منذ وصول حزب بهاراتيا جاناتا (BJP) إلى السلطة في الهند عام 2014 بقيادة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، تصاعد الجدل حول وضع المسلمين، أكبر أقلية دينية في البلاد، ومستقبل التعددية الدينية والسياسية في الدولة الهندية.
ويعرض الكاتب سيد خليق أحمد، رئيس تحرير موقع India Tomorrow، في مقال له، رؤية نقدية تعتبر أن المسلمين يواجهون اليوم تحديات تتجاوز أعمال العنف الطائفي التقليدية، وتمتد إلى قضايا سياسية وقانونية ودستورية، من بينها هدم بعض المنشآت الدينية والتعليمية، والاعتداءات التي تستهدف المسلمين، والنزاع حول بعض المساجد التاريخية، إضافة إلى المخاوف المتعلقة بالتمثيل السياسي والحقوق الانتخابية.
من اضطرابات الستينيات إلى مرحلة مودي
يستعيد المقال تجربة المسلمين في الهند خلال الستينيات، عندما شهدت مناطق مختلفة موجات من أعمال العنف الطائفي. وفي تلك المرحلة، اجتمعت شخصيات سياسية ودينية وفكرية مسلمة في مدينة لكناو عام 1964، وأسست مجلس المشاورة الإسلامية لعموم الهند (AIMMM) بهدف توحيد الجهود وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للمجتمع المسلم.
ويرى الكاتب أن الاختلاف الأساسي بين تلك المرحلة والمرحلة الحالية يكمن، من وجهة نظره، في أن العنف الطائفي في الستينيات كان مرتبطاً غالباً بأحداث وأسباب محلية محددة، بينما يعتقد أن التحديات الراهنة مرتبطة بمناخ أيديولوجي وسياسي أوسع.
وهذه النقطة تمثل جوهر المقال: فالمسألة، وفق طرح الكاتب، لم تعد مقتصرة على وقوع أعمال شغب متفرقة، وإنما أصبحت مرتبطة بكيفية تعامل مؤسسات الدولة والقوانين والسياسات العامة مع المسلمين.
هدم المساجد والمؤسسات الإسلامية
يضع المقال قضية هدم المساجد والمدارس الدينية والمؤسسات التي يديرها المسلمون في مقدمة المخاوف.
ويشير الكاتب إلى عمليات هدم أو إغلاق طالت منشآت إسلامية في عدد من الولايات، بحجة مخالفة قوانين البناء أو إقامة المنشآت على أراضٍ حكومية، كما يربط ذلك بالجدل المستمر حول عدد من المساجد التاريخية.
ومن أبرز الملفات التي يذكرها المقال مسجد بابري في أيوديا، الذي ظل لعقود محور نزاع بين المسلمين والهندوس، قبل أن يصدر القضاء الهندي عام 2019 حكماً بمنح الموقع لبناء معبد هندوسي مع تخصيص أرض بديلة للمسلمين لبناء مسجد.
كما يشير إلى النزاعات القضائية حول مسجد جيانفابي في فاراناسي ومسجد شاهي عيدغاه في ماثورا، معتبراً أن هذه القضايا تثير مخاوف بشأن مستقبل أماكن العبادة الإسلامية التاريخية.
وتكتسب هذه الملفات حساسية خاصة بسبب قانون أماكن العبادة لعام 1991، الذي وضع قاعدة عامة للحفاظ على الطابع الديني لأماكن العبادة كما كان في 15 أغسطس/آب 1947، مع استثناء قضية أيوديا.
العنف الأهلي وخطاب الكراهية
يتناول الكاتب كذلك ظاهرة الاعتداءات الجماعية على المسلمين، خصوصاً ما يعرف بعمليات القتل على أيدي مجموعات من الغوغاء، والتي ارتبط بعضها باتهامات تتعلق بتجارة لحوم الأبقار أو تهريبها.
ويرى المقال أن هذه الاعتداءات ساهمت في خلق حالة من الخوف بين المسلمين، خصوصاً عندما يشعر الضحايا أو عائلاتهم بأن إجراءات العدالة لا تكون متساوية دائماً.
المؤسسات التعليمية تحت الضغط
يمتد الجدل أيضاً إلى مؤسسات تعليمية يديرها مسلمون، حيث يستعرض الكاتب عدداً من الجامعات والمعاهد التي واجهت تحقيقات أو قضايا تتعلق بالتمويل أو الأراضي أو المخالفات التنظيمية.
ويرى أن المشكلة لا تكمن في تطبيق القانون بحد ذاته، وإنما في ما يعتبره تفاوتاً في مستوى التدقيق والإجراءات العقابية بين المؤسسات التي يديرها المسلمون وغيرها.
الحقوق السياسية والتمثيل
يشير المقال أيضاً إلى تراجع التمثيل السياسي للمسلمين، وإلى مخاوف من أن تؤدي بعض الإجراءات المتعلقة بالانتخابات وسجلات الناخبين إلى التأثير بصورة أكبر على الناخبين المسلمين.
كما يربط الكاتب ذلك بضعف التمثيل المسلم في مؤسسات الحكم، معتبراً أن غياب المسلمين عن مواقع سياسية مهمة يعكس أزمة أوسع في المشاركة السياسية.
ويطرح المقال هنا سؤالاً يتجاوز المسلمين أنفسهم: هل تستطيع الديمقراطية الهندية الحفاظ على تمثيل سياسي متوازن في ظل التراجع المستمر لمشاركة بعض الأقليات؟
اجتماع نيودلهي ومحاولة صياغة موقف موحد
وفي مواجهة هذه التطورات، يشير الكاتب إلى اجتماع عقد في نيودلهي في 24 يوليو/تموز 2026، ضم شخصيات سياسية ودينية وقانونية وأكاديمية مسلمة من مناطق مختلفة في الهند.
الاجتماع، الذي عقد تحت مظلة Indian Muslims for Civil Rights (IMCR)، ناقش ما وصفه المشاركون بتراجع الحقوق الدستورية للمسلمين، وانتهى إلى إصدار ثمانية قرارات حملت اسم «إعلان نيودلهي لتأكيد حقوق المسلمين في الهند».
كما جرى تشكيل لجنة تضم 51 عضواً لمتابعة هذه القضايا ورفع المطالب والشكاوى إلى رئيسة الهند ورئيس المحكمة العليا.
واللافت أن المشاركين، بحسب المقال، لا يطرحون خيار المواجهة أو العنف، بل يدعون إلى استخدام الوسائل الدستورية والقانونية والسياسية للدفاع عن الحقوق.
بين «الهند المتقدمة» والتعددية
يصل المقال في نهايته إلى سؤال سياسي واقتصادي أوسع يتعلق برؤية حكومة مودي لـ «الهند المتقدمة» (Viksit Bharat).
ويرى الكاتب أن التنمية الاقتصادية وحدها لا تكفي لتحقيق هذا الهدف، وأن بناء دولة متقدمة يتطلب أيضاً ضمان المساواة السياسية والاجتماعية لجميع المواطنين.
ومن هذا المنظور، فإن إقصاء أي شريحة من المجتمع أو إشعارها بأنها مواطن من الدرجة الثانية يمكن أن يتحول إلى عقبة أمام بناء مجتمع مستقر ومتلاحم.
ولا يطرح هذا الجدل قضية المسلمين وحدهم، بل يعيد فتح السؤال الأوسع حول طبيعة الدولة الهندية: هل ستظل التعددية الدينية والمساواة الدستورية أساساً للنظام السياسي، أم ستزداد هيمنة الاعتبارات القومية والدينية على المجال العام؟
الخلاصة
يقدم المقال صورة قاتمة لوضع المسلمين في الهند خلال أكثر من عقد من حكم حزب بهاراتيا جاناتا، ويرى أن التحديات لم تعد محصورة في أعمال العنف الطائفي، بل أصبحت مرتبطة ــ بحسب الكاتب ــ بالسياسة والقانون والتعليم وأماكن العبادة والتمثيل السياسي.
تبقى القضية الأساسية التي يطرحها المقال ذات أهمية: كيف يمكن للهند، بوصفها دولة متعددة الأديان والثقافات، أن تحقق التنمية والاستقرار مع الحفاظ على مبدأ المساواة أمام القانون وحماية حقوق الأقليات؟
فنجاح مشروع «الهند المتقدمة» لا يقاس فقط بالنمو الاقتصادي أو القوة الجيوسياسية، وإنما أيضاً بقدرة الدولة على ضمان شعور جميع مواطنيها، بمن فيهم المسلمون، بأنهم متساوون في الحقوق والكرامة أمام القانون.





اترك تعليقاً