كشف تقرير حقوقي جديد عن حصيلة واسعة للضحايا المدنيين الذين سقطوا جراء الغارات الجوية الأمريكية على اليمن بين أواخر عام 2023 ومنتصف عام 2025، في وقت أثارت فيه معلومات جديدة بشأن الدعم الذي قدمته بريطانيا لبعض العمليات الأمريكية أسئلة حول مسؤولية الدول المشاركة في العمليات العسكرية وآليات التحقيق في أضرارها على المدنيين.
وأصدر التقرير في 10 سبتمبر/أيلول 2026 (28 ربيع الأول 1448هـ) كل من منظمة «مواطنة لحقوق الإنسان» اليمنية و«مشروع تكاليف الحرب» التابع لجامعة براون الأمريكية، مستندًا إلى تحقيقات ميدانية وزيارات لمواقع القصف ومقابلات مع ناجين وأقارب ضحايا وشهود وعاملين في الإنقاذ.
576 قتيلًا وجريحًا في 46 واقعة

وثق الباحثون 46 واقعة غارات أمريكية بين ديسمبر/كانون الأول 2023 ومايو/أيار 2025، قالوا إنها أدت إلى سقوط ما لا يقل عن 576 مدنيًا بين قتيل وجريح.
وبحسب التقرير، قُتل 213 مدنيًا وأصيب 363 آخرون، وكان بين الضحايا ما لا يقل عن 50 طفلًا و25 امرأة. كما طالت الغارات، وفق التحقيق، منازل ومتاجر ومزارع وأحياء سكنية ومنشآت وبنية تحتية مدنية.
وأجرى فريق «مواطنة» 59 مقابلة مع ناجين وأفراد من أسر الضحايا وشهود ومسعفين ومصادر أخرى، إلى جانب زيارات ميدانية لمواقع عدد من الغارات. ويقول التقرير إن آثار الهجمات لم تقتصر على القتلى والجرحى، بل شملت فقدان مصادر الدخل وتدمير المتاجر والمزارع والورش والمرافق الأساسية في مناطق تعاني أصلًا نقصًا في المياه والكهرباء والخدمات الصحية.
عمليتان في عهد بايدن وترامب
يتناول التقرير مرحلتين رئيسيتين من العمليات الأمريكية.
الأولى هي «حارس الازدهار» التي بدأت في عهد الرئيس جو بايدن بعد تصاعد هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر وخليج عدن. ووثق التقرير خلال هذه المرحلة مقتل خمسة مدنيين وإصابة 22 آخرين في الغارات التي تناولها التحقيق.
أما المرحلة الثانية، وهي عملية «Rough Rider» التي نفذتها إدارة الرئيس دونالد ترامب بين 15 مارس/آذار و6 مايو/أيار 2025، فقد سجل خلالها التقرير الغالبية الساحقة من الضحايا، إذ قدر مقتل 208 مدنيين وإصابة 341 آخرين.
وجاءت العمليات الأمريكية ردًا على هجمات الحوثيين على السفن وناقلات النفط في البحر الأحمر وخليج عدن، والتي قالت الجماعة إنها تستهدف سفنًا مرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي أو متجهة إلى موانئها في سياق الحرب في غزة.
رأس عيسى.. واحدة من أكثر الضربات دموية
ومن أبرز الوقائع التي تناولها التقرير القصف الأمريكي لميناء رأس عيسى النفطي في الحديدة يوم 17 أبريل/نيسان 2025 (19 شوال 1446هـ).
وأقر البنتاغون لاحقًا بأن 80 مدنيًا «يُرجح» أنهم قتلوا وأصيب 171 آخرون في الهجوم، فيما وثقت منظمة «إيروورز» أسماء 84 مدنيًا قالت إنهم قتلوا، بينهم ثلاثة أطفال.
وكانت القيادة المركزية الأمريكية قد قالت عند تنفيذ الهجوم إن الهدف منه هو حرمان الحوثيين من مصدر للوقود والإيرادات تستخدمه الجماعة في تمويل عملياتها.
لكن منظمة «هيومن رايتس ووتش» قالت بعد تحقيق في الضربة إن الهجوم على الميناء ينبغي التحقيق فيه باعتباره «جريمة حرب محتملة»، مشيرة إلى العدد الكبير من الضحايا المدنيين والأهمية الإنسانية والاقتصادية للمنشأة.

مركز احتجاز المهاجرين في صعدة
وبعد 11 يومًا، في 28 أبريل/نيسان 2025 (30 شوال 1446هـ)، استهدفت غارة أمريكية مركز احتجاز في محافظة صعدة كان يضم مهاجرين أفارقة.
وأقر تقرير أمريكي لاحق بمقتل 68 مدنيًا وإصابة 47 في ذلك الهجوم، بينما طالبت منظمات حقوقية بإجراء تحقيق مستقل في ملابساته ومدى الالتزام بقواعد حماية المدنيين.
وتضمن تقرير «مواطنة» شهادات لناجين تحدثوا عن مشاهد قاسية عقب الهجوم، فيما سلط الضوء على آثار نفسية مستمرة لدى ناجين وأطفال شهدوا مقتل أو إصابة أفراد من أسرهم.
البنتاغون يعترف بمئات الضحايا
وتكتسب الأرقام الجديدة أهمية إضافية لأن وزارة الدفاع الأمريكية أقرت هي الأخرى بسقوط أعداد كبيرة من المدنيين.
ففي تقريرها السنوي بشأن الأضرار المدنية، قالت الوزارة إن ثلاث ضربات أمريكية فقط في اليمن خلال أبريل/نيسان 2025 أسفرت على الأرجح عن مقتل 153 مدنيًا وإصابة 243 آخرين.
ولا تمثل هذه الأرقام بالضرورة حصيلة البنتاغون لجميع الغارات التي تناولها تقرير «مواطنة»، بل تتعلق بثلاث حوادث أقر بها الجيش الأمريكي، بينما تقول المنظمة اليمنية إن تحقيقاتها في عشرات الوقائع أظهرت حصيلة أعلى بكثير.
أين تدخل بريطانيا؟
وتضيف مادة أخرى نشرتها منصة «Declassified UK» في 16 سبتمبر/أيلول 2026 (5 ربيع الآخر 1448هـ) بعدًا جديدًا للقضية، إذ قالت إن طائرات التزود بالوقود التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني قدمت دعمًا لعمليات أمريكية خلال حملة «Rough Rider».
وبحسب المادة، نفذت طائرات «Voyager» البريطانية ما لا يقل عن 25 مهمة انطلاقًا من قاعدة أكروتيري في قبرص خلال الحملة الأمريكية، وقد تزامنت رحلات بريطانية، استنادًا إلى بيانات تتبع الطيران التي حللتها المنصة، مع اثنتين من الضربات التي أقر البنتاغون بأنها أوقعت أعدادًا كبيرة من المدنيين.
وتشير البيانات التي جمعتها المنصة إلى أن طائرة تزود بالوقود بريطانية كانت تعمل في منطقة البحر الأحمر يوم قصف ميناء رأس عيسى، في وقت كانت فيه حاملة الطائرات الأمريكية «هاري إس ترومان» ومجموعتها القتالية تنفذ العمليات على اليمن.
وقالت باحثة في «هيومن رايتس ووتش» للمنصة إن احتمال مساهمة بريطانيا في دعم بعض تلك الضربات يمكن أن يثير مسألة «التواطؤ في جرائم حرب»، لكنها صياغة قانونية محتملة وليست حكمًا قضائيًا أو إثباتًا بأن الطائرات البريطانية شاركت مباشرة في تنفيذ القصف.
لندن: لم نشارك في ضربات «Rough Rider»

من جانبها، نفت وزارة الدفاع البريطانية أن تكون المملكة المتحدة قد شاركت في الضربات الأمريكية ضمن عملية «Rough Rider».
وقالت الوزارة إن بريطانيا قدمت «دعمًا روتينيًا للحلفاء في التزود بالوقود جوًا» للمساعدة في الدفاع عن حاملة الطائرات الأمريكية الموجودة في المنطقة، وإن أي دعم عملياتي تقدمه لندن لحلفائها يتم تقييمه بصورة منفصلة لضمان توافقه مع السياسة البريطانية والالتزامات القانونية.
وفي الوقت نفسه، تؤكد البيانات الحكومية البريطانية أن لندن شاركت بصورة مباشرة في عمليات أخرى ضد مواقع حوثية. ففي 29 أبريل/نيسان 2025، نفذت مقاتلات «تايفون» البريطانية بالاشتراك مع القوات الأمريكية غارات على منشأة قالت لندن إنها تستخدم لتصنيع طائرات مسيرة حوثية جنوب صنعاء، مع دعم من طائرات «Voyager» للتزود بالوقود.
خسائر لا تنتهي بانتهاء الغارة
يركز تقرير «مواطنة» في خلاصته على أن أثر الغارات لا ينتهي مع توقف القصف أو علاج المصابين، إذ تفقد أسر كثيرة معيلها أو منزلها أو مصدر رزقها، فيما يؤدي تدمير المزارع والمتاجر والبنية الأساسية إلى تعميق الفقر في بلد أنهكته أكثر من عشر سنوات من الحرب.
وتقول رئيسة منظمة «مواطنة لحقوق الإنسان» رضية المتوكل إن الخسائر التي لحقت بالمدنيين لا يمكن اعتبارها أضرارًا مؤقتة تنتهي بانتهاء العمليات العسكرية، مطالبة الولايات المتحدة بالاعتراف بالضحايا والتحقيق في الانتهاكات وتقديم التعويض وجبر الضرر.
وبين الأرقام التي توصل إليها الباحثون، والأرقام التي أقر بها البنتاغون نفسه، تفتح التقارير الجديدة مجددًا ملف الكلفة المدنية للحرب الجوية في اليمن، ليس فقط بالنسبة إلى الولايات المتحدة التي نفذت الغارات، وإنما أيضًا بالنسبة إلى الدول التي قدمت أشكالًا مختلفة من الدعم اللوجستي والعسكري للعمليات.
ويبقى السؤال الذي تطرحه هذه التحقيقات: عندما تُنفذ الحرب من خلال شبكة من الطائرات والقواعد والتزود بالوقود والمعلومات والدعم اللوجستي بين عدة دول، أين تبدأ مسؤولية كل طرف عن الضحايا المدنيين، وأين تنتهي؟
المصادر: «مواطنة لحقوق الإنسان»، مشروع «تكاليف الحرب» بجامعة براون، تقرير وزارة الدفاع الأمريكية بشأن الأضرار المدنية، «هيومن رايتس ووتش»، و«Declassified UK».





اترك تعليقاً