أثار مقطع فيديو انتشر على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي جدلاً واسعاً بعد تداوله باعتباره يوثق مجموعة من المسلمين يؤدون الصلاة داخل إحدى عربات مترو لندن، مع مزاعم بأن الركاب الآخرين كانوا عالقين داخل العربة بسبب ذلك.
غير أن تحليلاً أجري على المقطع أظهر أنه لا يوثق واقعة حقيقية، بل جرى إنتاجه باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، فيما استُخدم لاحقاً ضمن حملة دعائية ربطت المقطع بقضايا الهجرة والتعددية الثقافية في بريطانيا.
ملايين المشاهدات عبر حسابات يمينية
حقق الفيديو انتشاراً واسعاً خلال الأيام الأخيرة بعدما أعادت نشره عشرات الحسابات اليمينية والمتشددة، مرفقاً بتعليقات اعتبرت المشهد دليلاً على ما وصفته بـ”فشل سياسات الهجرة” في المملكة المتحدة.
ومن بين أبرز الحسابات التي ساهمت في انتشار المقطع حساب يحمل اسم Ayad، حيث تجاوز منشوره مليوني مشاهدة، مدعياً أن المسلمين “يعطلون مترو لندن ويمنعون الركاب من الوصول إلى أعمالهم”، قبل أن يختتم منشوره بعبارة “نريد استعادة بلدنا”.
كما نشر حساب Richie Taylor الفيديو مصحوباً بتعليقات وصف فيها الأشخاص الظاهرين بالمقطع بـ”الغزاة”، متسائلاً عن موقف أي بريطاني إذا وجد نفسه “محاصراً” داخل عربة المترو.
وامتدت الحملة إلى حسابات أخرى مثل Gracie Smith وStephen Hatherill، التي استخدمت خطاباً مشابهاً، وربطت الفيديو بقضايا الهجرة ورئيس بلدية لندن صادق خان، داعية إلى الحد من الهجرة و”استعادة البلاد”.
ولم يقتصر تداول المقطع على الجمهور البريطاني، إذ أعيد نشره بلغات عدة، بينها الإنجليزية والهندية، ما ساهم في توسيع دائرة انتشاره خارج المملكة المتحدة.
موجة جديدة لفيديو قديم
وأظهر تتبع مسار انتشار الفيديو أن تداوله لم يبدأ خلال الأيام الماضية، بل يعود إلى ذو القعدة 1446هـ الموافق مايو 2025م، عندما نشرته عدة حسابات روجت للرواية ذاتها.
ومن أقدم النسخ المتداولة منشور لحساب Vivek Mishra بتاريخ 29 ذو القعدة 1446هـ الموافق 27 مايو 2025م، زعم أن المقطع صُور داخل مترو لندن، واستخدمه للتعليق على قضايا الهوية والهجرة في أوروبا.
وفي اليوم التالي، أعاد حساب Concerned Citizen نشر الفيديو، مرفقاً بتعليق يتساءل فيه عما إذا كان المشهد يمثل مشكلة، قبل أن تتبنى حسابات أخرى روايات تتحدث عن “حرب أهلية” و”سقوط أوروبا”.
ورغم أن المقطع لم يحظ آنذاك بالانتشار الكبير الذي حققه لاحقاً، فإنه عاد إلى الواجهة خلال صفر 1448هـ الموافق أغسطس 2026م ضمن موجة جديدة ركزت بصورة أكبر على التحريض ضد المسلمين والمهاجرين.
خطاب موحد للتحريض
وكشف تحليل المحتوى المصاحب للفيديو أن غالبية الحسابات التي أعادت نشره معروفة بتبني خطاب معادٍ للمسلمين، إذ استخدمت عبارات متشابهة رغم اختلاف البلدان واللغات.
وتكررت في المنشورات أوصاف مثل “الغزاة”، و”المسلمون يعطلون المترو”، و”استعادة البلاد”، و”سقوط لندن”، مع ربط المشهد بسياسات الهجرة والتعددية الثقافية، وتقديمه باعتباره دليلاً على فشلها.
ويشير هذا النمط إلى أن المقطع استُخدم كأداة لترويج سرديات سياسية قائمة مسبقاً، أكثر من كونه مادة قابلة للتحقق أو التوثيق.
التحليل البصري يكشف مؤشرات التزييف
وأظهر الفحص البصري للمقطع عدداً من المؤشرات التي تتكرر عادة في المحتوى المُنتج بالذكاء الاصطناعي.
فقد بدت ملامح عدد كبير من الأشخاص داخل العربة متشابهة بصورة لافتة، سواء من حيث شكل الوجه أو اللحية أو تعابير الوجه، وهي ظاهرة تُعرف بـ”الاستنساخ البصري”، حيث تعيد نماذج الذكاء الاصطناعي إنتاج شخصيات متقاربة بدلاً من إنشاء وجوه متنوعة.
كما كشف التحليل عن تناظر واضح في توزيع الأشخاص داخل العربة، مع اصطفاف شبه مثالي للمصلين وسجاجيد الصلاة، إضافة إلى زاوية تصوير تُظهر المشهد بصورة منظمة على نحو غير معتاد في التسجيلات العفوية.
وأشار التحليل أيضاً إلى أن طريقة الاصطفاف الظاهرة لا تتوافق مع الكيفية المعتادة لأداء صلاة الجماعة، وهو ما عزز الشكوك بشأن طبيعة المقطع، وإن لم يُعد دليلاً منفرداً على التزييف.
الفحص التقني يعزز نتائج التحليل
ولم يقتصر التحقق على الفحص البصري، إذ خضع الفيديو لتحليل باستخدام أدوات متخصصة في كشف المحتوى المُولد بالذكاء الاصطناعي.
وأظهرت نتائج الفحص أن احتمال كون المقطع مُنتجاً رقمياً بلغ 97%، وهي نتيجة جاءت متوافقة مع المؤشرات الفنية التي رُصدت أثناء التحليل البصري.
وبناءً على ذلك، خلص التحليل إلى أن الفيديو لا يوثق حادثة حقيقية داخل مترو لندن، وإنما جرى إنشاؤه باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، قبل أن يُعاد تداوله على نطاق واسع في سياق حملات استهدفت تأجيج الخطاب المعادي للمسلمين والمهاجرين.





اترك تعليقاً