بين غياب الأزواج، وضيق المعيشة، وعدم وضوح المستقبل القانوني، تعيش نساء أويغور في تركيا واقعًا قاسيًا ممتدًا منذ سنوات، بعدما فرّ كثير منهن من تركستان الشرقية وبقي أزواجهن أو أفراد من أسرهن خلفهن، قبل أن تنقطع أخبار بعضهم أو ترد معلومات عن سجنهم واحتجازهم في الصين.
ويكشف تقرير ميداني نُشر في 2 سبتمبر/أيلول عن جانب إنساني قلّما يحظى بالاهتمام في قضية الأويغور؛ إذ يسلط الضوء على نساء تحولن إلى المعيل الوحيد لأسرهن، في ظل غياب الأزواج، واضطرارهن إلى تربية الأطفال ومواجهة أعباء السكن والعمل والتعليم وحدهن.
وبحسب الشهادات التي جمعها التقرير، تقول نساء أويغور إن أزواجهن اختفوا بعد عودتهم إلى الصين أو عقب انقطاع الاتصال بهم، بينما أفادت أخريات بأن أزواجهن يقبعون في السجون. ولا يمكن التحقق بصورة مستقلة من جميع تفاصيل الحالات الواردة، إلا أن هذه الشهادات تأتي ضمن سياق أوسع وثقته تقارير حقوقية ودولية عن الاحتجاز التعسفي والسجن طويل الأمد وفصل الأسر في تركستان الشرقية.
غياب يمتد لسنوات
لا يقتصر أثر الاختفاء أو السجن على غياب شخص واحد عن الأسرة؛ فبالنسبة إلى كثير من النساء، يعني ذلك سنوات من الانتظار دون معرفة واضحة بمصير الزوج، وما إذا كان حيًا أو مسجونًا أو متى يمكن أن يعود.
ويترك هذا الغياب الأطفال أيضًا أمام أسئلة لا تملك أمهاتهم إجابات عنها، بينما تتحمل النساء وحدهن مسؤولية الإعالة والتربية في بلد جديد، وسط صعوبات تتعلق بالعمل والإقامة والاستقرار القانوني.
ومع مرور السنوات، يتحول الانفصال المؤقت إلى واقع دائم، ويصبح الحفاظ على الأسرة نفسها تحديًا يوميًا، خاصة لدى من لا يمتلكن مصدر دخل ثابتًا أو شبكة دعم واسعة.
الخوف من ضياع الهوية
ويبرز التقرير كذلك جانبًا آخر من معاناة الأسر الأويغورية في تركيا، يتمثل في الخوف من أن يفقد الأطفال لغتهم وهويتهم الدينية والثقافية مع طول سنوات المنفى.
ولهذا يسعى مجتمع الأويغور في إسطنبول إلى إنشاء بيئة تحفظ للأطفال لغتهم وعاداتهم وصلتهم بتاريخهم، من خلال المدارس والمراكز المجتمعية والأنشطة الثقافية والدينية.
ولا تبدو هذه الجهود بالنسبة إلى كثير من الأسر مجرد مسألة ثقافية، بل محاولة لحماية هوية يرون أنها تتعرض لضغوط شديدة داخل تركستان الشرقية.
من القمع إلى المنفى
تأتي شهادات النساء في وقت ما تزال فيه قضية الأويغور محل انتقادات دولية واسعة، بسبب سياسات الصين في تركستان الشرقية، والتي شملت ـ بحسب تقارير أممية وحقوقية ـ الاعتقال التعسفي، والقيود على الممارسات الدينية، والمراقبة المكثفة، وفصل أفراد العائلات، وفرض قيود على اللغة والهوية الثقافية.
وكانت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان قد خلصت في تقريرها الصادر عام 2022 إلى أن نطاق الانتهاكات بحق الأويغور وغيرهم من المسلمين قد يرقى إلى «جرائم ضد الإنسانية».
وتنفي بكين هذه الاتهامات، وتقول إن سياساتها في المنطقة تستهدف مكافحة التطرف وتحقيق الاستقرار والتنمية.
مأساة لا تنتهي بالخروج من تركستان الشرقية
تكشف قصص النساء الأويغور في تركيا أن الهروب من القمع لا يعني بالضرورة نهاية المعاناة؛ فالمنفى يحمل بدوره أثقالًا مختلفة: أسرة منقسمة بين بلدين، وأبناء يكبرون دون آبائهم، ونساء ينتظرن خبرًا قد لا يأتي.
وبينما تنشغل السياسة الدولية بالأرقام والتقارير والعقوبات، تختصر هذه الأسر جانبًا أكثر قسوة من القضية: أن القمع لا ينتهي عند السجن أو الحدود، بل يمتد أثره سنوات طويلة داخل البيوت، وفي حياة أطفال قد يعرفون آباءهم من الصور والذكريات فقط.






اترك تعليقاً