لم يعد اضطهاد المسلمين في الهند قضية داخلية محضة، إذ بدأت تداعياتها تظهر في الجوار، ولا سيما في نيبال، التي تواجه بدورها حساسيات دينية وسياسية يمكن أن تجعلها عرضة لتأثيرات الاستقطاب القادم من الهند.
وبحسب تحليل نشرته مجلة The Diplomat في أغسطس/آب 2026، فإن توسع نشاط راشتريا سوايامسيفاك سانغ (RSS)، وهي منظمة هندوسية قومية هندية ذات نفوذ واسع، داخل الأراضي النيبالية يثير مخاوف من انتقال أنماط التوتر بين الهندوس والمسلمين إلى الدولة المجاورة.
من الهند إلى نيبال
تستند أهمية المسألة إلى طبيعة العلاقة بين الهند ونيبال؛ فالحدود الطويلة والمفتوحة نسبيًا، والتداخل السكاني والثقافي والديني، تجعل انتقال الأفكار والتيارات السياسية والاجتماعية بين البلدين أمرًا أكثر سهولة.
وفي هذا السياق، يرى تحليل The Diplomat أن تنامي حضور RSS في نيبال لا ينبغي النظر إليه باعتباره نشاطًا تنظيميًا منفصلًا عن التحولات التي تشهدها الهند، بل باعتباره جزءًا من ظاهرة أوسع تتمثل في انتشار الخطاب القومي الهندوسي خارج الحدود الهندية.
وتزداد حساسية الأمر في بلد مثل نيبال، الذي كان حتى عام 2008 مملكة هندوسية، قبل أن يتحول إلى جمهورية علمانية. وبالتالي فإن الدين لا يزال يحتل موقعًا مهمًا في المجال العام، فيما تتداخل الهوية الدينية مع النقاشات المتعلقة بالدولة والقومية والسيادة.
الهندوسية السياسية تعبر الحدود

تتمثل القضية الأساسية في أن اضطهاد المسلمين لا ينتقل بالضرورة عبر أحداث عنيفة فقط، وإنما يمكن أن ينتشر أيضًا من خلال الأفكار والخطابات والشبكات التنظيمية.
فالاستقطاب الذي يبدأ بخطاب سياسي حول الهوية الدينية يمكن أن يتحول إلى توترات اجتماعية، خصوصًا عندما تُقدَّم جماعة دينية باعتبارها تهديدًا للهوية الوطنية أو الثقافية.
وهنا تكمن خطورة انتقال هذا النوع من الخطاب إلى نيبال؛ إذ قد تتحول المنافسة السياسية الداخلية إلى صراع حول تعريف هوية الدولة نفسها: هل تبقى نيبال دولة علمانية متعددة الأديان، أم تعود إلى نموذج الدولة ذات الهوية الهندوسية؟
السياق الهندي
لا يمكن فصل هذه التطورات عن صعود القومية الهندوسية في الهند خلال السنوات الماضية، حيث أصبحت قضايا الهوية الدينية أكثر حضورًا في السياسة والمجال العام.
وتشير تقارير وتحليلات مختلفة إلى تصاعد التوترات المرتبطة بالعلاقة بين الأغلبية الهندوسية والأقلية المسلمة، مع بروز قضايا تتعلق بخطاب الكراهية والاستقطاب السياسي والعنف المجتمعي. وقد أصبحت هذه الملفات جزءًا من نقاش أوسع حول مستقبل العلمانية والتعددية في الهند.
وتبرز هنا أهمية RSS، التي تمثل إحدى المؤسسات الرئيسية في منظومة القومية الهندوسية، إلى جانب شبكة واسعة من المنظمات والحركات المرتبطة بهذا التيار.
لكن انتقال هذا النموذج إلى نيبال قد يُحدث نتائج مختلفة؛ لأن البيئة السياسية والاجتماعية النيبالية لها خصوصيتها، كما أن المجتمع النيبالي لا يتطابق دينيًا أو سياسيًا مع المجتمع الهندي.
نيبال أمام اختبار جديد
المخاوف لا تتعلق فقط بالعلاقة بين الهندوس والمسلمين، وإنما أيضًا بإمكانية توظيف الدين في المنافسة السياسية الداخلية.
فإذا أصبح الانتماء الديني أداة لحشد الناخبين أو بناء الهوية السياسية، فقد يتسع الاستقطاب ليشمل قضايا أخرى، من شكل الدولة إلى حقوق الأقليات وطبيعة العلاقة مع الهند.
كما أن أي تصعيد طائفي في المناطق الحدودية يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز الحدود، خصوصًا في ظل الروابط الاجتماعية والاقتصادية الممتدة بين سكان جانبي الحدود.
ومن هنا، فإن القضية لا تتعلق فقط بما يحدث داخل نيبال، بل أيضًا بمدى قدرة الدولة النيبالية على منع استيراد الاستقطاب الديني والسياسي من محيطها الإقليمي.
أبعد من حادثة عابرة
تكمن أهمية التطورات التي يناقشها تقرير The Diplomat في أنها تطرح سؤالًا أكبر: هل يمكن أن تتحول القومية الدينية في جنوب آسيا إلى ظاهرة عابرة للحدود؟
إذا كان انتقال الأفكار السياسية والتنظيمية قد أصبح أسهل بفضل شبكات التواصل الاجتماعي والحركة السكانية والعلاقات الثقافية، فإن التوترات الطائفية يمكن أن تنتقل بالطريقة نفسها.
وهذا يجعل ما يحدث في نيبال جديرًا بالمراقبة، لا باعتباره امتدادًا آليًا لما يجري في الهند، وإنما باعتباره اختبارًا لقدرة دولة مجاورة على حماية توازنها الديني والسياسي من تأثيرات الاستقطاب الإقليمي.
في النهاية، فإن الخطر الأكبر لا يكمن في اختلاف الهندوس والمسلمين بحد ذاته، بل في تحويل الاختلاف الديني إلى مشروع سياسي قائم على الاستقطاب والإقصاء. وإذا نجحت مثل هذه الخطابات في عبور الحدود، فقد تصبح التوترات قضية إقليمية تتجاوز الهند، لتطال واحدة من أكثر دول جنوب آسيا حساسية تجاه مسألة الهوية والسيادة والعلاقة مع الجار الأكبر.





اترك تعليقاً