استهداف القطاع الصحي في الضفة الغربية.. حين تصبح الرعاية الطبية جزءًا من معركة البقاء

main image68171 uaC4fBhmDt 1200x802 1

يتعرض القطاع الصحي الفلسطيني في الضفة الغربية لضغوط متصاعدة، في ظل ازدياد عمليات الاقتحام والاعتقال والقيود المفروضة على حركة سيارات الإسعاف والوصول إلى المستشفيات، بالتوازي مع توسع الاستيطان وتصاعد عمليات تهجير التجمعات الفلسطينية.

ووثقت منظمة الصحة العالمية خلال يوليو/تموز الماضي 37 اعتداءً على القطاع الصحي في الضفة الغربية، شملت الاعتداء على منشآت ومركبات طبية، وعرقلة الوصول إلى المرافق الصحية، واستخدام القوة، واعتقال أو احتجاز عاملين في المجال الصحي ومرضى. ويشكل ذلك ارتفاعًا حادًا مقارنة بثماني حوادث فقط في يونيو/حزيران، ومتوسط شهري بلغ نحو عشر حوادث خلال النصف الأول من عام 2026.

وتتجاوز هذه الانتهاكات استهداف المنشآت والمركبات إلى العاملين في القطاع الطبي أنفسهم. ففي 21 يونيو/حزيران، اعتقلت القوات الإسرائيلية الطبيب الفلسطيني مازن الرنتيسي من منزله في حي الطيرة بمدينة رام الله. ويُعرف الرنتيسي بين الفلسطينيين بـ«طبيب الفقراء» بسبب عمله لعقود في تقديم الرعاية الصحية للفئات محدودة الدخل والمهمشة. كما يشغل منصب رئيس مجلس إدارة لجان العمل الصحي، وهي مؤسسة فلسطينية نشأت خلال ثمانينيات القرن الماضي ضمن شبكة من اللجان الشعبية التي قدمت الخدمات الصحية للمناطق المحرومة.

وفي 18 أغسطس/آب، اعتقلت القوات الإسرائيلية طبيبة النساء والولادة ديما محمد أمين بركات من منزلها في رام الله. وتعرضت خلال احتجازها لأزمة قلبية استدعت نقلها إلى المستشفى وإجراء قسطرة قلبية لها، قبل إعادتها إلى الاحتجاز.

سيارات الإسعاف تحت القيود

ولا يقتصر الأمر على الاعتقالات، إذ تواصل الحواجز والإغلاقات العسكرية الإسرائيلية فرض قيود على حركة الطواقم الطبية. ووثقت منظمة «هيومن رايتس ووتش» حالات مُنعت أو تأخرت فيها سيارات إسعاف فلسطينية عن الوصول إلى المرضى أو المستشفيات، فيما أفادت تقارير بأن بعض حالات التأخير ساهمت في وفاة مرضى لم يتمكنوا من تلقي الرعاية في الوقت المناسب.

وتكتسب هذه القيود أهمية أكبر في القرى والتجمعات الفلسطينية البعيدة عن المراكز الحضرية، حيث يصبح الوصول إلى الخدمات الطبية مرتبطًا بالقدرة على عبور الحواجز والطرق المغلقة، في وقت تتزايد فيه هجمات المستوطنين والقيود العسكرية على الحركة.

الصحة والتهجير

ويربط المراقبون بين تدهور البنية الصحية وبين سياق أوسع من الضغط على الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية. فمنذ يناير/كانون الثاني 2023، تعرض نحو 127 تجمعًا فلسطينيًا للتهجير الجزئي أو الكامل، بما أثر على أكثر من 6,390 شخصًا، وفق أرقام الأمم المتحدة.

ولا يعني فقدان الخدمات الصحية وحده تهجير السكان بصورة مباشرة، إلا أن اجتماع انعدام الرعاية الطبية مع إغلاق الطرق ونقص المياه والتعليم وهجمات المستوطنين ومصادرة الأراضي يجعل الحياة في بعض المناطق أكثر صعوبة، ويدفع التجمعات الصغيرة خصوصًا إلى مواجهة ظروف قد لا تسمح لها بالبقاء طويلًا.

ومن هنا فإن استهداف المؤسسات الصحية لا يمكن فصله عن البنية الأوسع التي تُضعف قدرة المجتمعات الفلسطينية على الصمود في أراضيها.

مؤسسات صحية ذات جذور سياسية واجتماعية

وللعمل الصحي الفلسطيني في الضفة تاريخ يتجاوز تقديم العلاج بالمفهوم التقليدي. فقد نشأت لجان العمل الصحي من اللجان الشعبية التي تطورت خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حين سعى الفلسطينيون إلى إنشاء مؤسسات محلية مستقلة توفر الصحة والتعليم والزراعة والخدمات الاجتماعية بعيدًا عن المؤسسات التي يسيطر عليها الاحتلال.

وخلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، لعبت هذه اللجان دورًا في توفير الرعاية الصحية وتوزيع الغذاء والتعليم البديل والعمل الزراعي خلال فترات حظر التجول والإغلاق. وفي عام 1988، أعلنت إسرائيل اللجان الشعبية غير قانونية، فيما واصلت المؤسسات المنبثقة عنها العمل في مجالات مختلفة خلال العقود التالية.

ولهذا يحمل اعتقال رئيس مجلس إدارة لجان العمل الصحي، دلالة تتجاوز شخص الطبيب نفسه؛ إذ يمس مؤسسة تعود جذورها إلى أربعة عقود من العمل الصحي المجتمعي الفلسطيني.

من غزة إلى الضفة

إن ما يحدث في الضفة يأتي بعد استهداف واسع للقطاع الصحي في قطاع غزة خلال الحرب المستمرة هناك. ولا يزال 14 طبيبًا فلسطينيًا من غزة محتجزين في السجون الإسرائيلية دون توجيه اتهامات، ومن بينهم مدير مستشفى كمال عدوان السابق الدكتور حسام أبو صفية، الذي اعتُقل في ديسمبر/كانون الأول 2024.

كما تعرضت مستشفيات غزة خلال السنوات الماضية للتدمير، وقُتل واعتُقل عاملون في القطاع الطبي، بينما فرضت قيود واسعة على دخول المساعدات والأدوية والمستلزمات الطبية إلى القطاع.

ورغم اختلاف حجم الدمار بين غزة والضفة الغربية، فإن تصاعد الاعتداءات على الخدمات الصحية في الضفة يثير مخاوف من امتداد سياسة إضعاف البنية المدنية الفلسطينية إلى مناطق جديدة.

فحين يُمنع الطبيب من العمل، وتُعرقل سيارة الإسعاف، وتصبح المستشفيات أبعد بسبب الحواجز والإغلاقات، لا يكون المتضرر فردًا واحدًا فقط؛ بل مجتمع كامل تقل قدرته تدريجيًا على البقاء فوق أرضه.

وفي هذا السياق، تتحول حماية القطاع الصحي الفلسطيني من مسألة إنسانية بحتة إلى جزء أساسي من معركة الفلسطينيين للحفاظ على مجتمعاتهم واستمرار الحياة فيها.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *