تعرضت شبكة الغاز السورية لثاني حادث تخريب خلال نحو ستة أسابيع، بعدما أدى انفجار في خط غاز شرقي البلاد إلى اندلاع حريق ضخم وتوقف ضخ الغاز إلى محطات توليد الكهرباء، في وقت تحاول فيه السلطات السورية إعادة تأهيل قطاع الطاقة واستعادة إنتاج منشآت تضررت خلال سنوات الحرب.
واندلع الحريق مساء الاثنين 28 سبتمبر/أيلول 2026، الموافق 17 ربيع الآخر 1448هـ، في خط الغاز الممتد بين منطقة الشولا ومدينة دير الزور، إثر انفجار في صمام مقطعي على الخط.
وقال مسؤول قطاع الغاز في الشركة السورية للبترول، هشام الصالح، إن الحادث نجم عن «عمل تخريبي»، وأدى إلى توقف ضخ الغاز من معمل الجبسة في الحسكة باتجاه محطات توليد الكهرباء.
وسارعت فرق الشركة والدفاع المدني إلى عزل الخط من الجهتين المحيطتين بموقع الحريق مع انخفاض الضغط داخله، قبل أن تعلن السلطات مساء الثلاثاء السيطرة على النيران وإخماد الحريق بالكامل.
وأكدت الشركة عدم وقوع إصابات. لكن الأضرار لن تنتهي بإخماد النيران؛ إذ قال مدير معمل غاز الطابية في دير الزور، زياد الحاج حسين، إن أعمال إصلاح الخط قد تستغرق من أسبوع إلى عشرة أيام، متوقعًا انخفاض كمية الغاز الموردة بنحو 900 ألف متر مكعب خلال فترة الصيانة.
ولم تحدد الشركة حتى الآن الجهة المسؤولة عن الحادث، كما قالت إنها لا تملك معلومات دقيقة بشأن كمية الغاز التي أُهدرت أو الأسباب التفصيلية للانفجار.
ثاني حادث خلال نحو ستة أسابيع
الحادث ليس الأول الذي يصيب شبكة مرتبطة بمعمل الجبسة خلال الفترة الأخيرة.
ففي 18 أغسطس/آب 2026، وقع انفجار آخر على خط تصدير الغاز من معمل الجبسة في ريف الحسكة، ما أدى إلى توقف ضخ الغاز.
وقالت الشركة السورية للبترول حينها إن التحقيقات الأولية ومعاينة الموقع أشارت إلى أن الانفجار نجم عن «عمل تخريبي متعمد»، من دون تحديد الجهة المسؤولة عنه.
وأثر توقف الخط آنذاك على إمدادات الغاز المخصصة لعدد من توربينات توليد الكهرباء، قبل أن تبدأ الشركة أعمال الإصلاح وتتخذ إجراءات إضافية لتعزيز حماية منشآت النفط والغاز وخطوط النقل.
وبذلك تعرضت البنية المرتبطة بإمدادات الجبسة إلى حادثين قالت السلطات إنهما ناجمان عن التخريب خلال نحو 41 يومًا.
الجبسة.. مورد مهم للكهرباء
تكتسب هذه الهجمات أهمية إضافية بسبب الدور الذي يؤديه معمل الجبسة في خطط إعادة بناء قطاع الطاقة السوري.
ففي يناير/كانون الثاني الماضي بدأت الشركة السورية للبترول ضخ الغاز الخام من حقول الجبسة في محافظة الحسكة إلى معمل غاز الفرقلس في ريف حمص، بكميات بلغت نحو 1.2 مليون متر مكعب يوميًا، بهدف زيادة كميات الغاز المتاحة لتوليد الكهرباء.
كما بدأت سوريا خلال سبتمبر/أيلول ضخ الغاز مجددًا من حقل الطابية، المعروف أيضًا بحقل كونيكو، في دير الزور بعد أعمال لإعادة تأهيل الآبار وخطوط النقل.
ومن المتوقع أن ينتج الحقل نحو 1.5 مليون متر مكعب من الغاز يوميًا، يخصص جزء كبير منها لمحطات الكهرباء.
وتأتي إعادة تشغيل هذه المنشآت بعد تغير خريطة السيطرة على حقول النفط والغاز شرقي سوريا، وانتقال عدد من المنشآت التي كانت خاضعة لقوات سوريا الديمقراطية إلى سيطرة الحكومة السورية.
من يقف وراء الهجمات؟
حتى الآن لا توجد أدلة علنية تحدد الجهة التي نفذت أيًا من عمليتي التخريب، كما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن تفجير خط الشولا–دير الزور.
وتنشط خلايا تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» في مناطق من البادية ودير الزور، وسبق للتنظيم أن نفذ هجمات ضد قوات الأمن والبنية التحتية، لكن التنظيم لم يتبنَّ الهجوم الأخير ولا تفجير أغسطس/آب.
كما تظل المنطقة شديدة التعقيد أمنيًا بعد سنوات من تقاسم النفوذ بين قوات النظام السابق، والميليشيات المسلحة المدعومة من إيران، وقوات سوريا الديمقراطية، والتشكيلات العشائرية، وخلايا تنظيم الدولة «داعش».
ومع تغير خريطة السيطرة بعد سقوط نظام بشار الأسد، لا يعني ذلك بالضرورة اختفاء الشبكات المسلحة والاقتصادية التي تشكلت خلال سنوات الحرب.
وتوجد كذلك شبكات محلية مرتبطة بسرقة النفط والغاز والتهريب والتنافس على موارد الطاقة في شرق سوريا.
وفي هذا السياق، نقلت صحيفة The National عن مسؤول نفطي محلي قوله إن الحادث الأخير قد يكون مرتبطًا بمحاولة لسرقة الغاز انتهت بصورة خاطئة، وهي رواية تختلف عن الوصف الرسمي العام للحادث باعتباره «عملًا تخريبيًا»، ولم تعلن السلطات نتيجة تحقيق نهائية تثبت أيًا من الاحتمالين.
ولذلك لا توجد في الوقت الحالي أدلة تسمح بنسب الهجوم إلى تنظيم الدولة أو فلول النظام السابق أو الميليشيات المرتبطة بإيران أو حتى الاحتلال الإسرائيلي أو أي طرف آخر.
شبكة طاقة تحاول التعافي
وتواجه سوريا تحديًا يتجاوز إصلاح الأنبوب المتضرر، إذ إن استعادة إنتاج الغاز والنفط تتطلب أيضًا تأمين شبكة واسعة من الآبار والمعامل وخطوط الأنابيب الممتدة عبر مناطق عانت سنوات من الحرب ووجود الجماعات المسلحة وشبكات التهريب.
ويؤثر أي توقف في إمدادات الغاز بصورة مباشرة على قدرة محطات الكهرباء على الإنتاج، بينما تحاول السلطات زيادة ساعات التغذية الكهربائية وإعادة تأهيل المنشآت وجذب استثمارات جديدة إلى قطاع الطاقة.
ومع وقوع حادثين على شبكة مرتبطة بالجبسة خلال ستة أسابيع، تظهر حماية خطوط الطاقة بوصفها تحديًا موازيًا لإعادة تشغيلها.
ولا تكفي الحادثتان وحدهما لإثبات وجود حملة منظمة تستهدف شبكة الغاز السورية، لكن تكرارهما خلال فترة قصيرة يكشف هشاشة بنية تحتية أصبحت في الوقت نفسه أحد أهم عناصر خطط التعافي الاقتصادي وإعادة إنتاج الكهرباء في البلاد.
المصدر الرسمي السوري يؤكد أن الحريق أُخمد دون إصابات وأن الإصلاح قد يستغرق 7–10 أيام. الوكالة العربية السورية للأنباء – سانا كما تؤكد رويترز أصل الحادث وتوقف تدفق الغاز، بينما تؤكد بيانات الشركة أن حادث أغسطس كان منفصلًا ووُصف أيضًا بأنه تخريب متعمد.





اترك تعليقاً