يعود الساحل الأفريقي إلى واجهة الحسابات الأمنية الأميركية، مع بحث إدارة الرئيس دونالد ترامب خيارات عسكرية محتملة لمواجهة تصاعد نشاط الجماعات الجهادية المرتبطة بتنظيم القاعدة، في وقت تبدو فيه دول المنطقة عاجزة عن وقف تمدد المسلحين، بينما تتسع تداعيات الأزمة إلى أجزاء أخرى من غرب أفريقيا.
وتأتي هذه التطورات في لحظة أمنية شديدة التعقيد؛ إذ تشير المعطيات الأخيرة إلى أن الجماعات الجهادية لم تعد محصورة في مناطقها التقليدية داخل مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وإنما بات خطرها يمتد باتجاه الدول الساحلية في غرب أفريقيا. وفي هذا السياق، تبدو واشنطن أمام سؤال صعب بشأن جدوى العودة إلى التدخل العسكري المباشر في منطقة شهدت خلال السنوات الماضية تراجعًا ملحوظًا للنفوذ الغربي، وصعود قوى أخرى تسعى إلى ملء الفراغ.
مالي في قلب الحسابات الأميركية
تأتي مالي في مركز النقاش الأميركي، بعدما أظهرت إدارة ترامب استعدادًا للنظر في خيارات عسكرية ضد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) المرتبطة بتنظيم القاعدة.
وكانت تقارير سابقة قد كشفت عن دراسة واشنطن إمكانية تنفيذ عمل عسكري ضد الجماعة داخل مالي، مع وجود انقسام داخل الإدارة الأميركية بشأن جدوى توجيه ضربات من هذا النوع.
وتصنف الولايات المتحدة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين منظمة إرهابية أجنبية منذ عام 2018، وهي واحدة من أبرز الجماعات المسلحة الناشطة في منطقة الساحل.
لكن اتخاذ قرار بالتدخل العسكري في مالي لا يبدو مسألة سهلة؛ فالدولة نفسها شهدت انقلابين عسكريين، كما تدهورت علاقاتها مع عدد من القوى الغربية، بينما اتجهت السلطة العسكرية في باماكو إلى إعادة ترتيب شراكاتها الأمنية بعيدًا عن النموذج الغربي.
وهكذا، فإن أي تحرك أميركي جديد لن يجري في بيئة سياسية مواتية لواشنطن، بل في بلد أصبحت فيه العلاقة مع الولايات المتحدة والغرب أكثر تعقيدًا من السنوات السابقة.
أزمة أمنية تتجاوز حدود الساحل
تكمن خطورة الوضع في أن تمدد الجماعات المسلحة لم يعد مشكلة تخص دول الساحل وحدها.
فبحسب المعطيات التي تطرحها التقارير الغربية بهذا الشأن، تواجه دول الساحل والدول الساحلية في غرب أفريقيا معًا أزمة أمنية متفاقمة، مع عجز متزايد عن وقف تقدم الجماعات المسلحة أو حتى احتوائه.
وهذا يعني أن الخطر لم يعد محصورًا في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، بل أصبح يضغط باتجاه دول مثل بنين وتوغو وساحل العاج وغانا، بما يهدد بتحويل الأزمة من تمردات مسلحة محلية إلى أزمة إقليمية أوسع.
ويمنح هذا الانتشار الجماعات المسلحة قدرة أكبر على استغلال الحدود الواسعة والمناطق النائية وضعف حضور الدولة في بعض المناطق، بينما تصبح الحدود السياسية بين الدول أقل أهمية أمام حركة الجماعات وشبكاتها.
واشنطن أمام معادلة مختلفة
عودة الخيار العسكري الأميركي إلى النقاش تأتي بعد سنوات شهدت انسحابًا أو تراجعًا للقوى الغربية من أجزاء واسعة من الساحل.
وكانت الولايات المتحدة قد فقدت جزءًا مهمًا من قدرتها العملياتية في المنطقة بعد تراجع وجودها في النيجر، في أعقاب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالحكومة المنتخبة، وما تبعه من إنهاء الترتيبات العسكرية التي كانت تسمح لواشنطن باستخدام قواعدها هناك.
وفي الوقت نفسه، أخذت روسيا في السنوات الأخيرة مساحة أكبر في المشهد الأمني والسياسي للساحل، بينما تبنت حكومات عسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر سياسة أكثر استقلالًا عن القوى الغربية.
وبالتالي، فإن الضربة الأميركية المحتملة في مالي، إذا تحولت إلى قرار فعلي، لن تكون مجرد عملية لملاحقة جماعة مسلحة، وإنما ستكون أيضًا اختبارًا لنفوذ واشنطن في منطقة شهدت تحولًا جيوسياسيًا عميقًا.
من مكافحة الإرهاب إلى إعادة تشكيل النفوذ
لا يمكن فصل أي تحرك عسكري أميركي في الساحل عن التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة.
ففي الوقت الذي تسعى فيه واشنطن إلى مواجهة الجماعات المسلحة، تحاول حكومات الساحل إعادة تعريف شراكاتها الدولية، فيما تستثمر روسيا في تراجع النفوذ الغربي، وتبحث دول أخرى، بينها الصين وتركيا، عن توسيع حضورها الاقتصادي والسياسي.
وفي هذا السياق، قد يحمل التدخل الأميركي هدفين متداخلين: الضغط على الجماعات المسلحة من جهة، وإعادة بناء النفوذ الأميركي في منطقة أصبحت واشنطن أقل حضورًا فيها من السابق من جهة أخرى.
لكن المشكلة أن القوة العسكرية وحدها لم تُنهِ أزمة الساحل خلال السنوات الماضية. فقد ظلت الجماعات المسلحة قادرة على إعادة تنظيم صفوفها والاستفادة من ضعف الدولة والصراعات المحلية والفقر واتساع المناطق الحدودية.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بقدرة الولايات المتحدة على توجيه ضربة، وإنما بقدرتها على تحويل الضربة إلى نتيجة أمنية مستدامة.
التقارب الإقليمي في مواجهة الانقسام
يتزامن ذلك مع محاولة منظمة إيكواس (المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا) إعادة بناء التقارب الإقليمي في مواجهة الأزمة الأمنية المتصاعدة.
لكن المشهد الإقليمي أصبح أكثر انقسامًا بعد خروج مالي وبوركينا فاسو والنيجر من المنظمة وتشكيلها تحالفًا إقليميًا خاصًا بها هو تحالف دول الساحل.
وقد أدى هذا الانقسام إلى إضعاف التنسيق الإقليمي في وقت تحتاج فيه الجماعات المسلحة إلى مواجهة تتجاوز حدود كل دولة على حدة.
ومن هنا، فإن أي استراتيجية لمكافحة الجماعات الجهادية ستواجه مشكلة الحدود: قد تؤدي الضغوط العسكرية في دولة إلى دفع الجهاديين نحو دولة مجاورة، ما لم توجد آلية إقليمية قادرة على سد المساحات التي يمكن أن ينتقل إليها النشاط المسلح.
هل تستطيع الضربات تغيير المعادلة؟
إذا قررت إدارة ترامب المضي في خيار عسكري داخل مالي، فإن ذلك سيضع الولايات المتحدة أمام اختبار صعب.
فالضربات قد تستهدف قيادات أو مواقع تابعة لجماعات مسلحة، لكنها لا تعالج بالضرورة الأسباب التي تسمح لهذه الجماعات بالتوسع. كما أن أي تدخل خارجي يمكن أن يتحول إلى عنصر جديد في الصراع السياسي المحلي، خصوصًا في ظل حساسية الرأي العام تجاه التدخل الغربي.
وتشير التجربة السابقة في منطقة الساحل إلى أن العمليات العسكرية، مهما كانت قدراتها التقنية، لا تكفي وحدها عندما تكون مؤسسات الدولة ضعيفة، والحدود شاسعة، والاقتصاد هشًا، والصراعات المحلية متشابكة مع نشاط الجماعات المسلحة.
لذلك فإن نجاح أي تحرك أميركي لن يقاس فقط بعدد الأهداف التي يمكن ضربها، وإنما بقدرته على منع الجماعات الجهادية من إعادة بناء شبكاتها والانتقال إلى مناطق جديدة.
الساحل أمام مرحلة جديدة
يبدو أن منطقة الساحل تدخل مرحلة جديدة من الصراع. فالجماعات الجهادية تواصل الضغط، والدول المحلية تواجه صعوبات في احتواء التهديد، بينما تتغير خريطة التحالفات الدولية بصورة سريعة.
وفي قلب هذا المشهد تقف واشنطن أمام خيار العودة إلى منطقة انسحبت منها قوى غربية خلال السنوات الماضية، لكن العودة هذه المرة ستكون أكثر تعقيدًا؛ فمالي ليست مالي التي كانت تتعاون بسهولة مع الغرب، والساحل لم يعد ساحة نفوذ غربي منفرد، والجماعات المسلحة أصبحت أكثر قدرة على استغلال الفراغات الأمنية والحدود الإقليمية.
ومن ثم، فإن التفكير الأميركي في الضربات يعكس قبل كل شيء عمق الأزمة التي وصلت إليها منطقة الساحل: دول لا تستطيع وقف تمدد الجماعات الجهادية، وتحالفات إقليمية متصدعة، وتنافس دولي على النفوذ، وسكان يجدون أنفسهم في قلب صراع تتجاوز تداعياته حدود بلدانهم.
ويبقى السؤال الأكبر: هل ستكون عودة واشنطن إلى الساحل بداية لاستراتيجية أميركية جديدة في أفريقيا، أم مجرد جولة أخرى من التدخل العسكري في أزمة أثبتت خلال أكثر من عقد أن حسمها لا يتحقق بالقوة الجوية وحدها؟





اترك تعليقاً