تنتقل خريطة «حواضر الإسلام عبر التاريخ» في الحلقة الثامنة إلى مدينة عراقية لم يدم دورها كعاصمة طويلًا، لكنه كان كافيًا ليجعل اسمها حاضرًا في تاريخ الخلافة العباسية والعمارة الإسلامية.
إنها سامراء.. المدينة التي شيدها العباسيون على ضفاف دجلة، واتخذها الخليفة المعتصم بالله عاصمة للخلافة في 221هـ/836م، بعد أن أصبحت بغداد أقل ملاءمة لاستيعاب التوسع العسكري والعناصر التركية التي ازداد نفوذها في الجيش العباسي.
لم تكن سامراء مجرد عاصمة بديلة لبغداد، بل كانت مشروعًا إمبراطوريًا ضخمًا.. مدينة واسعة امتدت على مسافة كبيرة بمحاذاة دجلة، واحتضنت القصور والمساجد والثكنات والحدائق، وأصبحت لفترة قصيرة مركز القرار في واحدة من أكبر الدول الإسلامية في عصرها.
سامراء.. مدينة صنعتها الخلافة
تقع سامراء في العراق، على الضفة الشرقية لنهر دجلة، إلى الشمال من بغداد، وقبل تأسيسها العباسي كانت المنطقة مأهولة بوجود أقدم، لكن المدينة التي دخلت التاريخ ارتبطت بالمشروع الذي بدأه الخليفة المعتصم بالله سنة 221هـ/836م.
كان المعتصم قد ورث دولة واسعة تواجه تحديات عسكرية وسياسية متعددة، وكان الجيش يحتل موقعًا متزايد الأهمية في إدارة الدولة، ومع تزايد نفوذ الجنود الأتراك في بغداد، اختار المعتصم موقعًا جديدًا بعيدًا عن العاصمة القديمة، فبدأ بناء سامراء لتكون مقرًا للخلافة والجيش. وتشير المراجع إلى أن المدينة العباسية امتدت لمسافة تقارب 41 كيلومترًا بمحاذاة نهر دجلة، وتضم مجموعة ضخمة من القصور والمساجد والمباني العامة.
لماذا ترك العباسيون بغداد؟
لم يكن انتقال العاصمة نتيجة تراجع بغداد الحضاري، وإنما نتيجة ظروف سياسية وعسكرية، فقد ازدادت قوة الجيش في الدولة العباسية، وخصوصًا الجنود الأتراك الذين اعتمد عليهم المعتصم، وأصبحت العلاقة بينهم وبين سكان بغداد متوترة في بعض الفترات.
كان الخليفة بحاجة إلى مدينة جديدة يستطيع فيها تنظيم جيشه وإدارة الدولة بعيدًا عن الاحتكاكات التي شهدتها بغداد.
وهكذا أصبحت سامراء عاصمة عسكرية وسياسية أكثر من كونها مركزًا تجاريًا نشأ بصورة طبيعية.
لكن العباسيين لم يبنوا ثكنة عسكرية فقط، بل أقاموا مدينة كاملة ذات قصور ومساجد ومرافق وأسواق.

المعتصم.. مؤسس الحاضرة الجديدة
ارتبط تأسيس سامراء بالخليفة المعتصم، الذي حكم بين 218هـ/833م و227هـ/842م، ومن أهم ما ميّز عهده القوة العسكرية، وكان ذلك واضحًا في المدينة الجديدة.
وبنيت لسكان الجيش وأسرهم الأحياء والمساكن، وشُيدت القصور والمباني الحكومية، وأصبح دجلة شريانًا أساسيًا للحياة في المدينة.
لكن سامراء ستبلغ ذروة مجدها العمراني في عهد خليفة آخر هو المتوكل على الله.
الجامع الكبير.. عمارة تتحدى الزمن
يعد جامع سامراء الكبير من أشهر آثار الحضارة العباسية، وهو الذي بناه الخليفة المتوكل بين 234هـ/848م و237هـ/852م، وكان في زمانه واحدًا من أكبر المساجد في العالم الإسلامي.
وتبلغ مساحة المسجد ومرافقه أبعادًا ضخمة، بينما اشتهرت مئذنته الحلزونية المعروفة باسم الملوية، التي أصبحت رمزًا بصريًا للمدينة وللعمارة العباسية.
وتشير اليونسكو إلى أن الجامع الكبير وملويته من أبرز العناصر التي جعلت سامراء واحدة من أهم المواقع الأثرية الإسلامية في العالم، وأن عمارتها أثرت في تطور العمارة الإسلامية لاحقًا.
ولم تكن الملوية مجرد مئذنة مرتفعة، فقد أصبحت نموذجًا معماريًا فريدًا ارتبط باسم سامراء حتى اليوم.

سامراء.. مدينة القصور
كان من أبرز مظاهر سامراء العباسية انتشار القصور الملكية، فقد شيد الخلفاء مجمعات ضخمة مثل قصر الجوسق الخاقاني، وقصر بلقوارا، إلى جانب قصور وحدائق ومرافق أخرى.
وتكشف هذه المباني عن حجم الموارد التي كانت الخلافة العباسية قادرة على توظيفها في إنشاء عاصمة جديدة.
كما تظهر الزخارف الجصية المكتشفة في سامراء تطورًا مهمًا في الفن الإسلامي، خصوصًا ما عُرف لاحقًا بـأسلوب سامراء، الذي ترك تأثيرًا في مناطق إسلامية بعيدة.
وهنا تتضح أهمية المدينة: فسامراء لم تكن مجرد مقر مؤقت للحكم، بل كانت مختبرًا معماريًا وفنيًا للدولة العباسية.
عاصمة الخلافة في زمن القوة والاضطراب
خلال وجود الخلافة في سامراء تعاقب عدد من الخلفاء العباسيين، من أبرزهم المعتصم والواثق والمتوكل والمنتصر والمستعين والمعتز والمهتدي والمعتمد.
لكن هذه الفترة لم تكن مستقرة، حيث أصبح الجيش عنصرًا شديد التأثير في اختيار الخلفاء وإدارة الدولة، ودخلت الخلافة في صراعات داخلية متكررة.
وكان مقتل الخليفة المتوكل سنة 247هـ/861م نقطة بارزة في تاريخ ما عرف لاحقًا بـفتنة سامراء، وهي مرحلة شهدت صراعًا شديدًا بين القوى العسكرية على السلطة.
ومن المفارقات أن المدينة التي أنشئت أصلًا لحماية الخلافة من الاضطراب أصبحت مسرحًا لصراعات عسكرية هددت استقرار الخلافة نفسها.
سامراء والخلافة العباسية السنية
على الرغم من الاضطرابات السياسية، ظلت سامراء مقرًا للخلافة العباسية، التي مثلت الإطار السياسي الأكبر للمجال السني في تلك المرحلة.
وكان الخلفاء العباسيون يرعون مؤسسات العلم والدين، فيما استمرت بغداد والمدن الأخرى في أداء أدوارها العلمية.
ومن المهم هنا التمييز بين سامراء بوصفها عاصمة سياسية وبين بغداد بوصفها مركزًا علميًا أكثر رسوخًا؛ فقد كان انتقال الخلافة إلى سامراء لا يعني انتقال كل النشاط العلمي إليها.
وهذا أحد الدروس المهمة في تاريخ الحواضر الإسلامية: العاصمة السياسية ليست دائمًا هي المدينة العلمية الأولى.
من سامراء إلى بغداد.. عودة العاصمة
لم يستمر وجود الخلافة في سامراء طويلًا، وفي 279هـ/892م أعاد الخليفة المعتضد بالله مقر الخلافة إلى بغداد.
وبذلك انتهى دور سامراء كعاصمة سياسية للدولة العباسية، وعادت بغداد إلى موقعها المركزي.
لكن المدينة لم تختفِ فورًا من التاريخ؛ فقد ظلت مأهولة، واستمرت بعض منشآتها، ثم تراجعت مكانتها تدريجيًا، وبمرور القرون تحولت أجزاء واسعة من سامراء العباسية إلى أطلال، لكنها بقيت واحدة من أهم الشواهد على العصر الذهبي للعمارة العباسية.

سامراء اليوم.. مدينة تحولت إلى أثر عالمي
أصبحت سامراء اليوم مدينة عراقية حديثة تقوم بالقرب من بقايا المدينة العباسية القديمة.
وفي 2007م أدرجت اليونسكو مدينة سامراء الأثرية على قائمة التراث العالمي، باعتبارها موقعًا ذا قيمة استثنائية لفهم الحضارة الإسلامية في العصر العباسي. وتشير اليونسكو إلى أن سامراء تمثل نموذجًا فريدًا لعاصمة إسلامية كبرى من القرن التاسع الميلادي، وأن بقاياها تقدم صورة واسعة عن التخطيط العمراني والعمارة والفنون في العصر العباسي.
ومن أبرز ما بقي منها الجامع الكبير وملويته، إلى جانب القصور والمباني والآثار المنتشرة في المنطقة.
تكشف سامراء جانبًا مختلفًا من قصة الحواضر الإسلامية؛ فهي لم تكن مدينة نشأت عبر قرون طويلة، وإنما أنشأتها الخلافة لتكون عاصمة، ثم شهدت قوة الدولة واضطراباتها، قبل أن تعود الخلافة إلى بغداد.
ومع ذلك، بقي أثرها أكبر من عمرها السياسي، فعمارتها الضخمة وزخارفها وقصورها جعلتها إحدى أهم صفحات العصر العباسي، وشاهدًا على مرحلة كانت فيها بغداد وسامراء مركزين لقوة سياسية وثقافية امتدت آثارها إلى العالم الإسلامي كله.





اترك تعليقاً