الحجاب يعود إلى واجهة الجدل في فرنسا.. اليمين المتطرف يلوّح بالحظر والغرامات

GettyImages 1305920991

عاد الحجاب الإسلامي إلى قلب الجدل السياسي في فرنسا مع اقتراب البلاد تدريجيًا من سباق الانتخابات الرئاسية لعام 2027، بعدما أعاد حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف طرح مشروعه القديم لحظر ارتداء الحجاب في الأماكن العامة، مصحوبًا هذه المرة بالحديث صراحة عن فرض غرامات مالية على النساء اللواتي يخالفن الحظر.

وأعلن النائب جان فيليب تانغي، أحد المقربين من مارين لوبان، أن الحزب حسم داخليًا مسألة حظر الحجاب في المجال العام، وقال إن النساء اللواتي يرتدينه بعد إقرار المنع سيتعرضن لغرامة، مشبهًا العقوبة بالغرامة المفروضة على من يقود السيارة من دون حزام أمان.

ويعيد التصريح إلى الواجهة واحدًا من أكثر الملفات إثارة للانقسام في المجتمع الفرنسي، إذ سبق لمارين لوبان أن جعلت حظر الحجاب في الأماكن العامة جزءًا من برامجها الانتخابية السابقة، لكن المقترح ظل موضع تردد حتى داخل حزبها بسبب صعوبة تطبيقه وما يثيره من إشكالات دستورية وقانونية.

بارديلا يتراجع خطوة إلى الاستفتاء

وبعد موجة الجدل التي أثارتها تصريحات تانغي، بدا رئيس «التجمع الوطني» جوردان بارديلا أكثر حذرًا، مؤكدًا أن الأمر لن يكون ببساطة قرارًا تنفيذيًا بفرض الغرامات على المحجبات.

وقال بارديلا إن الفرنسيين سيكونون أصحاب القرار من خلال استفتاء، موضحًا أن الحزب، إذا وصل إلى السلطة، يعتزم تنظيم استفتاء حول الهجرة، ثم استفتاء آخر خلال الولاية الرئاسية يتناول ما يسميه «الأيديولوجية الإسلاموية»، وقد يتضمن توسيع القيود على الرموز الدينية والحجاب في المجال العام.

وأضاف أنه «لا يتعلق الأمر بإنشاء شرطة للملابس»، من دون أن يؤكد بصورة واضحة الآلية التي ستطبق بها الغرامات التي تحدث عنها زميله في الحزب.

وتكشف هذه التصريحات عن خلاف قديم داخل «التجمع الوطني» نفسه؛ فبينما تتمسك لوبان منذ سنوات بفكرة حظر الحجاب في الشوارع والأماكن العامة، أبدى بارديلا في مراحل سابقة تحفظًا واضحًا عليها، معتبرًا أن تطبيق المنع في الشارع أكثر تعقيدًا، ومفضلًا التركيز على المؤسسات والمباني العامة.

الحجاب والنقاب.. ماذا يمنع القانون الفرنسي حاليًا؟

ولا يحظر القانون الفرنسي في وضعه الحالي ارتداء الحجاب العادي في الشوارع والأماكن العامة بصورة عامة.

فمنذ عام 2004، تحظر فرنسا الرموز الدينية الظاهرة على الطلاب في المدارس الحكومية، ويشمل ذلك الحجاب الإسلامي إلى جانب الرموز الدينية البارزة الأخرى. أما قانون عام 2010 فيحظر تغطية الوجه في الأماكن العامة، وهو القانون الذي شمل عمليًا النقاب والبرقع، وليس الحجاب الذي يترك الوجه ظاهرًا.

ومن هنا فإن مقترح «التجمع الوطني» يمثل توسعًا كبيرًا في نطاق القيود الحالية؛ إذ سينتقل المنع من حالات محددة، مثل المدارس الحكومية أو تغطية الوجه بالكامل، إلى تجريم ارتداء غطاء الرأس الديني نفسه من قبل امرأة تسير في الشارع أو تدخل فضاءً عامًا.

تساؤلات دستورية واتهامات بالتمييز

وأثار المقترح اعتراضات سياسية وقانونية، فيما أعلنت الحكومة الفرنسية وجود «تحفظات واضحة» بشأن دستورية القرار وإمكانية تطبيقه عمليًا.

وقالت المتحدثة باسم الحكومة مود بريجون، في 31 أغسطس/آب، إن هناك إشكالات تتعلق بدستورية الحظر وقابلية تنفيذه، مشيرة إلى أنه إذا طُرحت مسألة حظر الرموز الدينية الظاهرة في الأماكن العامة، فلا يمكن أن تستهدف الحجاب الإسلامي وحده، وإنما ينبغي أن تشمل جميع الرموز الدينية.

وتزداد الإشكالات القانونية بالنظر إلى أن مجلس الدولة الفرنسي سبق أن اعتبر في قضايا تتعلق بحظر ملابس ذات دلالة دينية في الأماكن العامة أن حرية التنقل وحرية الضمير والحريات الشخصية لا يمكن تقييدها من دون مبررات فعلية تتصل بالنظام العام. ففي عام 2016، أوقف المجلس قرارات محلية تحظر ملابس دينية على الشواطئ، معتبرًا أنها تمثل مساسًا خطيرًا وغير قانوني بالحريات الأساسية إذا لم تستند إلى مخاطر مثبتة على النظام العام.

كما يؤكد القانون الفرنسي نفسه أن حرية الضمير وممارسة الشعائر الدينية مضمونة، وأن القيود عليها يفترض أن تكون مرتبطة بأسباب محددة من قبيل النظام والأمن العامين.

المرأة المسلمة في قلب الصراع الانتخابي

ويفتح المقترح مجددًا سؤالًا أوسع حول موقع المسلمين في الحياة العامة الفرنسية، وحدود مفهوم «العلمانية» الذي بات في السنوات الأخيرة محورًا متكررًا للنقاش بشأن الملابس والمظاهر الإسلامية.

ويبرر «التجمع الوطني» موقفه باعتبار الحجاب تعبيرًا سياسيًا وأيديولوجيًا وليس مجرد اختيار ديني أو شخصي، بينما يرى منتقدو هذا التوجه أن فرض غرامة على امرأة لمجرد تغطية شعرها يعني عمليًا نقل الدولة من تنظيم حياد مؤسساتها إلى التدخل المباشر في لباس المواطنين وممارساتهم الدينية.

كما يثير التركيز السياسي شبه الحصري على زي النساء المسلمات تساؤلات حول المساواة في تطبيق العلمانية، ولا سيما إذا تحولت حرية اختيار اللباس إلى مخالفة مالية مرتبطة برمز ديني بعينه.

وفي ظل استعداد فرنسا لانتخابات 2027، يبدو أن الحجاب سيعود مرة أخرى من ملف ديني واجتماعي إلى ورقة انتخابية رئيسية. وإذا وصل «التجمع الوطني» إلى السلطة ومضى فعلًا نحو الاستفتاء الذي يتحدث عنه بارديلا، فقد تجد فرنسا نفسها أمام مواجهة سياسية وقانونية واسعة حول سؤال أساسي: إلى أي حد تستطيع الدولة باسم العلمانية أن تقرر ما يجوز للمواطن أن يرتديه في الشارع؟

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *