إذا كانت مكة والمدينة تمثلان مهد الإسلام، وإذا كانت دمشق وبغداد والقاهرة قد أصبحت لاحقًا عواصم كبرى للدولة والحضارة، فإن القيروان تمثل لحظة مختلفة في تاريخ الإسلام: لحظة انتقال الحضارة الإسلامية من المشرق إلى قلب المغرب.
لم تكن القيروان مدينة نشأت حول ميناء قديم أو عاصمة سابقة، وإنما أقيمت في القرن الأول الهجري لتكون قاعدة للمسلمين في إفريقيا، ومركزًا عسكريًا وإداريًا دائمًا، ومكانًا يستقر فيه الجند وأسرهم، ومنه تتحرك الجيوش نحو المناطق الغربية.
ومن هذه المدينة بدأت مرحلة جديدة في تاريخ المغرب الإسلامي.. إذ لم تعد الفتوحات مجرد حملات عسكرية عابرة، بل بدأت تتحول إلى استقرار وعمران وتعليم وأسواق وقضاء ومؤسسات علمية.
وقد تأسست القيروان سنة 50هـ/670م على يد عقبة بن نافع، وهي أقدم قاعدة عربية إسلامية في المغرب، وأصبحت عاصمة إفريقيا لخمسة قرون وأحد أهم مراكز انتشار الحضارة العربية الإسلامية في الغرب الإسلامي.

لماذا بُنيت القيروان؟
كان فتح مصر قد نقل حدود الدولة الإسلامية إلى شمال إفريقيا، لكن المسافة بين مصر وبلاد المغرب كانت واسعة، وكان استمرار العمليات العسكرية من قواعد المشرق وحدها شديد الصعوبة.
ولهذا احتاج المسلمون إلى مدينة تكون قاعدة ثابتة في إفريقية.
اختار عقبة بن نافع موقع القيروان بعيدًا عن الساحل نسبيًا، وهي نقطة ذات دلالة عسكرية، فالمدينة لم تكن ميناءً معرضًا للهجوم البحري المباشر، وفي الوقت نفسه كانت قريبة من طرق الحركة نحو الداخل.
وتذكر الروايات الإسلامية أن عقبة أراد مدينة يأمن فيها الجند بأسرهم وأموالهم، وتكون منطلقًا للغزوات، فاختار موضع القيروان وبنى فيها المسجد الجامع، ثم نزل الناس حوله، حتى أصبحت المدينة قاعدة دائمة للمسلمين.
وهنا يظهر الفرق بين الفتح والاستيطان، فالفتح يفتح الأرض، أما المدينة فتصنع القدرة على البقاء فيها.
والقيروان كانت واحدة من أهم الأدوات التي جعلت الوجود الإسلامي في المغرب يتحول من حركة عسكرية إلى حضور حضاري مستقر.

أحد أبرز شواهد العمارة الإسلامية المبكرة في المغرب، ومركز الحياة الدينية والعلمية الذي ارتبط بصعود القيروان.
عقبة بن نافع.. المؤسس الذي ترك اسمه في المدينة
ارتبط اسم القيروان منذ نشأتها باسم عقبة بن نافع الفهري، أحد أبرز قادة الفتح في شمال إفريقيا، ولم يكن دوره مجرد قيادة الجيوش، فاختياره إنشاء مدينة دائمة في إفريقية كان قرارًا استراتيجيًا طويل المدى.
ومن القيروان تحركت الحملات غربًا، ثم استمرت عملية التوسع في عهد من جاء بعده.
لكن تاريخ المغرب الإسلامي لم يكن طريقًا مستقيمًا للفتح، فقد واجه المسلمون مقاومة قوية من القوى المحلية، ووقعت صراعات متكررة، وتبدلت السيطرة على القيروان نفسها في بعض المراحل.
ومن أبرز محطات هذه المرحلة مقتل عقبة سنة 63هـ/683م في معركة تهوذة، ثم عودة المسلمين إلى تثبيت نفوذهم في المنطقة لاحقًا.
من قاعدة عسكرية إلى مدينة تصنع المغرب
هذه هي النقطة الأهم في تاريخ القيروان، فبعد مرحلة الفتح، بدأت المدينة تتجاوز وظيفتها العسكرية.
توسعت الأسواق، واستقر السكان، ونشأت المساجد، وظهر القضاء، وبدأ العلماء والفقهاء يتوافدون إليها، وتحولت إلى مركز تتشكل فيه ملامح الإسلام المغاربي.
ثم جاءت الدولة الأموية، وتلتها مرحلة الولاة، حتى أصبحت القيروان المركز الإداري والسياسي لإفريقيا.
وفي العصر العباسي ظهرت أسرة الأغالبة، التي حكمت إفريقيا باسم الخلافة العباسية منذ 184هـ/800م، واتخذت من القيروان عاصمة لها. وهنا دخلت المدينة عصرها الذهبي.
الأغالبة.. عندما أصبحت القيروان عاصمة دولة
في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، أصبحت القيروان واحدة من أبرز عواصم العالم الإسلامي.
لم تعد مجرد قاعدة للجيوش، بل تحولت إلى مركز للدولة الأغلبيّة، وازدهرت فيها العمارة والأسواق والصناعات والعلوم.
وكان من أعظم آثار تلك المرحلة إعادة بناء جامع القيروان الكبير على يد الأمير زيادة الله الأول سنة 221هـ/836م، بعد مراحل سابقة من البناء والتوسعة والترميم.
وتوضح مصادر الفن الإسلامي أن المسجد الحالي ورث موقع أول مسجد أقامه عقبة، وأنه أعيد بناؤه في العصر الأغلبي حتى أخذ معظم أبعاده الحالية.
أما اليونسكو فتعد الجامع الكبير أحد أهم آثار القرون الأولى للهجرة، وتعتبره نموذجًا أثّر في عمارة المساجد في المغرب الإسلامي.
ولم يكن المسجد مجرد بناء للصلاة، حيث أصبح جامعة المدينة ومركزها العلمي.

القيروان.. حين أصبح المسجد مدرسة للمغرب
من أهم ما صنع مكانة القيروان أن العلم لم يصل إليها بوصفه نشاطًا ثانويًا، وإنما أصبح جزءًا من هوية المدينة.
برز فيها فقهاء ومحدثون كبار، وكان من أشهرهم أسد بن الفرات وسحنون بن سعيد.
كان أسد بن الفرات من أبرز علماء الفقه في إفريقية، وارتبط اسمه بانتقال العلوم الفقهية من المشرق إلى المغرب، كما قاد الحملة الإسلامية على صقلية في عهد الأغالبة سنة 212هـ/827م.
أما سحنون، المتوفى سنة 240هـ/854م، فأصبح أحد أعظم أعلام المذهب المالكي، وارتبط اسمه بكتاب «المدونة» الذي أصبح من أهم مصادر الفقه المالكي.
ومن هنا أصبحت القيروان واحدة من أهم المراكز التي رسخت المذهب المالكي في المغرب الإسلامي.
وتشير مصادر التراث والتاريخ العلمي للقيروان إلى أن جامعها تحول إلى مركز لتدريس العلوم الشرعية، بينما تذكر المصادر الحديثة أن المدينة استضافت علماء في الفقه والحديث والطب والرياضيات والفلك.
العلم لم يتوقف عند الفقه
لم تكن القيروان مدينة فقه وحده.
ومن أعلامها الطبيب إسحاق بن عمران، الذي عاش في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، ثم جاء ابن الجزار القيرواني، المتوفى سنة 369هـ/979م تقريبًا، أحد أشهر أطباء العالم الإسلامي في عصره، وتنسب إليه مؤلفات طبية مؤثرة، وانتقلت أعماله لاحقًا إلى أوروبا عبر الترجمات اللاتينية.
وهنا تتضح صورة القيروان بصورة أوسع: المدينة التي حملت المذهب المالكي إلى المغرب، وفي الوقت نفسه كانت تنتج الطب والرياضيات والفلك والأدب. لم تكن حاضرة دينية فقط.. كانت مدينة معرفة.
القيروان والفتح نحو الأندلس
لم يتوقف أثر القيروان عند حدود تونس الحالية.
فمن إفريقيا تحركت الجيوش الإسلامية نحو المغرب الأقصى، ثم عبرت إلى الأندلس سنة 92هـ/711م بقيادة طارق بن زياد.
ولا يصح اختزال فتح الأندلس في القيروان وحدها، فقد كان نتاج مراحل طويلة من التوسع الإسلامي في شمال إفريقيا، شاركت فيها مراكز وقوى وقادة متعددون.
لكن القيروان كانت جزءًا محوريًا من البنية السياسية والعسكرية التي سمحت باستمرار هذا التوسع.
وهكذا أصبحت المدينة حلقة في سلسلة جغرافية هائلة: المشرق، ومصر ، والقيروان، والمغرب ثم الأندلس، وهذه إحدى أعظم وظائفها التاريخية.
عندما انتقلت العاصمة.. بقيت الروح
في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، دخلت إفريقيا مرحلة جديدة مع الفاطميين، ثم انتقلت مركزية الحكم إلى المهدية، وبعد ذلك أصبحت تونس مركزًا سياسيًا مهمًا.
ثم جاءت الدولة الزيرية، وبعدها تحولات سياسية كبرى انتهت بتراجع مكانة القيروان السياسية، لكن المدينة لم تفقد مكانتها الدينية.
وتؤكد المصادر التاريخية أن انتقال العاصمة السياسية إلى تونس في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي لم يسقط مكانة القيروان باعتبارها المدينة المقدسة الرئيسية في المغرب الإسلامي.
وهذه من أهم سمات المدن الحضارية: قد تفقد المدينة السلطة، لكنها لا تفقد بالضرورة الذاكرة.
جامع القيروان.. ذاكرة المغرب الإسلامي
ظل جامع القيروان الكبير محور المدينة، ومع مرور القرون أصبح أحد أعظم نماذج العمارة الإسلامية في شمال إفريقيا؛ مئذنته المربعة، وصحنه الواسع، وقاعة الصلاة ذات الأعمدة الكثيرة، ومحرابه، ومنبره الخشبي القديم، كلها تشكل سجلًا معماريًا لتطور الفن الإسلامي في إفريقية.
وتشير هيئة التراث التونسية إلى أن المسجد الحالي مر بمراحل متعددة من إعادة البناء والتوسعة، وأن إعادة البناء الكبرى في العصر الأغلبي أعطته أبعاده الأساسية.
وإلى جانب الجامع، بقي مسجد الأبواب الثلاثة، الذي يعود إلى القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، وأحواض الأغالبة، والمدينة القديمة بأسوارها وأزقتها، شواهد على حاضرة ازدهرت قبل قرون من نشوء كثير من المدن الإسلامية الكبرى في المغرب والأندلس.
القيروان.. حين أصبحت المدينة جسرًا
القيروان ليست مجرد مدينة تونسية تاريخية، ففي ميزان الحضارة الإسلامية، هي الجسر الذي عبرت عليه مؤسسات الإسلام وعلومه وثقافته من المشرق إلى المغرب.
من مسجد عقبة إلى مدرسة سحنون، ومن فقه أسد بن الفرات إلى طب ابن الجزار، ومن جيوش إفريقية إلى طريق الأندلس، صنعت المدينة طبقة فوق طبقة من التاريخ.
ولهذا فإن فهم تاريخ المغرب الإسلامي من دون فهم القيروان يعني فقدان إحدى أهم حلقات التحول من الفتح إلى الحضارة.
كانت هذه هي الحلقة الـ 12 من سلسلة حواضر الإسلام ، والتي تم إلقاء الضوء فيها على القيروان .. المدينة التي عُرفت بأنها أول حاضرة عربية إسلامية كبرى في المغرب، وعاصمة إفريقيا لقرون، ومركز ترسيخ الإسلام والمذهب المالكي والعلوم في المغرب الإسلامي، وقاعدة انطلقت منها مراحل أساسية من التوسع الإسلامي نحو المغرب والأندلس.




اترك تعليقاً