حذّر الكاتب والباحث الكوسوفي الدكتور أبو حميد عبدالملك بن ظافر الماجوني الكوسوفي من تصاعد خطاب معادٍ للإسلام في كوسوفا، معتبرًا أن القضية لم تعد تقتصر على انتقاد بعض الممارسات الدينية، بل باتت تمس هوية المسلمين وصلتهم بدينهم، في مجتمع يشكل المسلمون جزءًا أصيلًا من تاريخه وتركيبته الاجتماعية.
وجاء ذلك في مقال نشره الكاتب على شبكة «الألوكة» في 23 أغسطس/آب 2026م، الموافق 11 ربيع الأول 1448هـ، بعنوان: «الإسلام يُستهدف ويُحارب في كوسوفا، أفيظنون أنه لا ناصر له؟».
من الصراع العسكري إلى معركة الهوية
يرى الماجوني أن أشكال مواجهة الإسلام تغيرت بتغير الأزمنة؛ فبعدما غلب على مراحل تاريخية سابقة الصدام العسكري المباشر، أصبحت المواجهة في العصر الحديث أكثر ارتباطًا بالخطاب الإعلامي والثقافي والفكري، ومحاولات إعادة تعريف موقع الدين في المجتمع.
ويشير الكاتب إلى أن الإسلام يُقدَّم في بعض الخطابات بوصفه عقبة أمام «الحداثة» أو «الاندماج» أو الهوية الوطنية، وهو ما يعتبره مدخلًا للفصل بين المسلمين وهويتهم الدينية.
ويكتسب هذا النقاش خصوصية في كوسوفا، حيث ارتبط الإسلام بتاريخ طويل للمجتمع الألباني المسلم، وظل حاضرًا في حياة السكان رغم التحولات السياسية والاجتماعية التي مرت بها منطقة البلقان.
تحذير من ربط الهوية الألبانية بالتخلي عن الإسلام
ويلفت الكاتب إلى ما يصفه بمحاولات من أفراد وجماعات، بينها جمعيات تنصيرية متشددة بحسب مقاله، لتقديم الابتعاد عن الإسلام باعتباره استعادةً لـ«الهوية الألبانية».
ويرى أن الإشكال لا يكمن في وجود نقاش فكري أو ديني، وهو أمر مشروع في ذاته، وإنما في تحول بعض الخطابات إلى الدعوة الصريحة إلى ترك الإسلام، والإساءة إلى مقدساته، وربط التخلي عنه بالتقدم والتحضر.
ووفق الماجوني، فإن تصوير الردة عن الإسلام بوصفها خطوة نحو التحرر، أو تقديم التدين الإسلامي باعتباره نقيضًا للوطنية، يمثلان محاولة لإحداث قطيعة بين المسلم ودينه أكثر مما يمثلان نقاشًا معرفيًا حول الدين.
«تطرف معادٍ للدين»
ويتوقف الكاتب عند مفارقة يراها حاضرة في الخطاب الأوروبي المعاصر؛ إذ يقول إن إدانة التطرف الديني لا ينبغي أن تتحول إلى قبول بـ«تطرف مضاد للدين» يسعى إلى إقصاء المؤمنين أو الضغط عليهم للتخلي عن معتقداتهم.
ويحدد عدة مظاهر لهذا الخطاب، من بينها تصوير الإسلام مصدرًا للتخلف، والربط المطلق بين الدين والإرهاب، والإساءة إلى المقدسات الإسلامية، وتشجيع الأجيال الجديدة على الابتعاد عن دينها.
ومن وجهة نظره، تتجاوز مثل هذه الممارسات حدود حرية النقد حين تتحول إلى تحريض على جماعة دينية أو ازدراء لهويتها.
الإعلام وصناعة الصورة عن الإسلام
كما ينتقد الماجوني الطريقة التي يتعامل بها جزء من الإعلام مع المسلمين، معتبرًا أن الأخطاء الفردية التي يرتكبها مسلمون كثيرًا ما تُحمّل للإسلام نفسه، بينما لا تحظى المساهمات العلمية والخيرية والاجتماعية للمسلمين بالقدر نفسه من الاهتمام.
ويرى أن تكرار هذا النمط يكوّن لدى الجمهور صورة عن الإسلام لا تستند بالضرورة إلى مصادره وتعاليمه، وإنما إلى الصور الإعلامية المتداولة عنه.
وهنا يطرح الكاتب واحدة من القضايا الأساسية في مقاله: أن الدفاع عن الإسلام لا ينبغي أن يتحول بدوره إلى خطاب متشنج، بل يجب أن يقوم على العلم والحكمة والحجة وحسن الخلق.
واستشهد بقول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].
الدفاع عن الإسلام يبدأ من المسلم نفسه
ويؤكد الماجوني أن أقوى رد على الحملات المعادية للإسلام ليس الشتائم أو ردود الفعل الغاضبة، وإنما أن يقدم المسلمون صورة عملية عن دينهم من خلال أخلاقهم وأمانتهم وعدلهم وعلمهم وخدمتهم للمجتمعات التي يعيشون فيها.
فالمسلم -بحسب المقال- «لا يدافع عن دينه بالشتم، بل بالخلق، ولا بالعنف، بل بالعدل، ولا بالجهل، بل بالعلم».
ويربط الكاتب بين الدفاع عن الهوية الإسلامية وبين بناء مجتمع مسلم واثق بنفسه، قادر على تعليم أبنائه دينهم، وحماية هويتهم من الذوبان، وفي الوقت نفسه المشاركة الإيجابية في الحياة العامة.
الإسلام في كوسوفا.. قضية هوية وذاكرة
ولا يمكن فصل هذه المخاوف عن التاريخ الخاص لمسلمي كوسوفا والبلقان؛ فالدين لدى شرائح واسعة من المسلمين هناك ليس مجرد ممارسة فردية، وإنما جزء من ذاكرة اجتماعية تشكلت عبر قرون، ومرت بفترات من الحروب والاضطرابات والتحولات السياسية.
ومن هنا، فإن النقاش حول موقع الإسلام في المجتمع الكوسوفي يتجاوز حدود الخلاف النظري إلى أسئلة أوسع حول هوية الأجيال المقبلة، وعلاقة الألبان المسلمين بتاريخهم الديني والثقافي.
ويختتم الدكتور أبو حميد عبدالملك الماجوني مقاله بالتأكيد على أن محاولات إضعاف الإسلام ليست جديدة، وأن تغير أدوات المواجهة لا يغير -من وجهة نظره- من قدرة الدين على البقاء والانتشار.
ويستشهد بقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: 8].
وتبقى الرسالة المركزية التي يقدمها الكاتب للمسلمين في كوسوفا واضحة: حماية الهوية الإسلامية لا تكون بالانفعال، وإنما بالعلم والتربية والثبات والحكمة، وبناء أجيال تعرف دينها وتعتز به وتترجم قيمه في حياتها ومجتمعها.
المصدر الأساسي: مقال للدكتور أبو حميد عبدالملك بن ظافر الماجوني الكوسوفي، منشور على شبكة «الألوكة».






اترك تعليقاً