حين يتحول التنكيل إلى مادة دعائية.. بن غفير يتباهى أمام الكاميرات بمعاناة الأسيرات الفلسطينيات

97a3deb0 7140 11f0 bb94 c31fa2275e79.jpg

لم يكتفِ وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف، إيتمار بن غفير بالإشراف السياسي على تشديد ظروف احتجاز الفلسطينيين، بل ظهر هذه المرة داخل سجن «الدامون» أمام مجموعة من الأسيرات الفلسطينيات، مستمعًا إلى شكواهن من الحرمان وسوء الظروف، ثم معلنًا أمام الكاميرا سعادته بما وصل إليه حالهن، في مشهد يحول معاناة نساء أسيرات إلى مادة للاستعراض السياسي والدعاية الانتخابية.

المقطع الذي نشره بن غفير، الأحد 30 أغسطس/آب، يُظهر أسيرات وقد أُخفيت وجوههن، فيما تقف إحداهن لتشرح، عبر مترجم، أن الأسيرات يعانين اقتحامات متكررة للغرف، وغياب الاستحمام بصورة طبيعية والمياه داخل الزنازين، وعدم الحصول على الرعاية الطبية اللازمة. وفي رواية نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية، قالت الأسيرة إنهن لم يستحممن منذ ثلاثة أيام ولم يتمكنّ من تغيير ملابسهن الداخلية، محذرة من الأمراض التي قد تنتج عن هذه الظروف.

لكن رد وزير الاحتلال الإسرائيلي لم يحمل وعدًا بالتحقيق أو معالجة الأوضاع؛ بل كان تفاخرًا مباشرًا بها. وقال إنه «مسؤول» عن تشديد الظروف، وإنه «فخور» بخفضها إلى ما وصفه بـ«الحد الأدنى»، مضيفًا أن زمن ما سماه «المخيمات الصيفية في السجون» قد انتهى.

وهنا تكمن خطورة المشهد: فالحرمان من النظافة والمياه والعلاج والخصوصية لا يُعرض باعتباره خللًا يجب إصلاحه، وإنما بوصفه إنجازًا سياسيًا يستحق التباهي.

حقوق أساسية تُقدَّم كأنها امتيازات

لا يعد الاستحمام أو الحصول على الماء أو الملابس النظيفة أو العلاج الطبي «رفاهية» تمنحها إدارة السجن لمن تشاء. هذه من أبسط المتطلبات الإنسانية التي يجب ضمانها لكل شخص محتجز، بصرف النظر عن التهمة الموجهة إليه.

ومع ذلك، يقدم بن غفير هذه الحقوق في خطابه باعتبارها «ظروفًا فندقية» ينبغي حرمان الفلسطينيين منها. والأسوأ أن الفيديو جاء مصورًا بعناية أمام الأسيرات أنفسهن؛ أي أن المسؤول السياسي الذي تتبع له مصلحة السجون حضر إلى المكان الذي تملك فيه السلطات الإسرائيلية السيطرة الكاملة على النساء المحتجزات، ثم واجه شكواهن بإعلان رضاه عن معاناتهن.

وزارة شؤون الأسرى والمحررين في غزة وصفت المشهد بأنه «استعراض سياسي وتحريض علني على الأسيرات»، وقالت إن طريقة دخول بن غفير وتصوير النساء وتهديدهن أمام الكاميرات تشير، من وجهة نظرها، إلى سياسة انتقام وليست مجرد إجراءات أمنية.

الفيديو ليس حادثة معزولة

الأخطر أن ما ظهر في المقطع لا يأتي من فراغ.

فقد خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، في تقرير أصدرته عام 2025، إلى أن إساءة معاملة المعتقلين الفلسطينيين والعنف الجنسي والقائم على النوع الاجتماعي في مراكز الاحتجاز أصبحت واسعة ومنهجية، وقالت إن شدتها وتواترها ازدادت بعد أكتوبر/تشرين الأول 2023، وربط التقرير ذلك صراحةً بأوامر وتصريحات بن غفير، المسؤول سياسيًا عن السجون الإسرائيلية.

وفي تقرير أممي آخر، وثقت اللجنة حرمان معتقلات من الغذاء والمياه الكافيين والرعاية الطبية والاحتياجات الصحية النسائية، إلى جانب شكاوى من الإهانات والتهديدات بالعنف الجنسي وعمليات تفتيش مهينة. وورد اسم سجن «الدامون» نفسه ضمن مرافق شهدت وقائع عنف جنسي أو قائم على النوع الاجتماعي وثقتها اللجنة.

كما أورد تقرير الأمين العام للأمم المتحدة لعام 2026 بشأن العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات أن الانتهاكات التي جرى التحقق منها ضد معتقلين فلسطينيين وقعت في منشآت تابعة للجيش ومصلحة السجون الإسرائيلية، ومن بينها سجن الدامون، وأن ما تعرضت له نساء شمل تهديدات بالاغتصاب والتعري القسري واللمس غير المرغوب فيه وعمليات تفتيش مهينة.

حتى منظمة «بتسيلم» الإسرائيلية لحقوق الإنسان قالت في تقرير محدث صدر عام 2026 إن شهادات الأسرى المفرج عنهم تشير إلى استمرار عمل مراكز الاحتجاز الإسرائيلية كـ«شبكة من معسكرات التعذيب»، تشمل العنف الجسدي والنفسي والتجويع والظروف غير الإنسانية وحرمان المرضى من العلاج.

من إخفاء الانتهاكات إلى التفاخر بها

لعل أكثر ما يبعث على الصدمة في فيديو بن غفير ليس فقط ما تقوله الأسيرات عن ظروفهن، وإنما حقيقة أن المسؤول الإسرائيلي لا يحاول نفي المعاناة. إنه يتبناها.

حين تخبره أسيرة بأنها لا تستطيع الاستحمام أو تغيير ملابسها وأنها تخشى الإصابة بالأمراض، فلا تكون إجابته أن المعاملة ستخضع للمراجعة، بل إنه سعيد بالسياسة التي أنتجت هذه الظروف.

وبذلك ينتقل التنكيل من ممارسة تحاول الدول عادةً إخفاءها خلف جدران السجون إلى رسالة سياسية مصورة: وزير يدخل إلى مكان احتجاز نساء لا يمتلكن حرية المغادرة أو رفض وجوده، يستمع إلى وصف معاناتهن، ثم يتخذ منها منصة لإظهار مدى تشدده.

ويزداد المشهد قسوة لأن الضحايا هنا نساء محتجزات في بيئة مغلقة، تخضع تفاصيل حياتهن اليومية ـ الماء والطعام والاستحمام والعلاج والملابس والخروج من الزنزانة ـ بصورة شبه كاملة لسلطة سجانيهن.

لهذا لا ينبغي التعامل مع المقطع باعتباره مجرد «تصريح متطرف» جديد لبن غفير. إنه يقدم صورة أوضح لسياسة أصبحت فيها معاناة الأسرى الفلسطينيين جزءًا من الخطاب السياسي نفسه؛ فلا يُكتفى بفرض ظروف قاسية عليهم، وإنما يجري عرض هذه الظروف أمام الجمهور والاحتفاء بها باعتبارها إنجازًا.

والسجن، مهما كانت التهمة المنسوبة إلى المحتجز، لا يمنح الدولة حق الانتقام منه أو إذلاله. فعندما يصبح الحرمان من النظافة والعلاج والاحتياجات الأساسية مصدر فخر لمسؤول حكومي، وعندما تتحول شكوى أسيرات من المرض والمهانة إلى خلفية لمقطع دعائي، فإن السؤال لم يعد فقط عما يجري خلف أبواب السجون الإسرائيلية، بل عن منظومة سياسية بات قادتها لا يرون ضرورة حتى لإخفائه.ز

فهل هناك تحالف دولي يُستنفر لوضع حد للطغيان الإسرائيلي؟!

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *