في الوقت الذي تفرض فيه السلطات الصينية قيودًا شديدة على الوصول المستقل إلى شينجيانغ أو ما يعرف تاريخيا بتركستان الشرقية، تحاول بكين تقديم صورة مختلفة تمامًا عن الإقليم من خلال الفعاليات الثقافية والمعارض الدولية. ويبرز «أسبوع شينجيانغ» الذي نظمته الصين ضمن فعاليات إكسبو أوساكا 2025 في اليابان، بوصفه مثالًا على توظيف الثقافة والفنون في تقديم رواية رسمية عن الإقليم.
ويشير الصحفي نيثين كوكّا، في مقال له نشره على موقع mekongreview، إلى أن شينجيانغ مغلقة أمام وسائل الإعلام المستقلة ومنظمات المجتمع المدني، وأن الزيارات التي تسمح بها السلطات الصينية للصحفيين تكون خاضعة لإشراف الدولة. ووفق ما نقله عن صحفيين زملاء، فإن الزائر في مثل هذه الجولات الرسمية سيجد حضورًا متكررًا للراقصين الأويغور، في محاولة لإظهار أن الحياة في الإقليم تسير بصورة طبيعية.
لكن المفارقة، بحسب الكاتب، أن هذا العرض المصمم لإثبات «الطبيعية» قد يثير مزيدًا من التساؤلات بدلًا من تبديدها.
شينجيانغ على منصة إكسبو أوساكا

خلال الصيف الماضي، نقلت الصين جزءًا من روايتها عن شينجيانغ إلى اليابان من خلال «أسبوع شينجيانغ» الذي أقيم في الجناح الصيني ضمن المعرض العالمي في أوساكا، باعتباره واحدًا من الأسابيع المخصصة لموضوعات الأقاليم والمقاطعات الصينية.
وكان الكاتب قد حضر فعالية سابقة في الجناح الصيني، وأدرج اسمه ضمن قائمة الصحفيين المدعوين إلى «أسبوع شينجيانغ»، ليجد نفسه، وفق روايته، الصحفي غير الصيني الوحيد الموجود في الفعالية.
وقبل الحضور، تلقى تفاصيل عن البرنامج الذي لم يقتصر على عرض التكنولوجيا والشركات القادمة من شينجيانغ، بل تضمن أيضًا معرضًا للفنون والحرف اليدوية وعروضًا راقصة من الإقليم، مع تقديم الرقص باعتباره أحد مظاهر الثقافة التي يشتهر بها سكان المنطقة.
الثقافة في مواجهة الأسئلة الحقوقية
تكمن أهمية الفعالية في أنها لا تقدم شينجيانغ باعتبارها منطقة مرتبطة بالجدل السياسي والحقوقي، وإنما باعتبارها مساحة للثقافة والفنون والتكنولوجيا والتنمية.
وهذه الصورة تتوافق مع الرواية الرسمية الصينية التي تسعى إلى التركيز على التنوع الثقافي والحياة اليومية والتنمية الاقتصادية، في مقابل الانتقادات الدولية المتعلقة بأوضاع الأويغور وغيرهم من المسلمين في الإقليم.
لكن غياب وسائل الإعلام المستقلة ومنظمات المجتمع المدني عن الإقليم، بحسب الكاتب، يجعل من الصعب على الصحفيين والباحثين التحقق بصورة مستقلة من الصورة التي تقدمها السلطات الصينية.
وهنا تصبح الفعاليات الخارجية، مثل «أسبوع شينجيانغ»، وسيلة مهمة لبكين للوصول إلى الجمهور الدولي من خلال رواية منتقاة بعناية، تستطيع فيها تحديد الموضوعات التي تريد إبرازها، من الثقافة والفنون إلى التكنولوجيا والاستثمار.
صحفي واحد خارج الرواية الرسمية
يقدم الكاتب تجربته في الفعالية باعتبارها نموذجًا لهذه البيئة المغلقة. فقد كان، وفق روايته، الصحفي الوحيد من خارج الصين بين الحاضرين، وهو ما جعل مشاركته مختلفة عن الزيارات الإعلامية الجماعية التي تنظمها السلطات.
كما اصطحب معه طالبًا صينيًا أمريكيًا كان يعمل معه، معتقدًا أن معرفته باللغة الصينية قد تساعدهما على فهم تفاصيل الحدث بصورة أفضل. ويقول إن ذلك أصبح أمرًا ضروريًا بالفعل، بعدما تبين أن عددًا من العاملين في الجناح لم يكونوا يتحدثون الإنجليزية أو اليابانية.
هذه التفاصيل الصغيرة تكشف جانبًا مهمًا من طبيعة الفعاليات الدولية التي تستضيفها المؤسسات الرسمية: الحدث يبدو مفتوحًا أمام الجمهور والصحافة، لكن القدرة على طرح الأسئلة والوصول إلى المعلومات قد تبقى محدودة بسبب اللغة وطبيعة التنظيم والجهة المشرفة.
لماذا الرقص حاضر بقوة؟
لا تكمن القضية في الرقص نفسه أو في تقديم الثقافة الأويغورية، فالفنون جزء مألوف من أي معرض ثقافي. وإنما تكمن الإشكالية، في السياق الذي تُعرض فيه هذه الثقافة.
فعندما يكون الإقليم موضوعًا لانتقادات دولية واسعة بشأن حقوق الإنسان، يصبح تقديم صور الفرح والرقص والحياة الطبيعية جزءًا من محاولة أوسع لإعادة تشكيل الانطباع الخارجي عنه.
وهكذا تتحول الثقافة من كونها تعبيرًا عن مجتمع له تاريخه وهويته، إلى عنصر في رواية سياسية تهدف إلى طمأنة الجمهور الخارجي بأن كل شيء طبيعي.
والمفارقة التي يطرحها الكاتب أن تكرار هذه الصورة قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة؛ إذ إن العرض المفرط للحياة الاحتفالية، في ظل صعوبة الوصول المستقل إلى شينجيانغ، قد يدفع الصحفي إلى التساؤل عمّا لا يظهر أمام الكاميرات.
بين الصورة المعروضة والواقع غير المرئي
تكشف تجربة «أسبوع شينجيانغ» عن واحدة من أهم أدوات القوة الناعمة في العصر الحديث: استخدام الثقافة لتقديم رواية سياسية من دون الدخول مباشرة في السجالات السياسية.
فبدلًا من الحديث عن الاعتقالات أو القيود أو الاتهامات المتعلقة بحقوق الإنسان، يمكن أن تتصدر المنصة الأزياء التقليدية والحرف اليدوية والرقص والتكنولوجيا والشركات.
لكن الصورة الثقافية، مهما كانت حقيقية في جانب منها، لا تجيب وحدها عن الأسئلة المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات والوصول المستقل إلى المعلومات.
ومن هنا، فإن التعامل مع مثل هذه الفعاليات يحتاج إلى قدر من التمييز، فلا ينبغي اعتبار العرض الثقافي دليلًا كافيًا على طبيعة الحياة السياسية والحقوقية في شينجيانغ.
فالاختبار الحقيقي لأي رواية عن منطقة مثيرة للجدل هو قدرة الصحفيين والباحثين المستقلين على الوصول إليها، والتحقق من المعلومات، والحديث بحرية مع السكان، ومقارنة الرواية الرسمية بشهادات ومصادر متعددة.
شينجيانغ.. ما وراء الرقص الشعبي
قد تكون صور الراقصين الأويغور ترسم صورة الاستقرار والأمان، وقد تكون الحرف والفنون المعروضة جزءًا أصيلًا من ثقافة المنطقة، لكن الصورة الجميلة لا تكفي وحدها لكتابة قصة كاملة.
فحين تُعرض منطقة مغلقة أمام الإعلام المستقل في منصة دولية مفتوحة، يصبح السؤال ليس فقط: ماذا تريد الصين أن نرى؟، وإنما أيضًا: ماذا لا نستطيع أن نراه؟
وهنا تكمن أهمية تجربة الصحفي في «أسبوع شينجيانغ»: إنها تذكر بأن المعارض الدولية ليست مجرد ساحات للثقافة والتجارة، بل يمكن أن تصبح أيضًا منصات تتنافس فيها الدول على صياغة الصورة التي يريد العالم أن يراها عنها.






اترك تعليقاً