في الوقت الذي أصبحت فيه شركة شي إن “SHEIN” واحدة من أكبر شركات الأزياء السريعة في العالم، بفضل أسعارها المنخفضة وقدرتها على طرح آلاف التصاميم الجديدة يوميًا، وجدت نفسها في قلب واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في قطاع الملابس العالمي.
فمنذ سنوات، تواجه الشركة اتهامات متكررة بوجود صلات بين بعض سلاسل توريدها وإقليم تركستان الشرقية، حيث تشير تقارير دولية إلى تعرض أقلية الأويغور لانتهاكات جسيمة، من بينها العمل القسري.
من هم الأويغور؟
الأويغور أقلية مسلمة تعيش في تركستان الشرقية التي احتلتها الصين. وتقول الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية إن السلطات الصينية نفذت سياسات قمعية وواسعة شملت الاحتجاز الجماعي، وإعادة التأهيل القسري، ونقل العمال إلى مصانع مختلفة، وسط اتهامات باستخدام العمل القسري في عدد من القطاعات، أبرزها صناعة القطن والمنسوجات.
إذ تُنتج منطقة تركستان الشرقية حوالي 80%-90% من نسبة القطن الصيني و تساهم في خمس الإنتاج العالمي من القطن. مما يجعلها محط اهتمام لعمالقة شركات الملابس.
في المقابل تنفي الحكومة الصينية هذه الاتهامات، رغم كل الأدلة وشهادات الناجين الأويغور، وتدعي أن برامجها تهدف إلى “مكافحة التطرف” وتحسين فرص العمل.
شركة شي إن
تأسست شركة “شي إن” في مدينة نانجينغ الصينية عام 1429هـ (2008م) و تتخذ حالياً من سنغافورة مقراً رئيسياً لها. وقد نجحت الشركة في كسب ولاء المتسوقين الشباب في الولايات المتحدة وأوروبا من خلال إنتاج أزياء الموضة السريعة بوتيرة أسرع – وبأسعار غالباً ما تكون أقل – مقارنة بالعديد من منافسيها.
كما تعاونت الشركة مع مشاهير ومؤثرين لتعزيز قاعدتها الجماهيرية عبر الإنترنت، وفي عام 1442هـ (2021م)، تفوقت تطبيقاتها للهواتف المحمولة لفترة وجيزة على تطبيق “أمازون” في قوائم التحميل على نظامي “iOS” و”أندرويد”، لتصبح تطبيق التسوق الأكثر تحميلاً في الولايات المتحدة.
لماذا ارتبط اسم شي إن بهذه القضية؟
بسبب اعتماد صناعة الملابس الصينية بدرجة كبيرة على القطن المنتج في تركستان الشرقية. ومع صعوبة تتبع سلاسل التوريد المعقدة، تساءلت جهات رقابية وتشريعية عما إذا كانت بعض المنتجات المباعة عالميًا تحتوي على مواد خام مرتبطة بالإقليم. وفي عام 1444هـ (2023م)، أصدرت اللجنة المختارة بمجلس النواب الأمريكي المعنية بالحزب الشيوعي الصيني تقريرًا أوليًا حول شركتي شي إن وتيمو، قالت فيه إن الحجم الكبير لشحناتهما منخفضة القيمة، بالإضافة إلى ممارسة الصين التكتم و السرية في طبيعة سلاسل التوريد وأصلها، قد يزيد من صعوبة تطبيق قوانين مكافحة العمل القسري، ودعت إلى مزيد من الشفافية في سلاسل التوريد.
ضغوط سياسية وتحقيقات متواصلة
لم تتوقف الضغوط عند الولايات المتحدة. ففي بريطانيا، تعرض ممثلو شي إن لانتقادات خلال جلسة استماع برلمانية بعد امتناعهم عن تقديم إجابات حاسمة بشأن ما إذا كانت منتجات الشركة تحتوي على قطن من تركستان الشرقية، وهو ما اعتبره أعضاء البرلمان نقصًا في الشفافية.
كما طالب مشرعون أمريكيون هيئة الأوراق المالية والبورصات بإلزام الشركة بإجراء تدقيق مستقل يثبت خلو منتجاتها من العمل القسري قبل أي طرح عام للأسهم، بينما وجه أعضاء في مجلس الشيوخ رسالة إلى الرئيس التنفيذي للشركة طالبوا فيها بإجابات واضحة حول مصادر القطن وسلاسل التوريد.
ماذا تقول شي إن؟
فيما ادعت شي إن أنها لا تستخدم العمل القسري، وقالت إن لديها مدونة سلوك تلزم “الموردين بحظر جميع أشكال العمل القسري”. وأضافت أنها لا تسمح باستخدام القطن الصيني في المنتجات المخصصة للسوق الأمريكية التزامًا بـ “قانون منع العمل القسري للأويغور”، وأنها تعتمد على مصادر أخرى للقطن، مثل الولايات المتحدة والهند والبرازيل وأستراليا، بالنسبة لتلك المنتجات.
ورغم ذلك، استمرت المطالبات الدولية بزيادة الشفافية، خصوصًا فيما يتعلق بالمنتجات المباعة في أسواق خارج الولايات المتحدة، حيث يرى منتقدو الشركة أن تعقيد سلاسل التوريد يجعل من الصعب التحقق بشكل مستقل من مصدر جميع المواد الخام.
استراتيجية الصين
سعت الصين جاهدة خلال السنوات لحماية شركة “شي إن” من خلال تطبيق سياسات تمنع الأطراف المعارضة من التفحص والتدقيق في حقيقة مصدر الملابس التي يتم بيعها. فمن ناحية، تحاول الصين السيطرة على البيانات التي تخص المعاملات التجارية، مما يعيق قدرة المنظمات على تتبع الحقائق وكشف الممارسات المشبوهة، ومن ناحية أخرى، تشير التقارير إلى أن الصين تتعمد تعقيد سلاسل التوريد، حيث تمر السلع عبر العديد من الدول والوسطاء، التي لن تقوم بالضرورة بالإجراءات اللازمة للتحقق من البضاعة.
بالإضافة إلى ذلك، تمرر الصين قوانين تحدّ من حق الأطراف المعارضة في التحقيق و التفتيش. بهذه الطريقة، تحافظ الصين على مصالحها الاقتصادية دون المخاطرة بخططها في منطقة تركستان الشرقية.
أكثر من مجرد شركة أزياء
تحولت قضية شي إن إلى نموذج للنقاش العالمي حول مسؤولية شركات الأزياء السريعة. فالسؤال لم يعد يتعلق بسعر قطعة الملابس فقط، بل أيضًا بالظروف التي صُنعت فيها، ومدى قدرة الشركات على إثبات خلو سلاسل توريدها من أي انتهاكات لحقوق الإنسان.
وبينما تواصل الشركة نفي الاتهامات والتأكيد على التزامها بالمعايير الدولية، لا تزال لجان تشريعية وهيئات رقابية ومنظمات حقوقية تطالب بمزيد من الأدلة والشفافية. وحتى الآن، يبقى الجدل قائمًا بين ما تقوله التحقيقات والتقارير، وما تؤكد عليه الشركة في دفاعها عن ممارساتها.
العقلية الاستهلاكية
أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي والانفتاح على أنماط الحياة الغربية في ترسيخ “العقلية الاستهلاكية” لدى الكثير.
فلم يعد الاقتناء مرتبطًا بحاجة حقيقية أو بنية صالحة، بل أصبح مدفوعًا بالمقارنة بالآخرين ومدِّ العين إلى ما في أيديهم.
إذ أنّ كثيرا من الأفراد يستهلكون لا لأنهم بحاجة إلى ما يشترونه، وإنما لأنهم رأوا غيرهم يقتنيه.
وهنا يتحول الاستهلاك من وسيلة لقضاء الحاجات إلى غاية في ذاته، تُغذّيها الرغبة الغريزية في المباهاة والتنافس في الدنيا.ومتى انفلتت الرغبات من ضابطها، انقلب الاستهلاك إلى إسراف وتبذير.
والأدهى والأمر أن هذا التبذير لم يقتصر على الموارد والمال، بل امتدّ ليطال حقوق الانسان وكرامته. فبينما ننشغل بمتابعة الموضات والسلع والصور الخاطفة على شاشاتنا، تُمحى حقائق مرعبة من وعينا الجماعي.
إذ يعيش أكثر من 11 مليون مسلم أويغوري في منطقة تركستان الشرقية تحت مراقبة مستمرة وتقييد شديد للحريات، لا نعرف عن معاناتهم إلا ما تسمح الحكومة الصينية بوصوله إلينا، بينما يستهلك العالم بلامبالاة، فاسحًا المجال للظلم أن يستمر في الظل، بعيدًا عن أضواء شاشاتنا المبهرة.





اترك تعليقاً