نساء غزة في الخيام.. أرامل يواجهن الفقد وحوامل يواجهن خطر فقدان الأجنّة

IMG 8451 1786466926

في خيام النزوح بقطاع غزة، لا تنتهي آثار الحرب عند فقدان المنزل أو الزوج أو مصدر الدخل، بل تمتد إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية للنساء، من رعاية الأطفال وتأمين الطعام والماء، إلى الحمل والولادة في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات الرعاية الصحية والأمان.

منى المصري واحدة من آلاف النساء اللواتي أصبحن أرامل خلال الحرب. فقدت زوجها محمد في غارة إسرائيلية في سبتمبر/أيلول 2024، لتجد نفسها مسؤولة عن أربعة أطفال تتراوح أعمارهم بين عامين وتسعة أعوام.

داخل خيمة لا توفر حماية كافية من الحر أو الظروف القاسية، تبدأ منى يومها بمحاولة تأمين الماء والطعام وحماية أطفالها، بينما تحاول في الوقت نفسه التعامل مع فقدان زوجها والنزوح وانهيار الاستقرار الذي كانت تعرفه قبل الحرب.

تقول منى إن الحرب لم تسلبها منزلها وزوجها فقط، بل سلبتها أيضاً الشعور بالأمان، وجعلت أبسط احتياجات الحياة اليومية تتطلب جهداً هائلاً.

أكثر من 50 ألف أرملة

بحسب بيانات وزارة التنمية الاجتماعية في غزة، تجاوز عدد الأرامل في القطاع 50 ألف امرأة، من بينهن 28,224 امرأة فقدن أزواجهن نتيجة الحرب، إضافة إلى أكثر من 22,500 أرملة كن مسجلات لدى الوزارة قبل الحرب.

وتشير الوزارة إلى أن الرقم قد يكون أعلى، لأن جميع الأرامل لم يتم تسجيلهن بعد.

وتقول المتحدثة باسم الوزارة، عزيزة الكحلوت، إن هؤلاء النساء يواجهن مسؤولية إعالة أسرهن في ظل الدمار وانهيار الظروف الأساسية للحياة، مؤكدة أن احتياجاتهن لا تقتصر على المساعدات المالية.

فالأرامل بحاجة أيضاً إلى الرعاية الصحية والدعم النفسي والاجتماعي والمساعدة القانونية، خصوصاً في قضايا الوصاية والحضانة والحقوق المالية والميراث، إضافة إلى فرص العمل والتدريب المهني والمشاريع الصغيرة التي يمكن أن تساعدهن على إعالة أسرهن.

فقدان الزوج.. وفقدان الأمان

وتقول الأخصائية النفسية أسيل أبو شويش إن فقدان الزوج أثناء الحرب يمثل صدمة عميقة، خصوصاً عندما يتزامن مع النزوح وتدمير المنزل وفقدان الاستقرار.

وتجد كثير من النساء أنفسهن مضطرات إلى إخفاء حزنهن وانهيارهن أمام أطفالهن حتى يتمكنّ من الاستمرار في رعايتهم.

أما الأطفال، فيواجهون بدورهم آثار فقدان أحد الوالدين والنزوح والظروف المعيشية القاسية، وقد تظهر عليهم مشاعر الخوف المستمر واضطرابات النوم والتغيرات السلوكية.

لكن معاناة النساء في غزة لا تتوقف عند الأرامل؛ فالحرب جعلت الحمل نفسه تجربة محفوفة بالمخاطر.

آلاف حالات الإجهاض في ستة أشهر

بحسب بيانات وزارة الصحة في غزة التي أوردتها صحيفة فلسطين كرونيكل، سُجلت 3,958 حالة إجهاض بين يناير/كانون الثاني ويونيو/حزيران 2026، بمعدل بلغ 208.5 حالات لكل ألف ولادة حية.

ويمثل ذلك ارتفاعاً بنحو 3.3 مرات مقارنة بالنصف الثاني من عام 2025، حين بلغ المعدل 64 حالة لكل ألف ولادة حية.

وسجل شهر أبريل/نيسان أعلى معدل، بينما شهد يونيو/حزيران أكبر عدد إجمالي من الحالات، بواقع 790 حالة إجهاض.

وتشير البيانات إلى أن نحو 73.6% من حالات الإجهاض حدثت قبل الأسبوع الثالث عشر من الحمل، بينما وقعت 26.4% بين الأسبوعين 13 و24.

ولا تأتي هذه الأرقام في ظروف طبيعية؛ فالنساء الحوامل يواجهن نقص الغذاء وسوء التغذية وفقر الدم والحر الشديد والنزوح المتكرر، إلى جانب تراجع قدرة النظام الصحي على توفير خدمات رعاية الأمومة.

الحمل داخل الخيمة

بالنسبة للنساء الحوامل، لا تعني الخيمة مجرد مكان للنوم، بل أصبحت بيئة يتعين فيها القيام بكل شيء تقريباً.

هديل المدني، وهي في الشهر السابع من الحمل، تقضي جزءاً كبيراً من يومها في حمل المياه وغسل الملابس يدوياً وإعداد الطعام على النار ورعاية أسرتها، في خيمة تفتقر إلى الكهرباء والمياه الجارية.

وتقول إن الحياة للحوامل داخل الخيام صعبة للغاية، وإنها تخشى أن تؤثر الحرارة والظروف القاسية في صحة جنينها.

فالخيام غير المعزولة تحبس حرارة الصيف، بينما تتعرض الأدوية والطعام ومستلزمات الحياة للحشرات والقوارض والحرارة المرتفعة.

وتواجه دعاء النجار، وهي نازحة تقترب من موعد الولادة، مخاوف مشابهة، إذ تقول إن حرارة الخيمة تؤثر عليها بشدة، وإنها تخشى على حملها، فضلاً عن عدم قدرة الأسرة على توفير مستلزمات المولود الأساسية مثل الحفاضات والملابس والسرير المناسب.

نظام صحي ينهار

ويقول أطباء إن النزوح والفقر والجهد الجسدي الناتج عن محاولة البقاء على قيد الحياة يؤثرون بصورة مباشرة في صحة الأمهات والأجنة.

ويشير إياد أبو حصيرة، رئيس قسم النساء والولادة في مستشفى الحلو الدولي غربي مدينة غزة، إلى أن النساء الحوامل واجهن خلال الحرب النزوح المتكرر وتدمير المنازل وانهيار خدمات الرعاية الأولية، فضلاً عن اضطرارهن للعيش في خيام تفتقر إلى المياه والكهرباء.

وتزداد الأزمة تعقيداً مع استمرار تضرر المنشآت الطبية ونقص الأدوية والمستلزمات.

وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، كان نحو 44% فقط من نقاط الخدمات الصحية في غزة تعمل بحلول منتصف يوليو/تموز 2026، بينما تقول منظمة الصحة العالمية إن أياً من مستشفيات القطاع لا يعمل بكامل طاقته، وأن أكثر من نصف الأدوية الأساسية غير متوفرة.

وفي أوائل أغسطس/آب، أفادت التقارير بأن ضربات إسرائيلية دمرت مستودعين للأدوية والمستلزمات الطبية تابعين لمستشفى شهداء الأقصى في دير البلح وألحقت أضراراً بالغة بمستودعين آخرين.

المرأة تحمل عبء الحرب مرتين

تكشف هذه الوقائع أن النساء في غزة يواجهن الحرب بأشكال متعددة.

الأرملة تحمل مسؤولية أطفالها بعد فقدان الزوج، والحامل تخوض تجربة الحمل والولادة وسط النزوح ونقص الغذاء والرعاية الطبية، والأم تواجه في الوقت نفسه مهمة حماية أطفالها من الحر والجوع والمرض والخوف.

وهكذا تتحول الخيمة إلى صورة مكثفة للأزمة الإنسانية: أرملة تحاول إعالة أطفالها، وحامل تخشى على جنينها، وأم تبحث عن الماء والطعام والدواء، بينما تتقلص أمامها الخيارات يوماً بعد يوم.

ولا تتعلق هذه الأزمة بالمساعدات الطارئة وحدها، بل تحتاج إلى استعادة الخدمات الصحية، وتوفير الغذاء والمياه، ودعم النساء اقتصادياً ونفسياً وقانونياً، وتأمين بيئة أكثر أماناً للأمهات والأطفال.

فالحرب لا تقاس فقط بعدد القتلى والجرحى، وإنما أيضاً بما تتركه خلفها من أسر مفككة، وأرامل، وأطفال فقدوا آباءهم، ونساء يخضن الحمل والولادة في ظروف تهدد صحتهن وصحة أطفالهن.

وكالات

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *