صيادو اليمن في مرمى الحرب: البحر الأحمر يتحول إلى منطقة موت

1 3 1786461932

في مدينة المخا اليمنية، لم يعد البحر مصدر رزق للصيادين فحسب، بل أصبح مساحة محفوفة بالموت. فمع استمرار الحرب وتحول البحر الأحمر إلى ساحة للصراع العسكري، يواجه آلاف الصيادين مخاطر متزايدة تشمل القصف، والألغام البحرية، والاعتقال، والاختفاء.

الصياد مظهر، الذي يعيل أسرته من عمله في البحر، يقول إن الخروج للصيد أصبح مغامرة قد لا يعود منها. ويشير إلى مقتل اثنين من زملائه بعد إطلاق النار على قارب صيد في منطقة الخوخة، دون معرفة الجهة المسؤولة عن الحادث.

بحر لم يعد آمناً

لطالما كانت سواحل البحر الأحمر من أهم مناطق الصيد في اليمن، وكان قطاع الأسماك قبل الحرب ثاني أكبر مصدر لعائدات التصدير بعد النفط. لكن الحرب ألحقت أضراراً كبيرة بالقطاع، إذ تراجعت صادرات الأسماك من المنطقة بنحو 70% وفق دراسة تعود إلى عام 2018.

وتضاعفت المخاطر مع الأهمية الاستراتيجية للمنطقة، التي تضم ميناء الحديدة وقربها من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

ومع تصاعد المواجهات في البحر الأحمر منذ عام 2023، أصبحت حركة الصيادين مقيدة بمناطق محددة، بينما يُمنع كثير منهم من الوصول إلى مناطق الصيد والشعاب الاصطناعية التي أنشأوها بأنفسهم، بحجة الاعتبارات العسكرية.

الصيادون ضحايا جميع الأطراف

يقول صيادون إنهم يجدون أنفسهم عالقين بين أطراف الحرب، حيث فرضت جماعة الحوثيين والقوات الموالية للحكومة قيوداً على حركة القوارب في فترات مختلفة.

ويؤكد مظهر أن الصيادين لا علاقة لهم بالحرب، لكنهم يدفعون الثمن الأكبر، مشيراً إلى أن بعض زملائه تعرضوا للاعتقال بتهم تتعلق بالتهريب أو مساعدة أحد أطراف الصراع.

أما الخطر الأكثر فتكاً فيأتي من الألغام البحرية، التي جعلت الاقتراب من بعض المناطق الساحلية مخاطرة قاتلة.

ويروي الصياد أكرم أن لغماً انفجر العام الماضي تحت قارب كان يستقله اثنان من جيرانه قرب الخوخة، مؤكداً أن البحر الأحمر لم يعد آمناً للصيادين.

أكثر من 30 ألف صياد متضرر

وبحسب فؤاد دبلة، رئيس جمعية الصيادين في الخوخة، فإن أكثر من 30 ألف صياد تضرروا من الظروف الأمنية على الساحل، بينما فُقد 113 صياداً منذ عام 2023 دون أن تعرف عائلاتهم مصيرهم.

كما يقول دبلة إن الألغام البحرية تسببت في مقتل 264 صياداً وإصابة 215 آخرين، ما دفع أعداداً متزايدة إلى التخلي عن المهنة والبحث عن مصادر دخل بديلة.

وهكذا، لم تعد الحرب تهدد حياة الصيادين فقط، بل تهدد أيضاً مصدر رزق آلاف الأسر التي تعتمد على البحر في معيشتها.

الهروب من البحر بحثاً عن الأمان

أمام هذه المخاطر، بدأ بعض الصيادين يتركون مهنتهم التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم.

ومن بينهم إسماعيل، 48 عاماً، الذي تخلى العام الماضي عن الصيد بعد أكثر من عقدين من العمل فيه. باع معدات الصيد التي جمعها طوال سنوات، واستخدم المال لشراء حافلة صغيرة يعمل عليها الآن.

بالنسبة لإسماعيل، أصبح الأمان أهم من أي دخل يمكن أن يوفره البحر، خصوصاً بعدما تحولت رحلات الصيد الطويلة إلى مصدر دائم للقلق بالنسبة لزوجته وأطفاله الخمسة.

لكن بالنسبة إلى مظهر، لا يزال ترك البحر خياراً بعيداً، إذ لا يملك حتى الآن مصدراً آخر للرزق.

«فكرت أكثر من مرة في ترك هذه المهنة الخطرة، لكن لا بديل لدي»، يقول مظهر، مؤكداً أنه لن يتردد في مغادرة البحر بمجرد العثور على عمل أكثر أمناً.

حرب تُغرق البحر قبل أن تُغرق الشاطئ

قصة صيادي البحر الأحمر تكشف جانباً غالباً ما يختفي خلف عناوين الصواريخ والسفن العسكرية والهجمات المتبادلة. فحين يتحول البحر إلى ساحة حرب، لا يتضرر المقاتلون وحدهم؛ بل تصل تداعيات الصراع إلى الصياد الذي يبحث عن قوت أسرته.

وفي اليمن، أصبح البحر الذي كان مصدر الحياة بالنسبة لآلاف الأسر مصدراً للخوف، فيما تدفع الألغام والقيود العسكرية والاضطرابات الأمنية الصيادين تدريجياً إلى ترك مهنتهم.

إنها مفارقة قاسية: بلد يملك واحداً من أغنى السواحل البحرية في المنطقة، لكن الحرب تدفع أبناءه إلى الهروب من البحر بدلاً من الاعتماد عليه.

وما لم تهدأ المواجهات وتُرفع القيود وتُزال مخاطر الألغام، فإن الخسارة لن تكون في أرواح الصيادين وحدها، بل في قطاع اقتصادي كامل ومصدر رزق لعشرات الآلاف من اليمنيين.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *