استنزاف متصاعد في حرب إيران.. حاملة طائرات أمريكية جديدة إلى الشرق الأوسط وخسائر كبيرة في مسيّرات «ريبر»

F A 18 Lincoln

في وقت تتزايد فيه مؤشرات الاستنزاف داخل القوات الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط، تستعد الولايات المتحدة لإرسال حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» إلى المنطقة لتحل محل حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»، التي أمضت أكثر من 250 يومًا في مهمة ممتدة بسبب الحرب مع إيران.

وتأتي عملية التبديل في وقت تتحدث فيه تقارير أمريكية عن ضغوط شديدة على طاقم لينكولن، بالتزامن مع خسائر عسكرية كبيرة تكبدتها واشنطن خلال الحرب، بينها فقدان ما لا يقل عن 45 طائرة مسيّرة من طراز MQ-9 Reaper، أي نحو ربع أسطولها من هذا النوع.

«لينكولن».. انتشار يتجاوز تسعة أشهر

كانت مهمة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» مقررة في الأصل أن تنتهي في مايو/أيار، لكن اندلاع الحرب مع إيران أدى إلى تمديد انتشارها.

وبحسب التقارير، أمضت الحاملة أكثر من 250 يومًا في البحر دون التوقف في ميناء منذ أكثر من 200 يوم، في ظل وجودها في بحر العرب ومشاركتها في العمليات الجوية ضد إيران، ثم في تنفيذ مهام مرتبطة بالحصار المفروض على الموانئ الإيرانية.

هذا الانتشار الطويل انعكس على أوضاع الطاقم.

فقد نقلت Military Times وStars and Stripes عن عائلات عسكريين مخاوف متزايدة بشأن الضغوط التي يتعرض لها البحارة ومشاة البحرية على متن الحاملة، مع ورود تقارير عن محاولات متعددة للقفز إلى البحر.

وأفادت CNN بأن أحد البحارة سقط بالفعل من السفينة في وقت سابق من أغسطس/آب، قبل أن يتم إنقاذه بعد نحو ساعة وإجلاؤه طبيًا من الحاملة.

نقص في الإمدادات ومشكلات داخلية

لم تتوقف الشكاوى عند الإرهاق الناجم عن طول الانتشار.

فقد وجه السيناتور الأمريكي ريتشارد بلومنتال رسالة إلى وزير الحرب بيت هيغسيث ووزير البحرية بالإنابة هونغ كاو، طالب فيها بتوضيحات حول ظروف أفراد الطاقم.

وتحدثت الرسالة عن تقارير بشأن نقص الإمدادات الأساسية، وتلوث المياه، ومشكلات في أنظمة السباكة، وتدهور الصحة النفسية، ومخاوف تتعلق بسلامة الأسطح، واضطرابات في نظام البريد، إضافة إلى فقدان طرود ترسلها عائلات العسكريين لأشهر أثناء نقلها إلى السفينة.

واعتبر بلومنتال أن هذه التقارير تستدعي تدخلًا فوريًا، لكنها تثير أيضًا سؤالًا أكبر حول قدرة البحرية الأمريكية على الحفاظ على هذا المستوى المرتفع من العمليات، في وقت تعتمد فيه واشنطن بصورة متزايدة على حاملات الطائرات لخوض عمليات عسكرية ممتدة.

«جورج واشنطن» في الطريق

في المقابل، بدأت «يو إس إس جورج واشنطن» ومجموعة الحاملة القتالية التابعة لها التحرك باتجاه الشرق الأوسط.

وبحسب USNI News، كانت المجموعة في مضيق ملقا في 13 أغسطس/آب، بعد عبورها مضيق سنغافورة، في طريقها غربًا نحو منطقة العمليات.

ويعني وصولها أن واشنطن لا تزال تحافظ على وجود قوي لحاملات الطائرات في المنطقة، رغم الضغوط التي كشف عنها الانتشار الطويل لـ«أبراهام لينكولن».

ربع أسطول «ريبر» يختفي في الحرب

image 57

وفي مؤشر آخر على حجم الاستنزاف، أفادت واشنطن بوست بأن الولايات المتحدة خسرت خلال الحرب مع إيران ما لا يقل عن 45 طائرة مسيرة من طراز MQ-9 Reaper، وهو ما يعادل نحو 25% من إجمالي أسطولها من هذا النوع.

وتستخدم واشنطن هذه الطائرات للاستطلاع وتنفيذ الضربات الجوية، وقد لعبت دورًا واسعًا في عملياتها العسكرية خلال العقود الماضية.

لكن الحرب مع إيران كشفت نقطة ضعف أساسية فيها: فاعليتها العالية في البيئات التي تفتقر إلى دفاعات جوية قوية لا تعني أنها مناسبة بالقدر نفسه لمواجهة خصم يمتلك منظومات دفاع جوي متطورة.

وخلال الحرب، فقدت الولايات المتحدة طائرات «ريبر» نتيجة إسقاطها أو استهدافها بصواريخ وطائرات مسيرة إيرانية، إضافة إلى حوادث تحطم مرتبطة بمشكلات في الاتصالات.

وتقدر تكلفة تصنيع أسطول «MQ-9» الذي خسرته واشنطن بما يصل إلى 2.25 مليار دولار وفق الحسابات الواردة في التقرير، إذا احتاجت الولايات المتحدة إلى استبدال 45 طائرة.

سلاح «لا يعرّض الجنود للخطر».. لكنه يتعرض للاستنزاف

المفارقة أن قائد القوات الجوية الأمريكية الجنرال كينيث ويلسباخ وصف طائرات «MQ-9» بأنها من أهم المنصات التي استخدمتها الولايات المتحدة في الحرب، مشيرًا إلى أنها نفذت عددًا كبيرًا من الضربات دون تعريض الطيارين للخطر.

لكن هذه الميزة لا تلغي تكلفة خسارتها.

فالطائرة التي لا تحمل طيارًا لا تعني أنها غير مكلفة، ولا أن فقدانها لا يؤثر على القدرة العملياتية. ومع خسارة عشرات الطائرات خلال حرب واحدة، تتزايد الضغوط على المخزون الأمريكي من المنصات والذخائر والمعدات.

ولا تزال طائرات «MQ-9» تحلق فوق مضيق هرمز، فيما أعلنت إيران في 3 أغسطس/آب إسقاط طائرة أمريكية أخرى من الطراز نفسه.

الاستنزاف يتجاوز الطائرات

تكشف التطورات المتزامنة أن المشكلة الأمريكية لا تتمثل في خسارة طائرات مسيرة فحسب.

فمن جهة، توجد حاملة طائرات قضى طاقمها أكثر من ثمانية أشهر في البحر، مع تقارير عن مشكلات في الإمدادات والصحة النفسية.

ومن جهة أخرى، تفقد واشنطن عشرات الطائرات المسيرة أمام دفاعات جوية إيرانية، بينما تستمر في نشر المزيد من القوات في المنطقة.

وفي الخلفية، تواصل الولايات المتحدة فرض حصار على الموانئ الإيرانية، فيما تبقى احتمالات استئناف الضربات الأمريكية على إيران قائمة.

وبذلك، تتحول الحرب إلى اختبار لقدرة واشنطن على الحفاظ على وتيرة عمليات عسكرية مرتفعة لفترة طويلة دون استنزاف مواردها البشرية والعسكرية.

فإرسال «جورج واشنطن» قد يضمن استمرار وجود حاملة طائرات أمريكية في الشرق الأوسط، لكنه لا يحل وحده مشكلة الإرهاق الذي أصاب أطقم السفن، ولا يعوض عشرات الطائرات المسيرة التي فقدتها الولايات المتحدة.

والسؤال الأوسع الذي تفرضه هذه التطورات هو: إلى أي مدى تستطيع الولايات المتحدة مواصلة حرب طويلة في بيئة عسكرية أكثر كلفة وخطورة، بينما تتآكل تدريجيًا مواردها البشرية ومخزونها من المنصات والذخائر؟

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *