نقش جهان، الذي بدأ تطويره على نطاق واسع في أوائل القرن الحادي عشر الهجري/السابع عشر الميلادي، قلب المشروع الحضري الجديد.
وأقيم حوله قصر عالي قابو، ومسجد الشيخ لطف الله، والمسجد المعروف باسم المسجد الملكي أو مسجد شاه، إضافة إلى الأسواق الممتدة على أطراف الميدان.
كان الميدان يجمع وظائف متعددة: السلطة في القصر، والتجارة في الأسواق، والوظيفة الدينية في المساجد.
وهذا جعل أصفهان الصفوية نموذجًا مختلفًا عن أصفهان السلجوقية القديمة، لكنه حافظ على فكرة المدينة الإسلامية التي تتداخل فيها المؤسسات السياسية والتجارية والدينية.
أصفهان والتجارة والثقافة
ساهمت سياسة الشاه عباس في جعل أصفهان مركزًا تجاريًا واسع العلاقات، وازدهرت فيها صناعة المنسوجات والسجاد والخزف والمعادن، وازدادت حركة التجار بين إيران والخليج والعالم العثماني وآسيا الوسطى وأوروبا.
وأصبحت المدينة كذلك مركزًا للفنون والعمارة والفنون الكتابية، وظهرت فيها طبقة واسعة من الحرفيين والصناع الذين شاركوا في مشاريع الدولة.
لكن هذا الازدهار لا ينبغي أن يحجب حقيقة أن المدينة كانت قد دخلت مرحلة مذهبية وسياسية جديدة تختلف عن المرحلة السنية التي ميزت أصفهان السلجوقية.
سقوط أصفهان سنة 1135هـ/1722م
انتهت المرحلة الذهبية الصفوية في أصفهان خلال القرن الثاني عشر الهجري.
ففي سنة 1135هـ/1722م حاصر الأفغان المدينة، وانتهى الحصار بسقوطها وانهيار السلطة الصفوية فيها.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن سقوط أصفهان كان نقطة تحول كبيرة، وأن المدينة فقدت بعدها مكانتها عاصمةً للإمبراطورية، ولم تستعد هذا الدور السياسي المركزي مرة أخرى.
ومع ذلك بقيت أصفهان مدينة كبرى، واستمرت آثارها وأسواقها ومؤسساتها في تشكيل شخصيتها.
ماذا بقي من أصفهان الإسلامية؟
تتميز أصفهان بأن آثارها لا تنتمي إلى عصر واحد، فالمسجد الجامع يمثل قرونًا من العمارة الإسلامية، ولا سيما المرحلة السلجوقية، بينما يعكس ميدان نقش جهان العمارة الصفوية في القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين.
وتبقى قبة نظام الملك وقبة تاج الملك من أهم شواهد العصر السلجوقي، إلى جانب المدارس والخانات والقصور القديمة.
أما في المدينة الصفوية فتبرز بوابة عالي قابو، ومسجد الشيخ لطف الله، والمسجد الملكي، والأسواق والجسور على نهر زاينده رود.
وبين هذه الطبقات تظهر حقيقة أصفهان التاريخية: مدينة لم تعرف عصرًا واحدًا، وإنما أعادت بناء نفسها بعد كل تحول سياسي تقريبًا.





اترك تعليقاً