تتفاقم أزمة النزوح في محافظة تعز جنوب غربي اليمن مع استمرار المعارك واتساع رقعتها، بعدما أجبرت المواجهات الأخيرة عشرات الآلاف من المدنيين على ترك منازلهم والتوجه إلى مخيمات تعاني أصلًا نقصًا حادًا في المأوى والمياه والخدمات الأساسية.
وبحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فرّ ما لا يقل عن 100 ألف شخص من منازلهم جراء تجدد القتال، فيما غادر كثير منهم على عجل وبأقل قدر من ممتلكاتهم بسبب سرعة التطورات الميدانية.
وجاءت موجة النزوح الجديدة بعد تقدم الحوثيين المدعومين من إيران في مناطق الساحل الغربي وسيطرتهم، بحسب تقرير للجزيرة الإنجليزية، على مدينة المخا ومناطق أخرى على ساحل البحر الأحمر، بالتزامن مع تصاعد المواجهات مع القوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
تعز تتحمل العبء الأكبر
قال علي الشميري، المدير العام للوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في محافظة تعز، إن 65,845 شخصًا نزحوا في المحافظة خلال الفترة بين 10 أغسطس/آب 2026 (27 صفر 1448هـ) و15 سبتمبر/أيلول (4 ربيع الآخر 1448هـ).
وأضاف أن نحو 95% من هؤلاء قدموا من خمس مديريات شهدت أعنف المواجهات، وهي جبل حبشي والمعافر ومقبنة والوازعية وموزع.
ومع استمرار وصول الأسر، بدأت بعض المخيمات تعجز عن استيعاب الأعداد الجديدة.
ففي مخيم يقع بوادي بخولان في تعز، قال مسؤول محلي إن أكثر من 1,500 أسرة وصلت خلال ستة أيام فقط، فيما يعيش معظم الوافدين الجدد في العراء بسبب عدم توفر أماكن كافية لإيوائهم.
أما مخيم المنيّج في منطقة البيرين، على بعد نحو 40 كيلومترًا جنوب غربي مدينة تعز، فقد تحول مجددًا إلى ملجأ للفارين من الحرب، رغم أن المخيم يستضيف نازحين منذ جولات سابقة من الصراع.
ويقول سكانه إن الخدمات المتاحة محدودة للغاية، مع انقطاع أو عدم انتظام إمدادات مياه الشرب وقلة دورات المياه مقارنة بعدد السكان.
نزوح تحت القصف

وتكشف شهادات النازحين حجم المعاناة التي رافقت رحلة الفرار.
فاطمة محمد صالح، وهي يمنية تبلغ من العمر 70 عامًا ومن سكان مديرية مقبنة، قالت إنها اضطرت إلى مغادرة قريتها بعد اشتداد القصف وإطلاق النار.
وكانت فاطمة تعاني إعاقة حركية، واضطرت إلى ترك كرسيها المتحرك لأنه لم يكن ملائمًا للطريق الوعر الذي سلكته أسرتها هربًا من القتال.
وتقول إنها اضطرت إلى الزحف مستخدمة يديها لمسافة طويلة، وسط الأمطار والسيول، قبل أن تعثر الأسرة على مركبة تقلها إلى مكان أكثر أمانًا.
وفي مخيم المنيّج، يعيش سيف قائد ثابت، البالغ من العمر 73 عامًا، مع زوجته وأطفاله الأربعة في مكان مكشوف منذ وصولهم في 10 سبتمبر/أيلول 2026 (28 ربيع الأول 1448هـ).
ترك الرجل خلفه مزرعته ومواشيه في منطقة الكدحة غربي تعز، وقال إن أسرته فرت بسبب الرصاص وقذائف المدفعية، ولا تزال تنتظر الحصول على مأوى مناسب.
أسر تنزح أكثر من مرة

ولا تنتهي رحلة النزوح دائمًا بالوصول إلى أول منطقة آمنة.
ملوك أحمد علي، البالغة من العمر 55 عامًا، قالت إن أسرتها المكونة من 14 شخصًا، وبينهم عدد من الأطفال وجدّة مسنة، هربت سيرًا على الأقدام من الطائرات المسيّرة والقصف وإطلاق النار.
ولجأت الأسرة في البداية إلى منطقة قريبة من قريتها أملاً في أن تتوقف المعارك سريعًا ويتمكن أفرادها من العودة إلى منازلهم، لكن القتال امتد نحو المنطقة الجديدة، ما اضطرهم إلى النزوح مرة أخرى حتى وصلوا إلى المخيم على متن مركبة عسكرية.
وتقول الأسرة إنها تعيش حاليًا في خيمة صغيرة واحدة، بينما تخشى أن تكون ممتلكاتها قد تعرضت للنهب وأن تكون معظم مواشيها قد نفقت أو ضاعت.
الأزمة مرشحة للتفاقم

وتحذر المؤشرات الميدانية من أن موجة النزوح قد لا تكون قد بلغت ذروتها بعد.
فمع استمرار القتال على عدة جبهات في تعز ومحيط الساحل الغربي، وتواصل العمليات العسكرية بين الحوثيين والقوات الحكومية، يظل آلاف المدنيين في مناطق قريبة من خطوط المواجهة معرضين لنزوح جديد.
وفي الوقت نفسه، تواجه المخيمات التي تستقبل الفارين تحديًا مزدوجًا: أعداد متزايدة من النازحين، وموارد محدودة لا تكفي لتوفير المأوى والمياه والخدمات الأساسية لهم.
وبينما تتركز الأنظار على التحولات العسكرية والسيطرة على المدن والموانئ الاستراتيجية، تكشف المخيمات المنتشرة في تعز الوجه الآخر للحرب: أسر تترك منازلها ومزارعها ومواشيها خلال ساعات، ومسنون وأطفال يقطعون طرقًا وعرة تحت القصف، ثم يصلون إلى مخيمات لا تملك في كثير من الأحيان سوى الحد الأدنى من مقومات الحياة.





اترك تعليقاً