الضفة على حافة الانفجار.. تحذيرات داخل جيش الاحتلال من تصعيد يخدم نتنياهو انتخابيًا

000 C4KK3NZ

دخلت الضفة الغربية المحتلة مرحلة جديدة من التوتر، مع تصاعد هجمات المستوطنين وتوسع المواجهات والاقتحامات في عدد من المدن والقرى، بالتزامن مع تحذيرات صادرة من داخل المؤسسة العسكرية “الإسرائيلية” من أن استمرار التصعيد قد يدفع المنطقة إلى انفجار أمني واسع.

ويأتي ذلك قبل الانتخابات العامة المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026م، الموافق 5 جمادى الأولى 1448هـ، والتي ينظر إليها داخل المعسكر السياسي في تل أبيب باعتبارها محطة حاسمة لمستقبل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وائتلافه الحاكم.

ووفق ما أوردته صحيفة «هآرتس» نقلاً عن مصادر عسكرية، يخشى مسؤولون في جيش الاحتلال من أن يؤدي التعامل السياسي مع الضفة إلى تدهور أمني متعمد أو موجه، بما يسمح بتحويل النقاش الانتخابي بعيدًا عن إخفاقات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023م، الموافق 22 ربيع الأول 1445هـ.

تحذير من داخل المؤسسة العسكرية

بحسب المصادر التي نقلت عنها «هآرتس»، فإن رئيس أركان الجيش إيال زامير يبدي تحفظًا على بعض توجهات الحكومة تجاه الضفة الغربية، خصوصًا في ظل تراجع شعبية الائتلاف الحاكم في استطلاعات الرأي.

وتقول المصادر إن زامير يريد تجنب إدخال الجيش في تعقيدات أمنية جديدة لا تفرضها الوقائع الميدانية، في إشارة إلى مخاوف المؤسسة العسكرية من أن يتحول التصعيد في الضفة إلى قرار سياسي تتولى القوات المسلحة تبعاته على الأرض.

كما نقلت «هآرتس» عن مصادر عسكرية خشيتها من أن تكون أطراف في الحكومة معنية بارتفاع مستوى العنف في الضفة لأسباب سياسية، في وقت تستعد فيه البلاد لخوض انتخابات عامة بعد نحو شهرين.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة لأن الجيش يعمل أصلًا على عدة جبهات، فيما قد يؤدي فتح مسار أمني جديد في الضفة إلى استنزاف إضافي للقوات والموارد.

اليمين يدفع نحو مواجهة أوسع

ولا تتوقف المخاوف التي أوردتها الصحافة العبرية عند الحديث عن «تدهور أمني» محتمل. فبحسب «هآرتس»، فإن شخصيات بارزة في اليمين، من بينها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، لا تخفي رغبتها في تصعيد الصراع في الضفة إلى درجة تتيح تحركًا عسكريًا أوسع ضد السلطة الفلسطينية.

ووفق الصحيفة، يتضمن التصور الذي تدفع به هذه الدوائر إسقاط حكومة السلطة الفلسطينية، ثم فرض سيطرة عسكرية أوسع على الأراضي، بالتزامن مع تهجير أعداد كبيرة من السكان الفلسطينيين.

وتضع هذه المواقف الضفة أمام احتمال انتقال التصعيد من مستوى اعتداءات المستوطنين والعمليات العسكرية المحدودة إلى ترتيبات سياسية وأمنية أكثر اتساعًا.

لماذا تزداد أهمية الضفة الآن؟

تأتي التطورات في توقيت شديد الحساسية بالنسبة إلى نتنياهو، فالانتخابات العامة مقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026م، الموافق 5 جمادى الأولى 1448هـ، فيما يواجه نتنياهو ضغوطًا سياسية داخلية، إلى جانب اتهامات تتعلق بالفساد والاستبداد والفشل في إدارة تداعيات الحرب.

وبحسب ما نقلته الصحافة العبرية، أقر نتنياهو خلال محادثات مغلقة بأن حزب الليكود قد يخسر انتخابات الكنيست المقبلة «ما لم يطرأ تغيير».

ومن هنا أصبحت الضفة جزءًا من المشهد الانتخابي الإسرائيلي، على الرغم من أن آثار أي انفجار أمني فيها لن تقتصر على السياسة الداخلية.

فالتدهور في الضفة يمكن أن يفتح جبهة أمنية جديدة، ويرفع مستوى العنف، ويزيد الضغط على السلطة الفلسطينية، ويدفع إلى تدخلات عسكرية أكثر اتساعًا.

الجيش يلوّح بإمكانية نقل قوات إلى الضفة

وذكرت صحيفة «معاريف» أن الجيش يدرس نقل جزء من قواته الموجودة حاليًا في لبنان وقطاع غزة إلى الضفة الغربية خلال الأيام المقبلة.

ونقلت الصحيفة عن مصادر أن الوضع في الضفة «على وشك الانفجار»، في إشارة إلى الارتفاع الكبير في مستوى التوتر والهجمات خلال الفترة الأخيرة.

ويعني نقل القوات عمليًا أن المؤسسة العسكرية تتعامل مع الضفة باعتبارها جبهة تحتاج إلى تعزيزات، وليس مجرد ساحة لحوادث متفرقة.

لكن إعادة توزيع الوحدات بين غزة ولبنان والضفة تفتح في الوقت نفسه سؤالًا حول حجم الضغط الذي بات يفرضه تعدد ساحات الانتشار على الجيش.

هجمات المستوطنين تتسع

بالتزامن مع التحذيرات العسكرية، شهدت الضفة خلال 29 أغسطس/آب 2026م، الموافق 16 ربيع الأول 1448هـ، موجة جديدة من الهجمات طاولت عدة بلدات وقرى.

وأصيب 19 شخصًا، بينهم 17 فلسطينيًا وصحفيان أجنبيان، في سلسلة اعتداءات نفذها مستوطنون وترافقت مع إجراءات واقتحامات عسكرية في مناطق مختلفة من الضفة.

وشملت الأحداث قصرة وجالود وعرابة ورابا والمغير وبرقا، إضافة إلى البلدة القديمة في الخليل، وتضمنت الاعتداء على السكان، وتجريف أراضٍ، وإغلاق طرق، وعرقلة حركة الفلسطينيين والصحفيين.

وبذلك لم يعد التصعيد محصورًا في منطقة جغرافية واحدة، وإنما ظهر في عدة محافظات في الوقت نفسه.

قصرة.. منزل تحت الهجوم

في قرية قصرة بمحافظة نابلس، هاجم عشرات المستوطنين منزلًا فلسطينيًا في منطقة رأس العين، واستخدموا الحجارة وقنابل الغاز، ما أدى إلى إصابة سبعة فلسطينيين بحالات اختناق ورضوض.

وفي تطور أكثر حساسية، يواصل مستوطنون حصار ثلاثة منازل في القرية لليوم الحادي والعشرين على التوالي، فيما أعلن الجيش المنطقة «عسكرية مغلقة».

وجاء الهجوم الأخير في سياق متواصل من التوتر في قصرة، وهي القرية التي شهدت في الأسابيع الماضية صدامات متكررة حول المنازل والأراضي الواقعة في منطقة رأس العين.

ووفق ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية، هاجم عشرات المستوطنين القرية في 29 أغسطس/آب، الموافق 16 ربيع الأول 1448هـ، وتمكنوا من دخول منزل فلسطيني بينما كانت الأسرة بداخله، قبل وصول القوات إلى المكان.

جالود.. الصحافة نفسها تحت الهجوم

لم تتوقف الاعتداءات عند السكان، ففي قرية جالود، هاجم مستوطنون عائلة فلسطينية وصحفيين أجنبيين كانا برفقتها، ما أدى إلى إصابة فلسطيني وزوجته، إلى جانب إصابة الصحفيين.

كما نقلت وسائل إعلام عبرية تسجيلات تظهر مهاجمة امرأة فلسطينية وأفراد طاقم صحفي تابع لشبكة NBC، بينما لم ترد تقارير عن اعتقال المستوطنين الذين نفذوا الهجوم.

وتشير هذه الوقائع إلى اتساع دائرة الاستهداف لتشمل الأشخاص الذين يحاولون توثيق الأحداث ميدانيًا، إضافة إلى السكان.

اعتداءات في رام الله وجنين والخليل

امتدت المواجهات إلى مناطق أخرى، حيث شهدت المغير بمحافظة رام الله والبيرة، قيام مستوطنون بمهاجمة أطراف القرية، وأطلقوا أغنامهم للرعي في أراضي الفلسطينيين، كما حاولوا اقتحام أحد المنازل قبل أن يتصدى لهم الأهالي.

وفي برقا، اعتدى مستوطنون على فلسطينيين داخل متنزه القرية وعلى مزارعين أثناء قطف ثمار اللوز.

أما في عرابة بمحافظة جنين، فأصيب فلسطينيان بعد تعرضهما للضرب قرب مستوطنة «ميفو دوتان» المقامة على أراضي البلدة.

وفي مخيم الفارعة جنوب طوباس، أصيب ستة فلسطينيين بحالات اختناق نتيجة إطلاق قوات الجيش الغاز المسيل للدموع خلال اقتحام المخيم.

وهكذا امتدت الأحداث من القرى الزراعية إلى المخيمات والمدن، وشملت اعتداءات على السكان وممتلكاتهم وأراضيهم وحركتهم.

نتنياهو يدين.. والاعتقالات غائبة

في مواجهة الضغوط الدولية والداخلية، أصدر نتنياهو بيانًا أدان فيه ما وصفه بالأعمال «الإجرامية» التي نفذها المستوطنون في قصرة وجالود، واصفًا المشاركين فيها بأنهم «حفنة من مثيري الشغب».

وقال إن قوات الأمن تحركت سريعًا، وإنها صادرت ثلاث مركبات وأنهت الحادث خلال وقت قصير.

لكن صحيفة «معاريف» نقلت في المقابل عن مصدر عسكري أن الشرطة لم تعتقل أيًا من المستوطنين الذين شاركوا في هجمات قصرة، فيما أشارت تقديرات إسرائيلية إلى مشاركة نحو 50 مستوطنًا في الهجوم.

وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية كذلك بأن الجيش بدأ البحث عن المشاركين ومركباتهم بعد تفريقهم، لكن لم تُعلن اعتقالات بحقهم في الساعات الأولى التي أعقبت الهجوم.

وتكشف الفجوة بين الإدانة السياسية والإجراء الميداني عن مشكلة باتت تتكرر في ملف عنف المستوطنين: تصريحات رسمية تدين بعض الهجمات، مقابل انتقادات متواصلة بشأن ضعف الاعتقالات والملاحقة القضائية.

واشنطن تكتفي برسالة محدودة

على الجانب الأميركي، لم يظهر حتى الآن تدخل سياسي حاد في مسار التصعيد.

وبحسب «هآرتس»، بدا أن إدارة الرئيس دونالد ترمب غير راغبة في الدخول في مواجهة مباشرة مع الحكومة الإسرائيلية بشأن أحداث الضفة، رغم الإدانات الدولية المتزايدة لهجمات المستوطنين.

واقتصر الموقف الأميركي البارز على تصريحات السفير الأميركي مايك هاكابي، الذي أدان ما وصفه بأعمال «أقلية عنيفة»، من دون تبني موقف صريح ضد الاستيطان نفسه.

وعقب هجمات قصرة وجالود، تحدث هاكابي عن وجود نحو نصف مليون مستوطن يعيشون في الضفة، معتبرًا أن «مجموعة صغيرة من المشاغبين» لا تمثل عمومهم.

في المقابل، لم تتضمن تصريحاته إشارة إلى العنف الواقع على الفلسطينيين على نطاق أوسع.

المؤسسة العسكرية أمام معادلة صعبة

تضع التطورات الجيش أمام معادلة شديدة التعقيد، حيث تحذر المؤسسة العسكرية من خروج الضفة عن السيطرة، لكنها في الوقت ذاته مطالبة بتنفيذ قرارات القيادة السياسية والتعامل مع تدفق الهجمات والاحتجاجات والعمليات.

كما أن أي توسع في انتشار القوات داخل الضفة يعني إعادة توزيع وحدات من ساحات أخرى تشهد أصلًا نشاطًا عسكريًا مستمرًا.

وتزداد صعوبة الوضع مع دخول المستوطنين أنفسهم كعامل إضافي في المشهد الأمني، إذ لا يقتصر الأمر على المواجهة بين الجيش والفلسطينيين، وإنما أصبح عنف المستوطنين عنصرًا ترى قيادات عسكرية أنه قد يدفع إلى تصعيد أوسع.

الضفة بين الأمن والانتخابات

تربط التحذيرات الواردة من داخل الجيش بين التطورات الميدانية والواقع السياسي، لكن ذلك يبقى في إطار ما نقلته الصحافة والمصادر العسكرية وليس قرارًا معلنًا من الحكومة الإسرائيلية.

المؤكد أن الانتخابات المقبلة تمنح كل تطور أمني في الضفة وزنًا سياسيًا مضاعفًا، خاصة أن اندلاع مواجهة واسعة قد يفرض قضايا الأمن والسيطرة العسكرية والتهديدات الفلسطينية في مقدمة الخطاب الانتخابي، في الوقت الذي يعاني فيه نتنياهو ضغوطًا بشأن أداء حكومته والحرب وتداعيات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023م، الموافق 22 ربيع الأول 1445هـ.

وفي المقابل، يحاول الجيش الحفاظ على مساحة من القرار المهني بعيدًا عن الحسابات الانتخابية، بحسب ما تنقل المصادر العسكرية التي استندت إليها «هآرتس».

هل تتجه الضفة إلى انفجار أوسع؟

الأرقام والوقائع الميدانية خلال الأيام الأخيرة تظهر ارتفاعًا واضحًا في مستوى العنف، لكن تحديد ما إذا كان ذلك سيتحول إلى انتفاضة أو مواجهة شاملة يظل مبكرًا.

المؤكد أن عدة عوامل تتجمع في الوقت نفسه: هجمات متكررة للمستوطنين، اقتحامات عسكرية، حصار قرى ومنازل، تحذيرات من داخل الجيش، بحث عن تعزيز القوات، وضغوط انتخابية تسبق انتخابات أكتوبر/تشرين الأول.

وكلما استمرت هذه العناصر في التزامن، ازدادت احتمالات وقوع حادث كبير يصعب احتواؤه.

فالضفة الغربية لا تواجه فقط ارتفاعًا في عدد الاعتداءات، وإنما تداخلًا غير مسبوق بين العنف الميداني والحسابات السياسية والانتخابات وتوزيع القوات العسكرية.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو تحذيرات إيال زامير أكثر من مجرد تقييم أمني روتيني، فهي تأتي في وقت يخشى فيه مسؤولون عسكريون من أن تتحول الضفة إلى ساحة جديدة لصراع سياسي طويل الأمد.

ومع اقتراب 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026م، الموافق 5 جمادى الأولى 1448هـ، ستظل الضفة واحدة من أهم الجبهات التي يمكن أن تؤثر في مسار الانتخابات، سواء هدأت الأوضاع أو انزلقت إلى مواجهة أوسع.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *