تواجه الأقلية الروهينجية في ولاية أراكان (راخين) غربي ميانمار موجة جديدة من المخاوف الأمنية والحقوقية، في ظل إفادات عن توقيفات تعسفية واحتجازات سرية وعمليات ابتزاز مالي تنسبها مصادر محلية إلى قوات وأجهزة أمنية تابعة للمجلس العسكري الحاكم.
وبحسب إفادات سكان في بلدة سيتوي، فإن الشرطة والجيش وأجهزة الاستخبارات وقوات أمن الحدود أوقفوا أفرادًا من الروهينجا دون توضيحات كافية أو توجيه اتهامات رسمية. وقالت عائلات إن بعض المحتجزين نُقلوا إلى منشآت عسكرية أو تابعة للاستخبارات بدلًا من مراكز الشرطة المعتادة، الأمر الذي ترك أسرهم في حالة من عدم اليقين بشأن أماكن وجودهم ووضعهم القانوني.
احتجاز بلا معلومات
وتقول أسر روهينجية إن عمليات التوقيف لا تترافق في بعض الحالات مع معلومات واضحة حول أسباب الاحتجاز أو إمكانية الاستعانة بمحامٍ، ما يزيد من صعوبة متابعة أوضاع المعتقلين وطلب الحماية القانونية لهم.
وتشير الإفادات إلى أن بعض الأشخاص أوقفوا بعدما قيل إن أسماءهم تطابقت مع أسماء مدرجة على قوائم المراقبة الأمنية، رغم عدم وجود صلات مؤكدة بينهم وبين أنشطة إجرامية.
ويثير هذا النمط من التوقيف مخاوف خاصة لدى مجتمع يعيش أصلًا في ظروف أمنية وقانونية هشة، إذ يمكن أن يتحول مجرد الاشتباه أو تشابه الأسماء إلى سبب للاحتجاز دون أن تتاح للشخص فرصة كافية لمعرفة التهمة الموجهة إليه أو الدفاع عن نفسه.
المال مقابل الحرية
وتتضمن الاتهامات الأكثر خطورة التي أوردها سكان محليون، مطالبة بعض المسؤولين بمبالغ مالية مقابل الإفراج عن أقارب محتجزين.
وقالت عائلات إن بعض الاعتقالات ارتبطت باتهامات تتعلق بالاتجار بالبشر أو التعاون مع جيش أراكان، لكنها أكدت أن هذه الاتهامات لم تكن مدعومة، في الحالات التي تحدثت عنها، بأدلة كافية أو إجراءات قانونية واضحة.
وإذا ثبتت هذه الممارسات، فإنها لا تعني فقط انتهاك ضمانات الاحتجاز القانونية، بل تضع الأسر أمام ضغوط إضافية، إذ تصبح العائلات مطالبة بالبحث عن أقاربها المحتجزين، ومعرفة مكان وجودهم، ومحاولة تأمين إطلاق سراحهم، في بيئة تفتقر إلى الشفافية والمساءلة.
أزمة أقدم من الاعتقالات
ولا تأتي هذه التطورات بمعزل عن الظروف التي يعيشها الروهينجا منذ سنوات. فقد واجهت الأقلية المسلمة في ميانمار قيودًا على الحركة والتعليم والرعاية الصحية والعمل، إلى جانب مخاوف متكررة بشأن التمييز وصعوبة الوصول إلى العدالة والحماية القانونية.
وتزداد هشاشة الوضع في أراكان مع استمرار الصراع المسلح بين المجلس العسكري وجماعات مسلحة، الأمر الذي يجعل المدنيين، ومن بينهم الروهينجا، عالقين بين متطلبات الأمن والعمليات العسكرية من جهة، وغياب الحماية القانونية الكافية من جهة أخرى.
وفي ظل استمرار سيطرة المجلس العسكري على أجزاء من ولاية راخين منذ انقلاب 2021، تظل المخاوف بشأن أوضاع الروهينجا مرتبطة ليس فقط بالعمليات العسكرية، وإنما أيضًا بمستوى الحقوق المدنية والقانونية المتاحة لهم.
الروهينجا أمام دائرة جديدة من الخوف
تكشف الإفادات الأخيرة عن جانب آخر من معاناة الروهينجا لا يقتصر على العنف المباشر؛ فالاحتجاز دون تهمة واضحة، ونقل المعتقلين إلى مواقع غير معلومة، وحرمان الأسر من المعلومات والمساعدة القانونية، كلها عوامل يمكن أن تخلق بيئة من الخوف وعدم الأمان داخل المجتمع.
وتحتاج هذه الادعاءات إلى تحقيق مستقل وشفاف لتحديد المسؤوليات والتحقق من حجم الانتهاكات، خصوصًا أن المعلومات المتاحة تعتمد في الوقت الراهن على إفادات سكان وعائلات متضررة.
لكن المؤكد أن استمرار القيود على الحركة والتعليم والعمل والرعاية الصحية، إلى جانب ضعف الوصول إلى العدالة، يجعل المجتمع الروهينجي أكثر عرضة لتداعيات الصراع الدائر في أراكان.
وفي بلد أنهكته الحرب والانقسامات، تبدو حماية المدنيين وضمان حقهم في معرفة أسباب احتجازهم، والوصول إلى محامين، ومعرفة أماكن ذويهم، وعدم تحويل الإفراج عن المحتجزين إلى عملية ابتزاز مالي، من أبسط الضمانات التي ينبغي توفيرها بعيدًا عن الانتماء العرقي أو الديني.






اترك تعليقاً