الغارات الأمريكية على جنوب إيران .. استهداف لمقومات الحياة

d08ca2c8 6c88 486f 9e09

لم تقتصر تداعيات الغارات الأمريكية الأخيرة على المنشآت العسكرية في جنوب إيران، بل امتدت، وفق تقرير نشره موقع Drop Site News في 13 أغسطس/آب 2026، إلى بنى تحتية مدنية ومصادر رزق يعتمد عليها السكان في حياتهم اليومية، ما خلف أضرارًا اقتصادية وإنسانية واسعة.

في بندر عباس، تحولت موانئ الصيد إلى واحدة من أبرز ساحات الخسائر. فقد دمرت الغارات عشرات قوارب الصيد، فيما يقول التقرير إن نحو 300 قارب مدني دُمرت في مناطق عدة، بينها بندر عباس وبندر لنغه وسيريك وجاسك، الأمر الذي حرم آلاف الصيادين من مصدر دخلهم الأساسي.

ويروي أحد الصيادين، الذي اعتمد على قاربه لسنوات في إعالة أسرته، أن القارب تحول إلى حطام محترق، بينما بات استبداله مكلفًا بصورة تفوق قدرة كثير من العائلات، في وقت يواجه فيه السكان أصلًا تداعيات الحرب.

بنية تحتية تحت القصف

وبحسب التقرير، لم تتوقف الأضرار عند الموانئ، إذ تعرضت الجسور والطرق وشبكات الاتصالات والسكك الحديدية ومنشآت الكهرباء لضربات متكررة، ما أدى إلى تعطيل الحركة والاتصالات والخدمات الأساسية.

كما تضررت أبراج اتصالات في مناطق عدة، وأدى استهداف أحد الأبراج قرب بندر عباس، وفق روايات محلية نقلها التقرير، إلى مقتل خمسة أشخاص.

وفي ظل درجات حرارة تقترب من 50 درجة مئوية في بعض مناطق هرمزغان خلال فصل الصيف، اكتسب انقطاع الكهرباء أبعادًا أكثر خطورة؛ إذ أدى توقف التيار إلى تعطل مضخات المياه وأجهزة التبريد، بالتزامن مع اضطراب خدمات الهاتف والإنترنت.

ويرى محللون عسكريون نقل عنهم التقرير أن استهداف شبكات الكهرباء والاتصالات والنقل قد لا يؤثر فقط على القدرات العسكرية، بل يفرض كذلك ضغوطًا مباشرة على الحياة اليومية للسكان.

مستشفى للأطفال يتحول إلى ساحة إجلاء

ومن أكثر الوقائع إثارة للقلق ما حدث قرب مستشفى شهيد باقائي في الأهواز، وهو من المراكز الطبية الرئيسية التي تعالج الأطفال المصابين بالسرطان واضطرابات الدم.

ففي 15 يوليو/تموز، هزت انفجارات المنطقة المحيطة بالمستشفى، ما أدى إلى إجلاء 211 طفلًا، بينهم أطفال يخضعون للعلاج الكيميائي وآخرون يعتمدون على أجهزة التنفس.

ورغم عدم تدمير المستشفى، تركت الواقعة آثارًا نفسية عميقة على المرضى والأهالي. ونقل التقرير عن طبيب أن الأطفال الذين عاشوا أصلًا تجربة الحرب باتوا أكثر عرضة للخوف واضطرابات النوم والهلع عند سماع أصوات مرتفعة.

وهكذا، لا تبدو آثار القصف محصورة في الأضرار المادية؛ فالأطفال الذين عاشوا تلك التجارب قد يحملون آثارها النفسية حتى بعد توقف القتال.

أسئلة حول طبيعة الأهداف

التقرير يطرح كذلك تساؤلات بشأن طبيعة بعض الأهداف التي تعرضت للقصف.

ففي بمبور بمحافظة سيستان وبلوشستان، استهدفت صواريخ ثكنة عسكرية، ما أدى، وفق ما أورده التقرير، إلى مقتل سبعة جنود على الأقل. لكن مصادر نقل عنها التقرير أشارت إلى أن الضربات أصابت مهاجع ومباني إقامة، ما أثار نقاشًا حول ما إذا كان الهدف هو إضعاف القدرة العسكرية للمنشأة أم زيادة الخسائر البشرية فيها.

وفي 23 يوليو/تموز، استهدفت صواريخ معبر شلامچه الحدودي بين إيران والعراق، في وقت كان فيه آلاف الزوار يستعدون للسفر إلى كربلاء لإحياء مراسم الأربعين. وأفادت روايات محلية نقلها التقرير بمقتل شخصين وإصابة 11 آخرين.

هل تتوافق الضربات مع القانون الدولي؟

أمام هذه الوقائع، يثير التقرير مسألة قانونية أساسية تتعلق بحماية الأعيان المدنية أثناء النزاعات المسلحة.

ونقل عن المحامي والباحث في القانون الدولي محمد حبيبي أن القانون الدولي الإنساني يفرض على أطراف النزاع التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، كما يشترط أن تكون الأضرار العرضية المتوقعة على المدنيين متناسبة مع الميزة العسكرية المرجوة.

وأشار إلى أن المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف تحظر استهداف الأشياء التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، بما في ذلك بعض مرافق المياه والطاقة.

ويسلط التقرير الضوء بذلك على حقيقة لا مبالاة الولايات المتحدة بالقانون الدولي في حروبها. ما يجعل إلزامها خصومها بالقانون الدولي وسيلة هيمنة لا عدالة.

حرب تستنزف مقومات الحياة

الصورة التي يرسمها التقرير تتجاوز الحديث عن عدد الصواريخ أو المنشآت العسكرية التي دُمرت. فحين تُضرب قوارب الصيد والجسور وشبكات الاتصالات والكهرباء والمرافق الطبية، يصبح أثر الحرب حاضرًا في تفاصيل حياة المدنيين: في مصدر الدخل، والتنقل، والعلاج، والمياه، والاتصال، وحتى القدرة على النوم بأمان.

وبحسب الروايات التي جمعها التقرير، فإن سكان جنوب إيران لا يواجهون فقط خطر القصف، بل تداعيات حرب تمتد إلى البنية التي تقوم عليها حياتهم اليومية.

وفي النهاية، يفتح ذلك سؤالًا أكبر من حجم الأضرار العسكرية: إذا كانت الحرب تستهدف إضعاف الخصم، فإلى أي مدى يمكن أن تمتد الضربات قبل أن تصبح كلفتها الأساسية واقعة على المجتمع المدني نفسه؟

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *