أثارت مظاهر تكريم مجرم الحرب، قائد جيش صرب البوسنة السابق راتكو ملاديتش في صربيا موجة جديدة من الجدل والغضب، بعد أيام من وفاته أثناء قضائه حكمًا بالسجن المؤبد لإدانته بالإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، من بينها دوره في إبادة أكثر من 8 آلاف رجل وصبي مسلم في سربرنيتسا عام 1995.
وشهد «دار الجيش» وسط العاصمة بلغراد، السبت، مراسم تأبين لملاديتش شارك فيها مئات الأشخاص، إلى جانب أفراد من عائلته وشخصيات عسكرية وسياسية، من أبرزهم وزير العدل الصربي نيناد فوييتش ورئيس جمهورية صرب البوسنة سينيسا كاران.
وجاءت المراسم بعد أن أعادت السلطات الصربية جثمان ملاديتش من لاهاي إلى بلغراد على متن طائرة حكومية، في خطوة أثارت انتقادات أوروبية واسعة. وشارك جنود من الجيش الصربي في نقل النعش عند وصوله، بينما كان ملفوفًا بالعلم الصربي، قبل نقله تحت حراسة الشرطة إلى مستشفى عسكري في العاصمة.
وكان وزير العدل قد تحدث في البداية عن منح ملاديتش تكريمًا عسكريًا ورسميًا، قبل أن تتراجع السلطات عن ذلك وسط تصاعد الانتقادات الخارجية. وبحسب تقارير أوروبية، من المقرر دفنه الاثنين في بلغراد دون مراسم دفن رسمية أو عسكرية، لكن ذلك لم يمنع مشاركة مسؤولين بارزين في مراسم تأبينه السبت.
أوروبا تحتج على «تمجيد» ملاديتش

وتجاوزت تداعيات القضية حدود صربيا، إذ ألغت مفوضة الاتحاد الأوروبي لشؤون التوسع مارتا كوس زيارة كانت مقررة إلى بلغراد، احتجاجًا على التعامل مع وفاة ملاديتش وما رافقها من مظاهر تمجيد.
وقالت كوس إن «التمجيد» المحيط بوفاته يتعارض مع القيم التي يقوم عليها مسار صربيا نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، مؤكدة أن هذا المسار يتطلب مواجهة الماضي وتحقيق مصالحة حقيقية واحترام ضحايا جرائم الحرب.
ورد الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش على قرارها بانتقاد موقفها، في مؤشر جديد على عمق الخلاف بين بلغراد والمؤسسات الأوروبية بشأن التعامل مع إرث الحروب التي شهدها البلقان خلال تسعينيات القرن الماضي.
ولا يزال ملاديتش يُعامل كبطل لدى قطاعات من القوميين الصرب في صربيا وجمهورية صرب البوسنة، رغم الأحكام الدولية النهائية التي أدانته بالإبادة والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.
هتافات في الملاعب لمدان بالإبادة
ولم يقتصر تمجيد ملاديتش على مراسم التأبين.
فقد أعلن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا» تغريم نادي النجم الأحمر بلغراد 90 ألف يورو، بعد أن ردد مشجعوه اسم ملاديتش ورفعوا لافتة تشيد به وأدوا التحية له خلال مباراة أمام فيكتوريا بلزن التشيكي في الدوري الأوروبي يوم 27 أغسطس/آب، وهو اليوم نفسه الذي توفي فيه ملاديتش في لاهاي.
كما قرر الاتحاد منع النادي من بيع تذاكر لجماهيره في مباراته الأوروبية المقبلة خارج أرضه، بعدما اعتبر الهتافات والسلوك المصاحب لها مخالفات تتضمن سلوكًا عنصريًا أو تمييزيًا.
وتكشف تلك المظاهر عن استمرار حضور شخصية ملاديتش في جزء من الخطاب القومي الصربي، بعد أكثر من ثلاثة عقود على الحرب في البوسنة، على الرغم من الأحكام القضائية الدولية التي وثقت مسؤوليته عن بعض أسوأ الجرائم التي شهدتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
إبادة سربرنيتسا
وكان ملاديتش القائد العسكري لجيش صرب البوسنة خلال حرب البوسنة بين عامي 1992 و1995.
ويرتبط اسمه خصوصًا بمذبحة سربرنيتسا في يوليو/تموز 1995، عندما سيطرت قوات صرب البوسنة على المنطقة التي كانت الأمم المتحدة قد أعلنتها «منطقة آمنة»، قبل فصل الرجال والصبية المسلمين عن النساء والأطفال وقتل أكثر من 8 آلاف منهم في عمليات إعدام جماعية.
وصنفت المحاكم الدولية ما وقع في سربرنيتسا رسميًا باعتباره إبادة جماعية، فيما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2024 يوم 11 يوليو/تموز يومًا دوليًا للتفكر وإحياء ذكرى إبادة سربرنيتسا.
كما أُدين ملاديتش بجرائم مرتبطة بحصار سراييفو، الذي استمر سنوات وأسفر عن مقتل آلاف المدنيين، إضافة إلى الاضطهاد والقتل والترحيل القسري الذي استهدف غير الصرب خلال الحرب.
وحُكم عليه بالسجن المؤبد، وبقي محتجزًا في لاهاي إلى أن توفي في 27 أغسطس/آب 2026 عن عمر ناهز 84 عامًا.
الجريمة انتهت.. لكن معركة الذاكرة مستمرة

وبعد أكثر من ثلاثين عامًا على إبادة سربرنيتسا، تكشف مشاهد استقبال جثمان ملاديتش وتجمع المئات لتأبينه، إلى جانب هتافات جماهير كرة القدم باسمه، أن الصراع حول ذاكرة الحرب لم ينتهِ بعد.
فبالنسبة إلى عائلات آلاف المسلمين الذين قُتلوا في سربرنيتسا وغيرها من مدن البوسنة، لا يتعلق الجدل بشخص مات في سجنه فحسب، بل بكيفية تعامل المجتمعات والدول مع مرتكبي الجرائم بعد إدانتهم.
وبينما تسعى أسر الضحايا إلى إبقاء أسماء القتلى وجرائم الحرب حاضرة في الذاكرة، لا تزال مظاهر تمجيد ملاديتش في صربيا وجمهورية صرب البوسنة تعيد فتح جراح حربٍ مضى عليها أكثر من ثلاثة عقود، لكنها لم تغادر ذاكرة مسلمي البوسنة.





اترك تعليقاً