من هدم المساجد إلى قوائم الناخبين.. احتجاج للمسلمين في قلب نيودلهي ينتهي باحتجاز نواب وناشطين

mcim protest at jantar mantar 2108257

تحولت ساحة «جانتار مانتار» في قلب العاصمة الهندية نيودلهي، الثلاثاء 29 سبتمبر/أيلول 2026 (18 ربيع الآخر 1448هـ)، إلى محطة احتجاج جديدة على قضايا تمس المسلمين في الهند، بعدما تجمع قادة منظمات إسلامية ونواب وناشطون وطلاب للاحتجاج على عمليات هدم طالت مساجد ومنشآت دينية، وما وصفه المنظمون بالتمييز ضد المسلمين، إلى جانب مخاوف مرتبطة بمراجعة قوائم الناخبين.

وانتهى التحرك باحتجاز شرطة دلهي عددًا من المشاركين، بينهم ثلاثة نواب عن حزب ساماجوادي، في تطور نقل الجدل بشأن المساجد من أحداث محلية متفرقة في ولايات هندية إلى احتجاج سياسي ومدني في العاصمة.

من دعا إلى الاحتجاج؟

نظمت المظاهرة «لجنة مراقبة مسلمي الهند» (Monitoring Committee of Indian Muslims – MCIM)، بمشاركة منظمات إسلامية ومدنية، وبدعم من «جمعية علماء الهند».

وأظهرت المشاهد المصورة من «جانتار مانتار» تجمع المشاركين ورفعهم شعارات تتعلق بحماية المساجد ووقف ما يصفونه باستخدام الجرافات بصورة انتقائية، إضافة إلى مطالب مرتبطة بحقوق الناخبين ومساءلة رئيس مفوضية الانتخابات الهندية غيانش كومار. India Today

ولم تكن المظاهرة، خلافًا لما قد يوحي به تداول بعض مقاطعها، مخصصة للمساجد وحدها؛ فقد جمعت عدة ملفات في احتجاج واحد.

وكان ملف دور العبادة أبرز القضايا المتعلقة بالمسلمين، إلى جانب المراجعة الخاصة المكثفة لقوائم الناخبين (SIR) والمخاوف التي أثارتها لدى المعارضة بشأن حذف أسماء من السجلات الانتخابية. وهذه الادعاءات محل نزاع سياسي؛ إذ تنفي لجنة الانتخابات ارتكاب مخالفات وتقول إن إجراءاتها قانونية.

سلسلة من النزاعات حول المساجد وراء الاحتجاج

image 246

لم يأتِ التحرك من فراغ. ففي الأسابيع الأخيرة شهدت الهند عدة قضايا متلاحقة بشأن مساجد ومنشآت إسلامية، استخدم منظمو المظاهرة بعضها لتفسير دعوتهم للنزول إلى «جانتار مانتار».

ومن أبرزها مسجد داخل مجمع الإدارة الحكومية في سهارنبور بولاية أتر برديش، الذي هدمته السلطات في 5 سبتمبر/أيلول.

وكانت محكمة محلية قد أيدت قبل الهدم أمرًا سابقًا باعتبار المسجد قائمًا بصورة غير مرخصة على 315 مترًا مربعًا من الأراضي الحكومية وأمرت بالإخلاء، كما فرضت السلطات غرامة قدرها 6.41 كرور روبية عن إشغال الأرض.

لكن إدارة المسجد اعترضت على الإجراءات، وقال متولي المسجد إن أمر المحكمة الأخير رفض الطعن وأيد الإخلاء، لكنه لم يصدر أمرًا صريحًا بهدم المسجد، وإن اللجنة كانت لا تزال تملك سبيلًا قانونيًا للطعن. السلطات، من جهتها، قالت إنها اتبعت الإجراءات القانونية.

وأثارت عملية الهدم احتجاجات سياسية؛ كما قالت النائبة إقرا حسن آنذاك إنها وُضعت قيد الإقامة المنزلية لمنعها من التوجه إلى الموقع.

ثم جاءت أزمة المسجد الشاهي في أوجين

mcim protest at jantar mantar 2108259

وقبل يوم واحد فقط من مظاهرة نيودلهي، اندلعت مواجهات حول المسجد الشاهي في أوجين بولاية ماديا براديش.

تريد بلدية أوجين توسيع الطريق المار بجوار المسجد إلى 15 مترًا ضمن الاستعدادات لمهرجان «سيمهاستا كومبه» المقرر عام 2028، ويتطلب المشروع إزالة جزء من بناء المسجد الواقع ضمن مسار الطريق.

ورفضت محكمة ماديا براديش العليا في سبتمبر طعنين ضد الإزالة الجزئية، معتبرة أن البلدية تصرفت وفق القانون ولأغراض المصلحة العامة. كما أشارت المحكمة إلى أن إجراءات مشابهة طالت منشآت دينية أخرى على المسار، من بينها أجزاء من عشرة معابد ومسجد آخر، وهو ما استندت إليه في رفض حجة أن الإجراء يستهدف المسجد على أساس ديني. The Indian Express

لكن القضية أثارت غضبًا بين مسلمين في أوجين، وتجمع سكان داخل المسجد وحوله ليل 27 سبتمبر احتجاجًا على إزالة جزء منه.

وفي صباح اليوم التالي وقعت مواجهات؛ قالت الشرطة إن بعض المحتجين رشقوا عناصرها بالحجارة، فيما استخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع لتفريق التجمع. The Indian Express

ثم كشفت الشرطة أن مقاطع مولدة بالذكاء الاصطناعي، تظهر على نحو زائف المسجد وكأنه يُهدم كاملًا، انتشرت قبيل المواجهات وساهمت، بحسب روايتها، في تضليل بعض المحتجين وحشدهم. وفتحت السلطات قضايا ضد عدد من صناع المحتوى بتهم تتعلق بنشر معلومات زائفة وإثارة العداوة الدينية.

وبالتالي جاءت مظاهرة نيودلهي بعد أقل من 48 ساعة من أحداث أوجين، وذكر المشاركون قضية المسجد الشاهي صراحة ضمن أسباب تحركهم.

«المساجد والمدارس»

وقبل المظاهرة، دعا الناشط نديم خان، السكرتير الوطني لجمعية حماية الحقوق المدنية (APCR)، إلى المشاركة، وقال إن التحرك جاء اعتراضًا على ما وصفه باستمرار إجراءات الجرافات ضد المواقع الدينية.

وذكر في دعوته المساجد والمدارس الإسلامية، واستشهد بقضية مسجد سهارنبور وحوادث أخرى في دلهي وأتر برديش وغوجارات وأوتاراخند.

كما قال المنظمون إن اعتراضهم لا يقتصر على المنشآت الإسلامية، مشيرين إلى مخاوف تتعلق بمنشآت نصرانية أيضًا، وطالبوا بمحاسبة المسؤولين عندما تقع عمليات هدم مخالفة للقانون.

وهذه النقطة تحتاج إلى ضبط صحفي: توصيف هذه الوقائع بأنها «استهداف منهجي للمساجد» هو موقف منظمي الاحتجاج، وليس حقيقة قضائية مثبتة في جميع الحالات؛ فالسلطات الهندية تقدم في عدد من تلك القضايا مبررات تتعلق بالبناء غير المرخص أو ملكية الأراضي أو مشروعات الطرق، بينما تعترض إدارات المساجد ومنظمات حقوقية وسياسيون معارضون على قانونية بعض الإجراءات أو طريقة تنفيذها.

مخاوف أخرى: هل تُحذف أسماء المسلمين من قوائم الناخبين؟

الملف الثاني الذي حمله المحتجون إلى جانتار مانتار كان انتخابيًا.

وتشهد الهند جدلًا واسعًا بشأن عملية مراجعة قوائم الناخبين. وقد تصاعدت الأزمة بعدما كشفت Indian Express عن خلافات داخل مفوضية الانتخابات بشأن عدد من القرارات المتعلقة بتحديث القوائم والأنظمة الرقمية.

وتقول المعارضة إن عملية المراجعة أدت إلى حذف أعداد كبيرة من الناخبين بصورة غير سليمة، وإنها قد تؤثر بصورة غير متناسبة في المسلمين وفئات أخرى.

وتنفي مفوضية الانتخابات وجود تلاعب، وتقول إن الخلافات الداخلية جزء طبيعي من عمل المؤسسة وإن الإجراءات المتخذة قانونية. كما ينفي حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم اتهامات المعارضة باستخدام مراجعة القوائم لمصلحته.

وبذلك ربط منظمو مظاهرة المسلمين بين أمن دور العبادة وبين المشاركة السياسية وحق التصويت، باعتبارهما، من وجهة نظرهم، جزءًا من أزمة أوسع تتعلق بوضع الأقليات.

ثلاثة نواب ينضمون إلى المظاهرة

image 247

اكتسب الاحتجاج وزنًا سياسيًا مع انضمام ثلاثة نواب من حزب ساماجوادي المعارض هم:

ضياء الرحمن برق، نائب سامبال؛ ومحب الله ندوي، نائب رامبور؛ وإقرا حسن، نائبة كيرانا.

وتؤكد مادة فيديو نشرتها India Today وجود النواب الثلاثة في التحرك إلى جانب المنظمات الإسلامية.

وشارك أيضًا ممثلون عن المجتمع المدني ومنظمات إسلامية وشخصيات عامة، ومن الأسماء التي أوردتها التغطيات رئيس الجماعة الإسلامية الهندية سيد سعادت الله الحسيني، والنائب السابق كونوار دانش علي، والأكاديمي أبورفاناند، إلى جانب ممثلين عن منظمات طلابية وحقوقية.

وقال النائب ضياء الرحمن برق خلال الاحتجاج إنهم سيواصلون المطالبة بما يعتبرونه «العدالة» للمسلمين، مؤكدًا استمرار تحركهم.

أما إقرا حسن فانتقدت تعامل السلطات مع الأقليات، وقالت إن للمسلمين حقًا دستوريًا في الاحتجاج بشأن المساجد والمدارس الدينية والمقابر وغيرها من مؤسساتهم. وهذه التصريحات تمثل موقفها السياسي من الأحداث.

الشرطة تحتجز النواب والمشاركين

لم يستمر التجمع دون تدخل الشرطة.

فقد احتجزت شرطة دلهي أعضاء من لجنة مراقبة مسلمي الهند وعددًا من المشاركين، إلى جانب النواب الثلاثة عن حزب ساماجوادي. وتظهر المواد المصورة عناصر الشرطة أثناء التعامل مع المشاركين ونقل بعضهم من منطقة الاحتجاج.

وتقول تقارير محلية إن أكثر من 50 شخصًا من قادة منظمات وناشطين ونواب حاليين وسابقين وآخرين تعرضوا للاحتجاز، لكنني لم أجد رقمًا رسميًا نهائيًا صادرًا عن شرطة دلهي يسمح بتقديم العدد باعتباره حصيلة رسمية؛ لذلك الأدق القول إن عشرات المشاركين احتُجزوا.

كما قال منظمو الاحتجاج إن الناشط نديم خان مُنع من المشاركة ووُضع قيد الإقامة المنزلية منذ صباح الثلاثاء.

من نزاعات محلية إلى احتجاج في العاصمة

تكمن أهمية مظاهرة نيودلهي في أنها جمعت في مكان واحد ملفات كانت تظهر خلال الأسابيع الماضية كحوادث منفصلة: مسجد هُدم في سهارنبور بعد نزاع قانوني، ومسجد تاريخي أزيل جزء منه في أوجين ضمن مشروع لتوسعة طريق، واعتراضات أخرى على إجراءات طالت منشآت دينية، إلى جانب مخاوف سياسية بشأن قوائم الناخبين.

ولذلك لم تكن أحداث جانتار مانتار احتجاجًا على حادثة مسجد واحدة، بل محاولة من منظمات إسلامية ونواب معارضين لتقديم هذه الوقائع باعتبارها قضية وطنية تتعلق بحقوق المسلمين ومؤسساتهم الدينية ومشاركتهم السياسية.

في المقابل، تختلف الخلفية القانونية من واقعة إلى أخرى، وتصر السلطات على أن بعض عمليات الهدم مرتبطة بمخالفات بناء أو إشغال أراضٍ حكومية أو مشروعات بنية تحتية، فيما تقول إدارات مساجد وسياسيون ومنظمات حقوقية إن طريقة تطبيق هذه الإجراءات تثير أسئلة حول التمييز والإجراءات القانونية الواجبة.

وهكذا جاءت مشاهد 29 سبتمبر من قلب نيودلهي لتكشف أن الجدل الذي بدأ حول جرافة أمام مسجد لم يعد محصورًا في مدينة أو ولاية بعينها، بل أصبح موضوعًا حاضرًا في احتجاج شارك فيه أعضاء في البرلمان ومنظمات إسلامية ومدنية على بعد مسافة قصيرة من مؤسسات الحكم المركزية في الهند.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *