بينما تتجدد التصريحات والمفاوضات بشأن إمكانية إعادة الروهينجا إلى ميانمار، تتفاقم أزمة أخرى داخل المخيمات التي يعيشون فيها حاليًا في بنغلاديش: تراجع التمويل الإنساني إلى مستويات تهدد التعليم والغذاء والصحة وحماية الأطفال، في وقت لا تزال فيه العودة الآمنة إلى أراكان بعيدة عن التحقق.
وطلبت الأمم المتحدة وشركاؤها 710.5 ملايين دولار لتغطية الاحتياجات ذات الأولوية خلال عام 2026، ضمن خطة تستهدف نحو 1.6 مليون شخص من لاجئي الروهينجا والمجتمعات البنغلاديشية المضيفة في كوكس بازار وبهاسان شار وأوخيا وتكناف. وتشارك في الخطة 98 منظمة ووكالة، نصفها تقريبًا من المؤسسات الوطنية البنغلاديشية.
لكن حجم الاحتياجات يواجه فجوة تمويلية كبيرة.
ففي مطلع يونيو/حزيران، حذرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من أن خطة الاستجابة لم تكن ممولة إلا بنحو 60% وفق البيانات المتاحة آنذاك. أما بيانات خدمة التتبع المالي التابعة للأمم المتحدة فتظهر حاليًا تمويلًا مُبلغًا عنه بنحو 351.5 مليون دولار من أصل 710.5 ملايين، أي قرابة 49.5%؛ وقد تختلف النسب المنشورة باختلاف توقيت احتساب التعهدات والأموال التي تم تسجيل وصولها فعليًا.
تقليص الخطة.. والفجوة ما تزال كبيرة
المفارقة أن مبلغ 710.5 ملايين دولار لا يمثل توسعًا في الإنفاق، بل جاء بعد تقليص الاحتياجات المطلوبة مقارنة بخطة العام السابق.
وأشارت جهات أممية إلى أن خطة 2026 خُفضت بنحو 26% عن طلب عام 2025، لتقتصر بصورة أكبر على الاحتياجات الإنسانية الأكثر إلحاحًا. أي أن العجز الحالي يحدث رغم خفض سقف الطموح والتركيز على الخدمات الأساسية.
وهذا يعني أن المشكلة لم تعد مرتبطة بتمويل مشاريع إضافية أو تحسين نوعية الحياة داخل المخيمات فحسب، بل باتت تطال خدمات تعدها المنظمات الإنسانية ضرورية لاستمرار الحياة نفسها، ومن بينها الغذاء والرعاية الصحية والمياه والصرف الصحي والتعليم والحماية.
ويعيش قرابة 1.2 مليون من الروهينجا في بنغلاديش، معظمهم في مخيمات كوكس بازار المكتظة، بينما تعتمد أعداد كبيرة منهم بصورة أساسية على المساعدات الإنسانية.
المدارس كانت أول الضحايا
كان قطاع التعليم أحد أكثر القطاعات التي أظهرت مبكرًا حجم آثار نقص التمويل.
فخلال عام 2025 اضطرت اليونيسف بسبب أزمة التمويل إلى إغلاق قرابة 2,800 مدرسة ومركز تعليمي في مخيمات الروهينجا، بالتزامن مع تضرر برامج حماية الأطفال وتنمية المهارات. وتمكنت الوكالة لاحقًا من إعادة فتح معظم مراكزها بعد إعادة توجيه جزء من التمويل، إلا أن مدارس ومراكز أخرى تديرها منظمات مختلفة بقيت مغلقة، فيما استمرت المخاوف من تكرار الأزمة مع مزيد من التخفيضات.
وكانت اليونيسف قد حذرت أصلًا من أن مئات الآلاف من الأطفال معرضون لفقدان التعليم بسبب نقص التمويل، في أزمة تتجاوز مسألة توقف الدراسة إلى ما يمكن أن يحدث للأطفال بعد خروجهم من المدارس.
فتحقيق لوكالة أسوشيتد برس وثق ارتفاع المخاطر التي يتعرض لها الأطفال بعد إغلاق المدارس وتقليص برامج الحماية، بما في ذلك الزواج المبكر وعمالة الأطفال والخطف والاتجار والتجنيد من جانب جماعات مسلحة. وأفادت بيانات لليونيسف أوردها التحقيق بأن حالات الخطف المبلغ عنها ارتفعت بأكثر من أربعة أضعاف خلال جزء من عام 2025، كما ارتفعت الحالات الموثقة لزواج الأطفال والعمل بينهم.
وهنا تكشف أزمة التمويل عن أثر يتجاوز الأرقام: إغلاق المدرسة لا يعني فقط توقف درس، بل إزالة واحدة من أهم المساحات التي تحمي الطفل داخل بيئة مخيم شديدة الهشاشة.
أطفال بين الدراسة والعمل والزواج
أظهرت شهادات جمعتها المنظمات ووسائل الإعلام أن بعض الأطفال اضطروا بعد توقف مدارسهم إلى العمل لمساعدة أسرهم، بينما تزايدت المخاطر على الفتيات بصورة خاصة.
وسجل تحقيق أسوشيتد برس حالات لفتيات تزوجن في سن مبكرة بعد فقدان فرص التعليم، وأطفال اتجهوا إلى أعمال شاقة أو أصبحوا أكثر عرضة لشبكات الاتجار بالبشر. كما ربط عاملون في حماية الطفل بين غياب مراكز التعليم والأنشطة وبين ازدياد تعرض الصغار للاستغلال والتجنيد والخطف.
وتزداد خطورة هذه التطورات لأن غالبية أطفال الروهينجا لا يملكون خيارات بديلة واسعة خارج المخيمات، فيما تظل العودة إلى ميانمار محفوفة بمخاطر أمنية وسياسية، ويعيش كثير منهم منذ سنوات في بيئة لجوء طويلة الأمد.
العودة لا تعالج أزمة اليوم
تأتي أزمة التمويل في وقت عاد فيه ملف إعادة الروهينجا إلى ميانمار إلى الواجهة مجددًا، لكن الحديث عن العودة لا يلغي الاحتياجات الحالية.
فحتى إذا تحسنت فرص العودة مستقبلًا، فإن مئات الآلاف من الأطفال يحتاجون الآن إلى التعليم، والمرضى يحتاجون إلى العلاج، والأسر تحتاج إلى الغذاء والمياه والمأوى، بينما تحتاج الفئات الأكثر ضعفًا إلى برامج الحماية.
ولهذا تتضمن خطة الأمم المتحدة لعام 2026 مسارين متوازيين: العمل باتجاه عودة مبكرة وطوعية ومستدامة عندما تسمح الظروف، وفي الوقت نفسه توفير الحماية والمساعدات المنقذة للحياة للاجئين والمجتمعات المضيفة ما داموا في بنغلاديش.

ثمن تراجع اهتمام العالم
بعد ما يقارب تسع سنوات من موجة النزوح الكبرى عام 2017، تواجه أزمة الروهينجا خطر التحول في نظر المانحين من حالة طارئة إلى أزمة مزمنة اعتاد العالم وجودها.
لكن مرور الوقت لا يعني تراجع الاحتياجات.
بل إن استمرار النزوح، وولادة أجيال جديدة داخل المخيمات، وتجدد العنف في ميانمار ووصول لاجئين جدد منذ عام 2024، كلها عوامل تزيد الضغط على منظومة إنسانية تعاني أصلًا من تراجع الموارد. وقد أشارت المفوضية إلى وصول نحو 150 ألف روهينجي جديد إلى بنغلاديش منذ أوائل 2024 بسبب تجدد العنف في ميانمار.
ولهذا فإن فجوة التمويل لا تظهر في تقارير الأمم المتحدة كمشكلة حسابية بين «المطلوب» و«المتاح» فقط، بل تظهر في حياة اللاجئين نفسها: في فصل دراسي يغلق، أو وجبة قد تتقلص، أو طفل يفقد مساحة آمنة، أو أسرة تجد نفسها أكثر عرضة للاستغلال.
وفي الوقت الذي يبحث فيه المجتمع الدولي عن حل سياسي طويل الأمد لأزمة الروهينجا، تطرح مخيمات بنغلاديش سؤالًا أكثر إلحاحًا: كيف يمكن انتظار الحل لسنوات أخرى إذا كانت الموارد اللازمة لإبقاء الناس آمنين حتى ذلك الحين تتراجع عامًا بعد عام؟





اترك تعليقاً