غزة تدفن قتلاها بعد قرابة 3 سنوات.. القصف يتواصل وآثار تدمير البنية التحتية تصل إلى محطات التحلية الإسرائيلية

GAza funeral 96 980x551 1

في مشهد يعكس حجم الدمار الذي لا تزال آثاره تظهر بعد سنوات، شيّع آلاف الفلسطينيين في مدينة غزة، الأحد، رفات نحو 100 فلسطيني انتُشلوا من تحت أنقاض منازل دمرتها الغارات الإسرائيلية في حي الزيتون خلال الأشهر الأولى من الحرب، في وقت لا تزال فيه آلاف الجثامين مدفونة تحت الركام، بينما تتواصل الضربات الإسرائيلية رغم اتفاق وقف إطلاق النار.

وانطلق موكب التشييع من محيط مسجد الإمام الشافعي في حي الزيتون، قبل نقل الرفات إلى المقبرة القريبة من المستشفى الأهلي المعمداني، فيما لُفّت الجثامين والأشلاء بالأعلام الفلسطينية وسط حضور واسع من الأهالي وذوي الضحايا.

وكان بين الضحايا عشرات الأطفال. وتفاوتت الأرقام المنشورة بشأن عددهم بين نحو 60 و70 طفلًا، إذ ذكرت الجزيرة نحو 60 طفلًا، بينما أشارت تقارير أخرى إلى 62، وأوردت تغطيات لاحقة عن الدفاع المدني أن العدد وصل إلى 70 طفلًا.

ومن بين من انتُشلت رفاتهم 55 شخصًا من عائلة ملكة، قُتلوا عندما استهدفت الغارات الإسرائيلية مباني سكنية في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، إلى جانب أفراد من عائلات أخرى بينها البلعاوي وسلمي ورحيم وقنبور. وظلت رفات بعض الضحايا تحت الأنقاض لما يقارب ثلاثة أعوام قبل أن تتمكن فرق الدفاع المدني من الوصول إليها.

وجاءت مراسم التشييع بعد نحو شهر من جنازة جماعية أخرى أقيمت في مدينة غزة لـ112 شخصًا من عائلتي أبو شريعة والحساينة، قُتلوا أيضًا في قصف إسرائيلي استهدف مباني سكنية في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، في مؤشر على أن حجم الخسائر الفعلي للحرب ما يزال يتكشف تدريجيًا مع بدء الوصول إلى مواقع كانت مطمورة بالركام.

نحو 8 آلاف جثمان ما تزال تحت الأنقاض

وتقول فرق الدفاع المدني إن القضية لا تتعلق بعشرات أو مئات الضحايا فقط، إذ يقدّر رئيس الدفاع المدني في محافظة غزة رائد الدهشان وجود نحو 8 آلاف جثمان ما تزال مدفونة تحت أنقاض المباني المدمرة.

وقال الدهشان إن إدخال المعدات الثقيلة والآليات المتخصصة يمكن أن يسمح بانتشال هذه الجثامين خلال نحو 90 يومًا، محذرًا من أن استمرار حرمان فرق الإنقاذ من المعدات اللازمة قد يجعل العملية تستمر «لسنوات».

وتواجه عمليات الانتشال عقبات إضافية في المناطق التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية داخل القطاع. وقال مسؤول مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة أجيث سونغاي إن الوصول إلى مناطق واسعة خاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية يمثل أحد أبرز العوائق أمام البحث عن المفقودين وانتشال الجثامين.

ولا تقتصر الأزمة على انتشال الجثامين، إذ إن استمرار نقص الآليات وقطع الغيار والمعدات الثقيلة يعرقل كذلك إزالة ملايين الأطنان من الركام وإصلاح الطرق وشبكات المياه والصرف الصحي وغيرها من البنى الأساسية.

والغارات مستمرة

Gaza 96 980x551 1

وبالتزامن مع تشييع الضحايا الذين قُتلوا قبل نحو ثلاثة أعوام، سقط فلسطينيون جدد في غارات إسرائيلية على مدينة غزة.

فقد استهدفت غارة إسرائيلية سيارة في المدينة يوم الأحد، مما أدى إلى مقتل يوسف عقيلة وابنته وفاء، البالغة من العمر ثماني سنوات، وإصابة ستة أشخاص آخرين، بحسب مسؤولين صحيين. وقال الجيش الإسرائيلي إن الهجوم استهدف عنصرًا من حركة حماس وإنه يراجع نتائج الضربة.

وفي وقت لاحق من اليوم نفسه، أدت هجمات إسرائيلية أخرى إلى مقتل فلسطينيين إضافيين، من بينهم طفل يبلغ ثلاثة أعوام، ليرتفع عدد القتلى في هجمات الأحد إلى أربعة على الأقل.

وبحسب أحدث أرقام المصادر الطبية في غزة، بلغ عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا منذ بدء الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023 نحو 73,651 شخصًا، إلى جانب 174,592 مصابًا. ومنذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025، قُتل 1,344 فلسطينيًا، فيما ارتفع عدد المصابين إلى 4,481 شخصًا حتى 6 سبتمبر/أيلول. كما انتُشل خلال فترة الهدنة 826 جثمانًا من مناطق مختلفة في القطاع.

وتقول ما يسمى “إسرائيل” إنها تواصل تنفيذ عمليات محدودة ضد أهداف مرتبطة بحماس، بينما تتهم الحركة “إسرائيل” بانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار واستمرار القصف والعمليات العسكرية في القطاع.

آثار الدمار تصل إلى البحر

image 48

وفي تطور آخر يكشف امتداد تداعيات تدمير البنية التحتية في غزة إلى خارج حدود القطاع، يحقق علماء في احتمال مساهمة كميات ضخمة من مياه الصرف الصحي غير المعالجة المتدفقة من غزة إلى البحر المتوسط في تكاثر غير مسبوق للطحالب الدقيقة على امتداد الساحل، وهو حدث أدى إلى تعطيل معظم محطات تحلية المياه الإسرائيلية.

واضطرت خمس من أصل ست محطات تحلية رئيسية على الساحل الإسرائيلي إلى التوقف أو تقليص إنتاجها بعد ارتفاع شديد في عكارة مياه البحر نتيجة تكاثر الطحالب، قبل أن تبدأ بعض المحطات في استعادة جزء من عملياتها. وتوفر محطات التحلية نسبة كبيرة من مياه الشرب المستخدمة في “إسرائيل”.

ووصف متحدث باسم شركة المياه الإسرائيلية «ميكوروت» الظاهرة بأنها حدث «نادر للغاية»، في حين لجأت السلطات إلى زيادة الاعتماد على بحيرة طبريا والمياه الجوفية والخزانات، إضافة إلى فرض قيود على بعض استخدامات المياه في الزراعة والري.

وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى حجم انهيار منظومة الصرف الصحي في غزة. ففي أبريل/نيسان الماضي لم يكن يعمل سوى 16 من أصل 73 محطة لضخ مياه الصرف، مما تسبب بتدفق نحو 40 ألف متر مكعب من مياه الصرف غير المعالجة يوميًا إلى البحر والمناطق السكنية والمياه الجوفية.

ويرى بعض الباحثين الإسرائيليين أن هذه المياه الغنية بالنيتروجين والفوسفور ربما أسهمت، إلى جانب ارتفاع درجات حرارة البحر والتيارات والظروف الجوية، في توفير بيئة مناسبة للتكاثر الكبير للطحالب.

لكن الصلة لم تُحسم علميًا حتى الآن. فبينما رجّح بعض الخبراء مساهمة الصرف الصحي القادم من غزة، يرى باحثون آخرون أن الطحالب بدأت قرب دلتا النيل في مصر وتحركت شمالًا مع التيارات البحرية، وأن ارتفاع حرارة المتوسط والعواصف والمواد المغذية القادمة من مصادر متعددة قد تكون مجتمعة وراء الظاهرة.

وبذلك تظهر واحدة من أكثر المفارقات وضوحًا في آثار الحرب: فبينما يعيش سكان غزة وسط شبكات مياه وصرف صحي مدمرة وأطنان من الركام تخفي تحتها آلاف القتلى، بدأت بعض التداعيات البيئية لهذا الدمار تعبر البحر نفسه، لتؤثر في منظومة المياه التي تعتمد عليها تل أبيب.

ويؤكد ذلك أن انهيار البنية التحتية في قطاع ساحلي صغير ومكتظ بالسكان لا يمكن احتواء آثاره داخل حدوده؛ فمياه البحر والتيارات والتلوث لا تعترف بالحواجز العسكرية، كما أن آثار الحرب التي ما تزال تُنتشل من تحت ركام غزة بعد قرابة ثلاثة أعوام باتت تظهر بأشكال إنسانية وبيئية تمتد إلى المنطقة المحيطة بأكملها.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *