في صباح الثلاثاء 23 جمادى الآخرة 1422هـ الموافق 11 سبتمبر 2001م. لم تكن الولايات المتحدة على موعد مع هجوم عسكري تقليدي، بل مع عملية غير مسبوقة في طبيعتها وحجم أثرها؛ إذ اختطف 19 عنصرًا من تنظيم القاعدة أربع طائرات ركاب أمريكية، وحوّلوا الطائرات نفسها إلى أسلحة لضرب أهداف داخل الولايات المتحدة. انتهى ذلك اليوم بمقتل ما يقارب ثلاثة آلاف شخص، لكنه في الحقيقة لم ينتهِ عند حدود نيويورك وواشنطن وبنسلفانيا؛ إذ فتح مرحلة تاريخية جديدة امتدت آثارها إلى أفغانستان والعراق والشرق الأوسط وأوروبا، وأعادت صياغة مفهوم الأمن والحرب والرقابة والسياسة الخارجية الأمريكية لعقود.
ماذا حدث صباح 11 سبتمبر؟

بدأت العملية عندما اختُطفت أربع طائرات مدنية كانت في رحلات داخلية. اصطدمت رحلة الخطوط الأمريكية رقم 11 بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي عند الساعة 8:46 صباحًا، ثم اصطدمت رحلة يونايتد 175 بالبرج الجنوبي بعد نحو 16 دقيقة. وضُرب مبنى وزارة الدفاع الأمريكية، البنتاغون، بطائرة ثالثة، بينما تحطمت الطائرة الرابعة، الرحلة 93، في ولاية بنسلفانيا بعد مقاومة ركابها للخاطفين، ويُرجح أن هدفها كان مبنى البيت الأبيض في واشنطن.
انهار البرج الجنوبي أولًا ثم البرج الشمالي. وخلص التحقيق الهندسي الذي أجراه المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا NIST إلى أن اصطدام الطائرات تسبب في أضرار هيكلية واسعة وأزال أجزاء من مواد الحماية من الحرائق، ثم أدت الحرائق متعددة الطوابق إلى إضعاف العناصر الفولاذية حتى بدأ الانهيار. ولم يجد التحقيق أدلة تؤيد فرضية الهدم المتحكم به بالمتفجرات.
كانت العملية نتيجة سنوات من التخطيط. ووفق لجنة التحقيق في هجمات 11 سبتمبر، طرح خالد شيخ محمد على قيادة القاعدة فكرة استخدام طائرات مختطفة في هجمات داخل الولايات المتحدة في أواخر التسعينيات، ثم تبنى أسامة بن لادن المشروع، وبدأ الإعداد العملي للعملية منذ عام 1419هـ (1999 تقريبًا). وقد تكلف التخطيط والتنفيذ، وفق التحقيق الأمريكي، ما بين 400 ألف و500 ألف دولار.
لماذا استهدفت القاعدة الولايات المتحدة؟

لفهم دوافع الهجمات، يجب العودة إلى التسعينيات، وليس إلى صباح 11 سبتمبر وحده.
كان أسامة بن لادن قد انتقل تدريجيًا من التركيز على الصراعات المحلية إلى مفهوم استهداف ما سماه «العدو البعيد»، أي الولايات المتحدة. وترصد لجنة 11 سبتمبر عدة عناصر مركزية في خطاب القاعدة آنذاك، أبرزها وجود القوات الأمريكية في السعودية بعد حرب الخليج، والسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، والدعم الأمريكي للاحتلال الإسرائيلي، إلى جانب تصور أيديولوجي أوسع يرى الولايات المتحدة القوة الرئيسية التي تحمي الأنظمة والسياسات التي كان التنظيم يعاديها.
لكن هذه المظالم السياسية لم تكن وحدها سبب الهجوم. فقد اندمجت داخل رؤية أيديولوجية جهادية عابرة للحدود ترى استهداف الأمريكيين وسيلة مشروعة لإجبار واشنطن على الانسحاب من المنطقة وإثارة مواجهة أوسع معها.
وهنا تظهر مفارقة أكثر تعقيدًا: أرادت القاعدة إضعاف النفوذ الأمريكي وإجبار واشنطن في النهاية على الانكفاء عن المنطقة، لكنها راهنت في الوقت نفسه على استفزاز الولايات المتحدة واستدراجها إلى حروب طويلة تستنزف قوتها ومواردها. وقد تحقق جزء من هذا السيناريو بعد 11 سبتمبر؛ إذ ردت واشنطن بأوسع حملة عسكرية وأمنية لها منذ عقود، من أفغانستان إلى العراق وساحات أخرى، وأنفقت تريليونات الدولارات على مدى أكثر من عشرين عامًا. وبذلك لم تكن المفارقة أن أمريكا تدخلت خلافًا لما أرادته القاعدة، بل أن التدخل الواسع نفسه كان من النتائج التي راهنت القاعدة على أن تتحول، مع الزمن، إلى عبء يستنزف الولايات المتحدة.
لماذا نجحت العملية؟
ربما يكون هذا السؤال أهم من السؤال عن كيفية التنفيذ نفسه. فلم يكن تنظيم القاعدة مجهولًا بالكامل قبل سبتمبر 2001. فقد نفذ أو ارتبط بسلسلة هجمات سابقة، أبرزها تفجير السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا عام 1998، كما كانت أجهزة الاستخبارات الأمريكية تعلم أن بن لادن يريد ضرب أهداف أمريكية.
بل إن تقارير استخباراتية سبقت الهجمات حملت تحذيرات لافتة، من بينها تقرير في أغسطس/آب 2001 بعنوان يفيد بأن «بن لادن مصمم على الضرب داخل الولايات المتحدة». ومع ذلك، لم تتمكن المؤسسات المختلفة من جمع المعلومات المتفرقة وتحويلها إلى صورة عملياتية واضحة تمنع الهجوم.
ولهذا خلصت لجنة 11 سبتمبر إلى أن أحد أبرز الإخفاقات كان إخفاقًا في الخيال المؤسسي والتنسيق؛ فقد كانت جهات مختلفة تمتلك قطعًا من المعلومات، لكن لم تكن هناك منظومة قادرة على ربطها كلها ببعضها في الوقت المناسب.
ومن هذه النقطة تحديدًا بدأ واحد من أكبر التحولات التي أحدثها سبتمبر: إعادة بناء الجهاز الأمني الأمريكي نفسه.
لماذا اختيرت أهداف الحادي عشر؟

لم يكن مخططو هجمات 11 سبتمبر يريدون فقط إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا، بل أرادوا ضرب صور القوة الأمريكية في قلب الولايات المتحدة. فجاء مركز التجارة العالمي ليجسد القوة الاقتصادية والمالية؛ ووفق تقرير لجنة 11 سبتمبر، كان خالد شيخ محمد يرى أن التأثير في السياسة الأمريكية يمر عبر استهداف اقتصادها، ولذلك اعتبر نيويورك، التي وصفها بالعاصمة الاقتصادية للولايات المتحدة، هدفًا رئيسيًا. وكان المركز قد ظهر أصلًا في تفكيره منذ تسعينيات القرن الماضي، بعد محاولة تفجيره عام 1413هـ (1993م).



أما البنتاغون فكان يمثل بصورة مباشرة القوة العسكرية الأمريكية ووزارة الدفاع التي تدير الانتشار العسكري للولايات المتحدة حول العالم. وهو رمز الهيبة الأمريكية، أكبر قوة عالمية تفرض هيمنتها على العالم بقوتها. وتشير المصادر الرسمية الأمريكية نفسها إلى هذا البعد الرمزي؛ فبرجا التجارة كانا رمزين للقوة الاقتصادية الأمريكية، بينما مثّل البنتاغون القوة العسكرية.

وكان الهدف الرابع يحمل دلالة سياسية أكبر. فقد شملت القائمة الأولية البيت الأبيض ومبنى الكونغرس، وكان بن لادن يميل إلى ضرب البيت الأبيض، بينما اتُّفق أيضًا على أهمية استهداف الكابيتول. وتظهر اتصالات المخططين أنهم استخدموا رموزًا لهذه المواقع: «العمارة» لمركز التجارة، و«الفنون» للبنتاغون، و«القانون» للكونغرس، و«السياسة» للبيت الأبيض. كما اختير موعد بعد الأسبوع الأول من سبتمبر جزئيًا حتى يكون الكونغرس منعقدًا.
ومن هنا يمكن قراءة اختيار الأهداف بوصفه رسالة مركبة: ضرب الاقتصاد في نيويورك، والقوة العسكرية في البنتاغون، ثم مركز القيادة أو القرار السياسي في واشنطن. أي أن الهجوم لم يكن موجهًا إلى مبانٍ متفرقة بقدر ما كان يستهدف، رمزيًا، أعمدة القوة الأمريكية الثلاثة: المال، والسلاح، والقرار السياسي. وهذه قراءة تحليلية تستند بقوة إلى طبيعة الأهداف وما كشفته التحقيقات عن طريقة اختيارها، لا إلى بيان واحد تركه المنفذون يشرح هذه الرمزية حرفيًا.
أما الطائرة الرابعة، الرحلة 93، فلم تصل إلى هدفها وسقطت في بنسلفانيا بعد مقاومة الركاب. وتقول لجنة 11 سبتمبر إن وجهتها المرجحة كانت مبنى الكونغرس أو البيت الأبيض.
لقد اختار مخططو 11 سبتمبر أهدافًا تختصر صورة الولايات المتحدة نفسها: مركز التجارة رمزًا لقوتها الاقتصادية، والبنتاغون لقوتها العسكرية، والبيت الأبيض أو الكونغرس لسلطتها السياسية؛ وكأن الرسالة المقصودة كانت أن الضربة تستطيع الوصول إلى المال والسلاح وصانع القرار معًا، وفي قلب الأراضي الأمريكية التي لم يجرؤ أحد على ضربها من قبل، حتى في الحرب العالمية. حيث لم تتجاوز ضربة بيل هربر جزيرة أواهو في هاواي وسط المحيط الهادئ. وكانت هاواي آنذاك إقليمًا أمريكيًا، ولم تصبح ولاية أمريكية إلا سنة 1379هـ ( 1959م).
ولذلك تعتبر ضربات الحادي عشر من سبتمبر أول هجوم يصيب قلب البر الأمريكي نفسه، مستهدفًا نيويورك وواشنطن، ويهز الهيبة الأمريكية التي لم تنجح الحروب العالمية في هزها. وليس على يد دول كبرى إنما تنظيم جهادي وعدد محدود من الرجال المسلمين جاءوا من خلفيات أسرية لا تعاني الفقر والجهل.

فقد كان منفذو هجمات 11 سبتمبر 19 رجلًا ينتمون إلى تنظيم القاعدة، معظمهم من دول عربية؛ 15 منهم سعوديون، واثنان من الإمارات، وواحد مصري، وواحد لبناني. تفاوتت خلفياتهم الاجتماعية والتعليمية؛ فلم يكونوا فقراء أو قليلي التعليم، بل إن بعض أبرز المخططين والمنفذين تلقوا تعليمًا جامعيًا وعاشوا في أوروبا والولايات المتحدة. وكان محمد عطا المصري قائد المجموعة العملياتية وأحد الطيارين، فيما تلقى عدد من أفراد المجموعة تدريبات على الطيران داخل الولايات المتحدة. وقد جرى تجنيدهم وتوجيههم ضمن شبكة القاعدة، بعد مسارات متفاوتة من التجنيد والاتصال بالتنظيم، قبل دخولهم الولايات المتحدة والتحضير للهجوم.
بوش يعلنها حربا صليبية

في 16 سبتمبر/أيلول 2001م (28 جمادى الآخرة 1422هـ)، وبعد خمسة أيام فقط من هجمات 11 سبتمبر، أثار الرئيس الأمريكي جورج بوش جدلًا واسعًا عندما قال للصحفيين إن «هذه الحملة الصليبية، هذه الحرب على الإرهاب، ستستغرق وقتًا». واستخدامه كلمة “crusade” أثار حساسية كبيرة في العالم الإسلامي، لما تحمله كلمة «الحروب الصليبية» من إرث تاريخي وديني ثقيل، ولا سيما في سياق حديث عن حرب أمريكية مرتقبة في دول ذات أغلبية مسلمة.
وسارعت الإدارة الأمريكية لاحقًا إلى التخفيف من دلالة العبارة، مؤكدة أن بوش استخدمها بمعنى «حملة واسعة» لا بمعنى حرب دينية ضد الإسلام، كما حاول بوش بعد ذلك التأكيد مرارًا أن الولايات المتحدة لا تحارب الإسلام وإنما تنظيمات إرهابية. ومع ذلك، بقي التصريح حاضرًا في الجدل السياسي والإعلامي، واستخدمه تنظيم القاعدة لاحقًا في مواجهة الرواية الأمريكية لما يسمى «الحرب على الإرهاب» باعتبارها مواجهة دينية بين الغرب والعالم الإسلامي.
من أفغانستان بدأت «الحرب على الإرهاب»

بعد أقل من شهر من الهجمات، بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها الحرب في أفغانستان في أكتوبر/تشرين الأول 2001 بهدف إسقاط حكومة طالبان التي كانت تستضيف قيادة تنظيم القاعدة.
انهار حكم طالبان بسرعة نسبيًا، ولم تتمكن الولايات المتحدة من اعتقال أسامة بن لادن الذي اختفى وعدد من قادة التنظيم. لكن الحرب التي بدت في البداية عملية عسكرية قصيرة تحولت إلى أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة في تاريخها الحديث.
استمرت القوات الأمريكية في أفغانستان نحو عشرين عامًا، قبل الانسحاب النهائي في أغسطس/آب 2021. وبعد الانسحاب عادت طالبان إلى الحكم، في نتيجة تاريخية حملت مفارقة واضحة: النظام الذي أُسقط بعد هجمات سبتمبر عاد إلى كابل بعد عقدين من الحرب.
أما بن لادن فأعلنت القيادة الأمريكية مقتله على يد قوة أمريكية خاصة في أبوت آباد بباكستان في مايو/أيار 2011. لكنها لم تكشف يوما عن جثته واعترى رواية مقتله الاضطراب.
مقتل بن لادن.. رواية رسمية بقيت محاطة بالأسئلة

وفي 29 جمادى الأولى 1432هـ. الموافق للثاني من مايو/أيار 2011 أعلنت الولايات المتحدة مقتل أسامة بن لادن خلال عملية نفذتها قوات خاصة في مجمع سكني بمدينة أبوت آباد الباكستانية، ثم قالت إن جثمانه نُقل إلى حاملة الطائرات الأمريكية «يو إس إس كارل فينسون» ودُفن في البحر بعد ساعات من مقتله، بدعوى مراعاة أحكام الدفن الإسلامي خلال أربع وعشرين ساعة.
غير أن الرواية الرسمية لم تخلُ من الاضطراب؛ فقد اضطرت الإدارة الأمريكية إلى تصحيح عدد من التفاصيل التي أعلنتها في الساعات الأولى، منها القول بداية إن بن لادن كان مسلحًا وإن إحدى زوجاته استُخدمت درعًا بشريًا، قبل أن يتبين لاحقًا أنه لم يستخدم المرأة بهذه الصورة. كما لم تنشر واشنطن صور الجثمان، رغم إقرارها بوجود صور للعملية وما بعدها، وبررت ذلك بالخوف من أن تصبح الصور مادة للتحريض.
وقالت السلطات إنها تحققت من هويته عبر الحمض النووي ووسائل أخرى، لكن التخلص السريع من الجثمان وغياب صور علنية له، إلى جانب تغير بعض تفاصيل الرواية في الأيام الأولى، أبقى مجالًا واسعًا للتشكيك والنظريات البديلة. ومع ذلك، فإن وجود هذه الثغرات والأسئلة لا يشكل بحد ذاته دليلًا تاريخيًا على أن بن لادن لم يُقتل؛ بل يكشف أساسًا عن مشكلة في شفافية الرواية الأمريكية وطريقة تقديمها للرأي العام.
استغرق الوصول إلى أسامة بن لادن قرابة عشر سنوات بعد هجمات 11 سبتمبر، وهي مدة تكشف حجم الصعوبة التي واجهتها الولايات المتحدة في تعقبه رغم الإمكانات الاستخباراتية والعسكرية الهائلة التي سخّرتها لذلك.
والأكثر لفتًا للانتباه أنه لم يكن مختبئًا في كهف ناءٍ على الحدود الأفغانية كما ظل يُتصور طويلًا، بل عُثر عليه في مجمع سكني بمدينة أبوت آباد الباكستانية، على مقربة من مؤسسات عسكرية باكستانية بارزة. وقد جعل هذا الموقع نفسه جزءًا من الجدل؛ إذ أظهر أن بن لادن استطاع لسنوات أن يتوارى في مكان لم يكن في صدارة الاحتمالات المطروحة، ما أثار أسئلة عن عجز الأجهزة الاستخباراتية في رصد وجوده، وكيف أمكن لأكثر المطلوبين في العالم أن يعيش كل هذه المدة بعيدًا عن أعين المطاردة الدولية.
فلسطين حاضرة في أبوت أباد
بعد مقتل أسامة بن لادن، أثارت الصور الجوية والمخططات المنشورة لمجمعه في أبوت آباد ملاحظة لافتة، إذ رأى بعض المتابعين والصحف تشابهًا بين الشكل غير المنتظم لحدود المجمع وبين خريطة فلسطين. وذهبت تحاليل إلى أن بن لادن أراد به رمزية فلسطينية؛ والتذكير بسبب دوافعه لاستهداف الأمريكيين الذين يدعمون الاحتلال الإسرائيلي بلا هوادة.


شكل مجمع بن لادن من الجو يشبه خريطة فلسطين التاريخية قبل 1367هـ (1948م) والمنزل الرئيسي يقع، وفق هذه المقارنة، تقريبًا في الموضع الذي تقع فيه القدس على الخريطة.
ثم جاءت حرب العراق

في 17 محرم 1424هـ الموافق لمارس/آذار 2003 غزت الولايات المتحدة العراق وأسقطت نظام صدام حسين.
وهنا من الضروري تاريخيًا الفصل بين أمرين كثيرًا ما اختلطا لاحقًا: لم تثبت لجنة 11 سبتمبر أن حكومة العراق شاركت في التخطيط لهجمات 11 سبتمبر. لكن إدارة الرئيس جورج بوش وضعت العراق داخل البيئة السياسية والاستراتيجية التي نشأت تحت عنوان «الحرب على الإرهاب»، وربطت غزو العراق بقضية أسلحة الدمار الشامل وبالمخاطر الأمنية التي قالت إن هجمات سبتمبر أظهرت ضرورة مواجهتها استباقيًا.
لم تُعثر لاحقًا على المخزونات المعلنة من أسلحة الدمار الشامل التي كانت أحد أهم مبررات الحرب.
وكان لهذا الغزو أثر شديد العمق: انهيار الدولة العراقية، تفكيك الجيش، حرب أهلية وصعود جماعات مسلحة من ضمنها تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين بقيادة أبي مصعب الزرقاوي، ثم ولادة تنظيم «الدولة الإسلامية» لاحقًا من البيئة الجهادية التي نشأت في العراق وسوريا.
وبذلك أصبحت واحدة من أخطر النتائج غير المباشرة لمرحلة ما بعد سبتمبر أن الحرب التي أُعلنت لمواجهة التنظيمات الجهادية أسهمت، في بعض ساحاتها، في إنتاج ظروف ساعدت تنظيمات أكثر انتشارًا على الظهور.
11 سبتمبر غيّر الدولة الأمريكية من الداخل
قبل الهجمات، كان السفر بالطائرة والإجراءات الأمنية والمراقبة الاستخباراتية داخل الولايات المتحدة مختلفًا جذريًا عما أصبح عليه بعدها.
أُقر «قانون باتريوت» في 9 شعبان 1422هـ الموافق لـ 26 أكتوبر/تشرين الأول 2001، ووسّع صلاحيات أجهزة التحقيق والاستخبارات، خصوصًا في تبادل المعلومات والمراقبة والتحقيقات المرتبطة بالأمن القومي.
ثم أُنشئت وزارة الأمن الداخلي، وأعيد تنظيم أجهزة أمن المطارات، وتشددت إجراءات السفر والتأشيرات ومراقبة الحدود والتحويلات المالية.
وتحوّل مكافحة الإرهاب إلى مبدأ دائم داخل مؤسسات الدولة وليس مجرد استجابة مؤقتة لهجوم واحد.
لكن ذلك ولّد في الوقت نفسه نقاشًا طويلًا حول التوازن بين الأمن والخصوصية والحريات المدنية، خصوصًا بعد الكشف عن برامج مراقبة واسعة النطاق.
تغير معنى الحرب نفسها
من أهم آثار 11 سبتمبر أن الولايات المتحدة انتقلت من الحروب التقليدية ضد الدول إلى نموذج جديد يقوم على ضرب شبكات وتنظيمات غير حكومية عبر حدود دول عديدة.
اتسع استخدام الطائرات المسيّرة والعمليات الخاصة والاغتيالات المستهدفة، وأصبحت مكافحة الإرهاب نشاطًا عسكريًا واستخباراتيًا عالميًا يمتد من أفغانستان وباكستان إلى اليمن والصومال وسوريا والعراق ومناطق أخرى.
وهكذا لم تعد الجبهة خطًا واضحًا بين جيشين، بل شبكة عالمية من العمليات العسكرية والاستخباراتية.
الثمن البشري كان أكبر بكثير من يوم الهجوم نفسه
قُتل قرابة ثلاثة آلاف شخص في هجمات 11 سبتمبر ذاتها. لكن الحروب التي أعقبتها خلّفت خسائر أكبر بكثير.
يقدّر مشروع «تكاليف الحرب» في جامعة براون أن ما بين نحو 905 آلاف و940 ألف شخص قُتلوا بصورة مباشرة بسبب أعمال العنف في حروب ما بعد 11 سبتمبر حتى 2023، بينهم ما لا يقل عن نحو 409 آلاف مدني. كما يقدّر أن الوفيات غير المباشرة الناتجة عن انهيار الخدمات الصحية والفقر وسوء التغذية والأمراض قد تبلغ عدة ملايين إضافية، مع التأكيد أن تحديد رقم نهائي دقيق مستحيل.
كما يقدّر المشروع أن أكثر من 38 مليون شخص تعرضوا للنزوح في الدول التي طالتها تلك الحروب، هذا دون الحديث عن السجون السرية الأمريكية وانتهاكات حقوق الإنسان وحصار كل مشروع ومؤسسة إسلامية. كما أن التكلفة الأمريكية المباشرة والمستقبلية المرتبطة بحروب ما بعد سبتمبر تجاوزت تريليونات الدولارات.
فلم تكن هجمات 11 سبتمبر حدثًا ليوم واحد من الناحية الاقتصادية؛ فقد أطلقت سلسلة من الحروب والعمليات الأمنية التي قدّرت جامعة براون تكلفتها الإجمالية على الولايات المتحدة بنحو 8 تريليونات دولار، بين إنفاق عسكري وأمني، وفوائد ديون، ورعاية طويلة الأمد للمحاربين القدامى. وبذلك أصبحت تداعيات الهجمات واحدة من أكثر المشاريع العسكرية والأمنية كلفة في التاريخ الأمريكي الحديث.
وهذه الأرقام لا تعني أن كل صراع وقع بعد 2001 سببه المباشر 11 سبتمبر، وإنما أنها تقيس الحروب والعمليات التي ارتبطت بالمنظومة العسكرية والسياسية الأمريكية المعروفة بـ«الحرب على الإرهاب».
ماذا تغيّر في العالم الإسلامي؟
ربما كان العالم الإسلامي أكثر مناطق العالم تأثرًا بما جرى. أفغانستان والعراق دفعتا الثمن المباشر للحربين الأكبر. وفي مناطق أخرى توسع الحضور العسكري الأمريكي، وتزايدت برامج التعاون الأمني، وظهرت قواعد واتفاقات وعمليات استخباراتية جديدة.
وفي الوقت نفسه أصبحت صورة الإسلام والمسلمين محورًا دائمًا في الجدل الغربي بشأن الإرهاب والهجرة والاندماج.
وشهدت دول غربية ارتفاعًا في مظاهر العداء للمسلمين بعد الهجمات، بينما حاولت حكومات ومؤسسات كثيرة التأكيد على الفصل بين الإسلام كدين وبين التنظيمات الإرهابية.
لكن سياسيًا وإعلاميًا، أصبح مفهوم «الإرهاب الإسلامي» جزءًا شديد الحضور في الخطاب العام الغربي طوال العقدين التاليين، وأثر في الانتخابات والهجرة والتشريعات والسياسات الأمنية.
ومن المفارقات التي أعقبت 11 سبتمبر أن الهجمات، رغم ما فجّرته من خوف وعداء تجاه المسلمين، دفعت في الوقت نفسه كثيرًا من الأمريكيين إلى البحث عن الإسلام وقراءة القرآن وزيارة المساجد لفهم الدين الذي أصبح فجأة في قلب الجدل العام. وانتهى هذا المسار لدى عدد كبير إلى اعتناق الإسلام، حتى إن السنوات التالية شهدت قصصًا متكررة عن أمريكيين يقولون إن أول احتكاك جدي لهم بالإسلام بدأ بعد الهجمات. وإن كانت الدراسات لا تقدم رقمًا دقيقًا يسمح بالقول إن الهجمات وحدها أحدثت موجة محددة العدد من اعتناق الإسلام؛ إلا أن المؤكد أنها أحدثت موجة غير مسبوقة من الاهتمام به، بالتوازي مع تصاعد العداء والتمييز ضد المسلمين.
وهذه مفارقة عجيبة، فالهجوم الذي جعل الإسلام موضع اتهام عالمي، جعله أيضًا موضع بحث وقراءة لدى ملايين الأشخاص لم يكونوا يعرفون عنه إلا القليل.
وهل حققت القاعدة أهدافها؟
الجواب معقد. عسكريًا وتنظيميًا تعرضت القاعدة لضربات هائلة. قُتل أسامة بن لادن وعدد كبير من قيادات التنظيم، وفقد التنظيم قدرته التي كان يمتلكها قبيل سبتمبر على إدارة عمليات مركزية كبيرة بسهولة مشابهة لما حدث عام 2001. لكن الفكرة الجهادية لم تختفِ بل اشتدت.
فظهرت فروع للقاعدة في اليمن وشمال أفريقيا والساحل والصومال وسوريا، ثم خرج من البيئة العراقية تنظيم «الدولة الإسلامية» الذي تمكن في عام 1435هـ (2014م) من السيطرة على مساحات كبيرة في العراق وسوريا قبل أن يضطر الولايات المتحدة لأن تتكلف حربا واسعة أخرى ضده في المنطقة.
وبالتالي نجحت الولايات المتحدة في تدمير جزء كبير من البنية الأصلية للقاعدة، لكنها لم تستطع إنهاء المشروع الجهادي العالمي الذي أنتجته عوامل سياسية واجتماعية وفكرية أوسع.
وهل حققت الولايات المتحدة أهدافها؟
هي الأخرى حققت نجاحات وإخفاقات متوازية.
لم تتعرض الأراضي الأمريكية منذ 1422هـ (2001م) لهجوم خارجي يوازي حجم عملية 11 سبتمبر، والذي يعد أول هجوم ينجح في تدمير أهداف ذات هيبة وتأثير في الأراضي الأمريكية، وأصبحت منظومات الأمن والاستخبارات أكثر قدرة على تعقب التنظيمات العابرة للحدود.
لكن الولايات المتحدة خاضت في المقابل حروبًا طويلة ومكلفة، خصوصًا في العراق وأفغانستان، وخسرت آلاف الجنود وأنفقت مبالغ هائلة، بينما ظلت مناطق عديدة غير مستقرة وخارج نظام الهيمنة الغربية.
وفي أفغانستان انتهت الحرب بعودة طالبان إلى الحكم، وهي صورة أصبحت لدى كثير من المؤرخين رمزًا للتناقض بين التفوق العسكري الأمريكي وصعوبة تحويل ذلك التفوق إلى نتائج سياسية دائمة.
آثار هندسية لا تُرى كثيرًا
حتى تصميم ناطحات السحاب تغيّر بسبب 11 سبتمبر.
أدت تحقيقات انهيار مركز التجارة العالمي إلى تعديلات في معايير البناء والسلامة، شملت تعزيز سلالم الطوارئ والمصاعد وأنظمة مقاومة الحرائق والاتصالات الخاصة برجال الإطفاء وتصميم المنشآت لمقاومة الانهيارات المتتابعة. ويقول NIST إن تحقيقاته أسهمت في أكثر من 40 تعديلًا ضمن قوانين البناء الدولية و15 تعديلًا في معايير رئيسية للحماية من الحرائق.
أي أن أثر يوم واحد امتد حتى إلى طريقة بناء الأبراج وإخلائها حول العالم.
وبعد 25 عامًا.. هل انتهى عصر 11 سبتمبر؟
اليوم، في الذكرى الخامسة والعشرين للهجمات، يمكن القول إن عصر 11 سبتمبر انتهى جزئيًا فقط.
انسحبت الولايات المتحدة من أفغانستان. وأصبحت واشنطن تعطي منافستها مع الصين وروسيا أولوية أكبر من «الحرب العالمية على الإرهاب». ولم يعد تنظيم القاعدة التهديد المركزي الذي كان يمثله مطلع القرن وإن بقيت مكافحة الإرهاب في سلم أولويات الأمن القوي الأمريكي.
فالبنية التي صنعها ذلك اليوم لا تزال قائمة: قوانين أمن قومي، أجهزة مراقبة، مطارات محصنة، عمليات مكافحة إرهاب خارج الحدود، صلاحيات رئاسية للحرب، قواعد أمريكية واتفاقات أمنية، ونقاش دائم حول العلاقة بين الأمن والحرية.
وفوق ذلك، ما زالت الدول التي أصبحت ساحات لحروب ما بعد سبتمبر تعيش كثيرًا من نتائجها.
السابع من أكتوبر في غزة

ومن اللافت، بعد أكثر من عقدين على 11 سبتمبر، أن القضية الفلسطينية عادت مرة أخرى لتظهر في خطاب قادة تنظيمات مسلحة بوصفها قضية يراد انتزاع الاهتمام العالمي لها بالقوة. فقد كان أسامة بن لادن يضع الدعم الأمريكي للاحتلال الإسرائيلي وما يجري في فلسطين ضمن أبرز المظالم التي استخدمتها القاعدة في خطابها ضد الولايات المتحدة، وتذكر لجنة 11 سبتمبر أن بن لادن رأى في ضرب الولايات المتحدة وسيلةً لدعم الصراع في الأراضي الفلسطينية وإجبار واشنطن على تغيير سياساتها في المنطقة وفق استراتيجية ” ضرب رأس الأفعى”. ولا يزال قسمه الذي تناقلته وسائل إعلامية عالمية:
“أقسم بالله العظيم الذي رفع السماوات بغير عمد لن تحلم أمريكا ولا من يعيش فيها بالأمن قبل أن نعيشه واقعا في فلسطين وخروج القوات الأجنبية من جزيرة العرب”.
وبعد اثنين وعشرين عامًا، حمل هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023م، 22 ربيع الأول 1445هـ. من جانب حماس منطقًا مختلفًا وسياقًا فلسطينيًا مباشرًا، لكنه اشترك في هدف سياسي أوسع تمثل في كسر واقع كان يُنظر إليه باعتباره تهميشًا متزايدًا للقضية الفلسطينية، ولا سيما مع تسارع مسارات التطبيع الإقليمي؛ وقد نقلت رويترز منذ الأيام الأولى للهجوم أن الرسالة كانت أن الفلسطينيين لا يمكن تجاوزهم في أي ترتيب إقليمي جديد.

لكن التشابه في محاولة «إعادة فلسطين إلى مركز المشهد» لا يعني تماثل الحدثين أو التنظيمين. فالقاعدة تنظيم جهادي عابر للحدود استهدف الأراضي الأمريكية ضمن مشروع أوسع للصدام مع واشنطن، بينما جاءت عملية 7 أكتوبر في سياق الصراع الفلسطيني الإسرائيلي المباشر، وحملتها حماس ضمن مشروعها السياسي والعسكري الخاص. وما يجمع الحالتين تاريخيًا هو استخدام الصدمة العسكرية الكبرى باعتبارها وسيلة لتغيير جدول الأعمال الدولي؛ إلا أن النتيجة في الحالتين جاءت مصحوبة بأثمان بشرية وسياسية هائلة، وفي الحالتين أيضًا تجاوزت التداعيات بكثير الحسابات التي سبقت لحظة الهجوم.
11 سبتمبر لم يكن مجرد هجوم
الخطأ في دراسة 11 سبتمبر هو النظر إليه باعتباره حادثة بدأت وانتهت في نيويورك في ساعات قليلة.
تاريخيًا، كان الهجوم نقطة انتقال بين مرحلتين في النظام الدولي. قبل ذلك اليوم كانت الولايات المتحدة القوة الوحيدة الخارجة من الحرب الباردة في ذروة ثقتها بنفسها. وبعده تحولت مكافحة الإرهاب إلى محور أساسي في سياستها الخارجية.
دخلت أمريكا أفغانستان، ثم العراق، وتغير الشرق الأوسط، وتوسعت أجهزة الاستخبارات، وتبدلت قوانين السفر والمراقبة، ونشأت حروب امتدت لأجيال، وظهرت تنظيمات جديدة من رحم الصراعات القديمة.
ربما لهذا السبب لا تقاس أهمية 11 سبتمبر بعدد ضحايا ذلك اليوم وحده، بل بما أطلقه من سلسلة قرارات وحروب وتحولات.
لقد احتاج تنفيذ الهجوم إلى 19 خاطفًا وأربع طائرات وبضع ساعات؛ أما نتائجه فاحتاج العالم إلى ربع قرن، ولا يزال حتى اليوم يعيش بعضها.
ربع قرن بعد الهجمات.. 11 سبتمبر ما يزال حاضرًا داخل أمريكا

بعد خمسة وعشرين عامًا، لم تعد آثار 11 سبتمبر تُقاس فقط بالحروب التي خاضتها الولايات المتحدة خارج حدودها، بل بما غيّرته داخل المجتمع والدولة الأمريكية نفسها. ويظهر استطلاع حديث لمركز «بيو» في الذكرى الخامسة والعشرين أن 83% من الأمريكيين المولودين قبل عام 2001 ما زالوا يتذكرون بدقة أين كانوا وماذا كانوا يفعلون حين علموا بالهجمات، وترتفع النسبة إلى 93% بين من كانوا في العاشرة أو أكبر عند وقوعها، وهو ما يعكس بقاء الحدث حاضرًا بقوة في الذاكرة الجماعية الأمريكية.
لكن الأثر الأعمق كان مؤسسيًا وسياسيًا. فقد وجدت أبحاث «بيو» أن 11 سبتمبر أحدث تحولًا كبيرًا في نظرة الأمريكيين إلى الأمن والحريات؛ ففي أعقاب الهجمات مباشرة قال 55% إن مكافحة الإرهاب قد تتطلب من المواطن العادي التخلي عن بعض حرياته المدنية، مقارنة بـ29% فقط قبل الهجمات بأربع سنوات. ومع مرور الزمن انخفض هذا الاستعداد، لكن الجدل الذي بدأ حينها حول حدود المراقبة وصلاحيات الحكومة لم ينتهِ، وازداد حدة بعد الكشف عن برامج المراقبة واسعة النطاق.
ولا تزال الآثار الصحية للهجمات نفسها مستمرة كذلك. فالبرنامج الصحي الفيدرالي الخاص بمركز التجارة العالمي ما زال حتى اليوم يمول ويتابع مئات الدراسات المتعلقة بالأمراض والمضاعفات الصحية التي أصابت رجال الإنقاذ والعاملين والسكان الذين تعرضوا للغبار والمواد السامة في موقع الهجمات، بما يعني أن 11 سبتمبر ما زال، بعد ربع قرن، قضية صحية قائمة وليس مجرد حدث تاريخي مغلق.
أما على المستوى السياسي، فقد تركت الهجمات إرثًا دائمًا من القوانين والصلاحيات والمؤسسات التي أُنشئت تحت عنوان مكافحة الإرهاب. وأصبح النقاش بين «الأمن» و«الحرية» أحد الملامح الثابتة للسياسة الأمريكية؛ فقد أظهرت استطلاعات لاحقة أن الأمريكيين، رغم دعمهم ملاحقة المشتبه فيهم بالإرهاب، أبدوا في الوقت نفسه اعتراضًا متزايدًا على جمع بياناتهم الشخصية ومراقبة اتصالاتهم على نطاق واسع.
ولهذا يمكن القول إن 11 سبتمبر لم ينتهِ بالنسبة للولايات المتحدة في 11 سبتمبر 2001؛ فالحروب التي بدأها تراجعت، لكن البنية الأمنية التي ولدها، والأسئلة المتعلقة بالمراقبة والخصوصية والحريات، والآثار الصحية والنفسية والذاكرة الجماعية، ما تزال ممتدة حتى اليوم. وربما يكون هذا أحد أهم وجوه إرث الهجمات: أنها غيرت طريقة تفكير أمريكا في الخطر والدولة والأمن، وليس فقط سياستها الخارجية.
بعد ربع قرن، خرجت الولايات المتحدة من أفغانستان، وتراجعت «الحرب على الإرهاب» عن صدارة أولوياتها، ودخلت مرحلة مواجهة منافسيها الدوليين وهي مثقلة بتكاليف عقدين من الحروب ومكافحة الإرهاب؛ ومع ذلك، لم تخرج أمريكا نفسها بالكامل من عصر 11 سبتمبر. فقد أصبح ذلك اليوم علامة فارقة في التاريخ الأمريكي الحديث، بل وفي تاريخ العالم المعاصر كله، إذ أعاد تشكيل مفاهيم الأمن والحرب والرقابة، وغيّر أولويات السياسة الخارجية، وأطلق تحولات ما تزال آثارها ممتدة حتى اليوم.





اترك تعليقاً