بنغلاديش على أعتاب ألف وفاة في أسوأ تفشٍ للحصبة منذ عقود

697a3639 7c2e 4116 a787 70bd4887aac4

تقترب بنغلاديش من حاجز قاتم يتمثل في تسجيل نحو ألف وفاة مرتبطة بالحصبة، في ظل أسوأ تفشٍ للمرض تشهده البلاد منذ عقود، وسط استمرار تدفق الأطفال المصابين إلى المستشفيات وامتلاء أجنحة الأطفال بحالات تعاني من مضاعفات خطيرة.

وبحسب أحدث بيانات المديرية العامة للخدمات الصحية في بنغلاديش، ارتفعت الحصيلة المجمعة للوفيات المؤكدة والمشتبه ارتباطها بالحصبة إلى 987 وفاة حتى صباح الجمعة 4 سبتمبر/أيلول، بينها 99 وفاة مؤكدة مختبريًا بالحصبة و888 وفاة لأشخاص ظهرت عليهم أعراض مشتبه بأنها ناجمة عن المرض.

وتصف وكالة فرانس برس التفشي الحالي بأنه الأكثر فتكًا في بنغلاديش منذ عقود، مشيرة إلى أن الأطفال يتحملون العبء الأكبر من الوباء، فيما تحولت بعض أجنحة مستشفيات دكا إلى مشهد يومي لأطفال رضع يعتمدون على أجهزة الأكسجين ويكافحون مضاعفات المرض.

أكثر من 180 ألف إصابة مؤكدة ومشتبه بها

منذ أن بدأت السلطات الصحية تتبع التفشي في 15 مارس/آذار، سجلت بنغلاديش 162,262 حالة مشتبه بها، إلى جانب 19,567 إصابة مؤكدة مختبريًا، ما يرفع مجموع الحالات المسجلة ضمن الفئتين إلى أكثر من 181 ألفًا.

وخلال الفترة نفسها، أُدخل 142,453 مريضًا إلى المستشفيات، فيما تعافى وغادر المستشفى أكثر من 137 ألفًا. ولا يزال النظام الصحي يواجه ضغطًا كبيرًا مع تسجيل أكثر من ألف حالة مشتبه بها في بعض الأيام.

ويبدو المشهد أكثر قسوة داخل مستشفى الأطفال في دكا، حيث نقلت فرانس برس عن أسر مشاهدتها أطفالًا يموتون داخل الأجنحة بينما ينتظر آخرون العلاج، في وقت تمتلئ فيه الغرف بأصوات الأطفال المرضى وأجهزة الأكسجين.

كيف وصلت بنغلاديش إلى هذا الوضع؟

لم تأتِ الأزمة بصورة مفاجئة؛ فقد كانت بنغلاديش قد حققت خلال السنوات الماضية تقدمًا في برامج تطعيم الأطفال ضد الحصبة، لكن ثغرات واسعة ظهرت لاحقًا في التغطية باللقاحات.

وتشير تقارير ودراسات صحية إلى أن الاضطرابات السياسية التي شهدتها البلاد، وتعطل بعض حملات التطعيم والخدمات الصحية، أسهمت في تراكم أعداد كبيرة من الأطفال غير المحصنين بصورة كافية، ما هيأ بيئة مناسبة لعودة الفيروس وانتشاره بسرعة.

وأشارت دراسة منشورة هذا العام إلى أن حملة كانت مقررة للتطعيم ضد الحصبة والحصبة الألمانية لم تُنفذ كما كان مخططًا، بالتزامن مع اضطرابات سياسية وإضرابات أثرت في عمل فرق التطعيم، وهو ما أدى إلى اتساع فجوات المناعة بين الأطفال.

وفي أغسطس/آب، أفادت تقارير محلية بأن نحو 4.6 ملايين طفل كانوا قد فاتتهم جرعات التطعيم، بينما كان نحو ألف طفل يدخلون المستشفيات يوميًا في المتوسط، مع تسجيل وفيات بصورة شبه يومية.

كما يشير مسؤولون وخبراء صحيون في بنغلاديش إلى أن سوء التغذية المنتشر بين الأطفال يزيد من خطورة المرض ومضاعفاته، ويجعل بعض المصابين أقل قدرة على مقاومة العدوى.

مرض شديد العدوى لكنه قابل للوقاية

الحصبة مرض فيروسي شديد العدوى ينتقل بسهولة عن طريق الرذاذ التنفسي، ويمكن أن يسبب حمى مرتفعة وطفحًا جلديًا ومشكلات في الجهاز التنفسي، بينما قد تتطور الحالات الشديدة إلى التهاب رئوي أو التهاب في الدماغ ومضاعفات قد تنتهي بالوفاة، خصوصًا بين الأطفال الصغار والمصابين بسوء التغذية.

وتكمن المفارقة في أن الحصبة من الأمراض التي يمكن الوقاية منها بفعالية كبيرة عن طريق اللقاح، وهو ما يجعل ارتفاع الوفيات بهذا الحجم مؤشرًا على خلل أوسع في قدرة برامج التحصين على الوصول إلى جميع الأطفال.

وكانت دراسة طبية تناولت التفشي في بنغلاديش قد وصفته بأنه أزمة في منظومة التحصين، معتبرة أن تراكم فجوات التطعيم جعل عودة المرض بهذا الحجم أمرًا كان من الممكن توقعه والوقاية منه.

حملات التطعيم لم توقف التفشي بعد

أطلقت السلطات حملة وطنية لمحاولة احتواء المرض، إلا أن الإصابات والوفيات استمرت رغم مرور أشهر على بدء جهود التطعيم الموسعة.

وقد أثار ذلك تساؤلات لدى خبراء محليين حول حجم التغطية الفعلية للقاحات ومدى وصولها إلى الفئات الأكثر عرضة للخطر، في وقت أعلنت فيه الجهات الصحية بدء تقييمات لقياس فعالية برنامج التطعيم على الأرض.

والأكثر إثارة للقلق أن أعداد الإصابات عادت إلى الارتفاع بعد تراجع نسبي خلال يونيو/حزيران ويوليو/تموز، ما دفع مختصين بنغلاديشيين إلى التحذير من أن التفشي لا يزال بعيدًا عن السيطرة.

أزمة صحية وإنسانية تتجاوز أرقام الوفيات

لا تتوقف آثار الوباء عند المرض والوفاة. ففي أغسطس/آب، قالت منظمات إغاثة إن تسعًا من كل عشر أسر شملتها دراسة حول المتضررين من الحصبة اضطرت إلى الاقتراض لتغطية تكاليف العلاج، ما يكشف عن عبء اقتصادي إضافي تتحمله العائلات إلى جانب الخوف على حياة أطفالها.

وبينما تقترب الحصيلة من حاجز الألف، تواجه بنغلاديش سباقًا مع الوقت: الوصول إلى الأطفال الذين فاتتهم جرعات التطعيم، واحتواء سلاسل العدوى، ومعالجة سوء التغذية، وتخفيف الضغط عن المستشفيات.

والرقم الذي تقترب منه البلاد اليوم ليس مجرد إحصائية؛ فخلف كل حالة وفاة طفل وأسرة ومستشفى حاول إنقاذ حياة صغيرة من مرض كان يفترض، في عصر اللقاحات، أن يكون من الممكن منع معظم مآسيه.

Fediverse reactions

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *