تطرح موجات الهجرة من البلدان ذات الأغلبية المسلمة إلى أوروبا سؤالاً يتجاوز الحدود والسياسات والهجرة غير النظامية: لماذا يصرّ كثير من الشباب المسلمين على مغادرة بلدانهم، حتى عندما تكون الرحلة محفوفة بالمخاطر، بحثاً عن مستقبل أفضل في أوروبا؟
إن مشاهد الشباب الذين يخاطرون بحياتهم لعبور البحر أو اجتياز الحدود لا يمكن اختزالها في كونها مجرد أزمة حدودية أو مشكلة أمنية. وراء كل مهاجر قصة تتعلق بالعمل، والدخل، والتعليم، والأمان، والكرامة، والرغبة في بناء مستقبل يشعر بأنه ممكن.
وتشير التقارير إلى موجة وصول أعداد كبيرة من المغاربة إلى مدينة سبتة الإسبانية، وتطرح هذه الحوادث بوصفها مدخلاً إلى سؤال أوسع: لماذا لا تستطيع الدول الإسلامية أن توفر لشبابها الظروف التي تجعلهم يفضلون البقاء فيها بدلاً من المخاطرة بحياتهم للوصول إلى أوروبا؟
أوروبا ليست مجرد وجهة جغرافية
حين يقرر شاب من المغرب أو باكستان أو غيرهما الهجرة، فإنه لا يبحث بالضرورة عن أوروبا باعتبارها مكاناً مثالياً، وإنما ينظر إليها باعتبارها فرصة.
قد تكون الفرصة وظيفة أفضل، أو جامعة أكثر جودة، أو نظاماً صحياً أكثر كفاءة، أو حماية قانونية أكبر، أو إمكانية لبناء حياة مستقرة بعيداً عن البطالة والفقر والفساد وعدم تكافؤ الفرص.
ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية ربما ليس: لماذا يريد المسلمون الذهاب إلى أوروبا؟ بل: لماذا لا يجد بعضهم في بلدانهم ما يجعلهم يرون مستقبلاً يستحق البقاء من أجله؟
وهنا تصبح قضية الهجرة مرآة تعكس مشكلات المجتمعات نفسها.
المفارقة المغربية والباكستانية
المغرب، الذي يتمتع باستقرار نسبي مقارنة بعدد من دول المنطقة، شهد خلال السنوات الأخيرة استمرار رغبة بعض الشباب في الهجرة إلى أوروبا. وفي حالة باكستان، تبدو المفارقة أكثر وضوحاً.
فالدولة الباكستانية قامت عام 1947 بعد تقسيم شبه القارة الهندية، وسط تضحيات بشرية هائلة ونزوح ملايين الأشخاص، وكان المشروع بالنسبة إلى كثير من المسلمين آنذاك مرتبطاً بالأمل في بناء دولة يستطيعون فيها العيش وفق تصوراتهم السياسية والدينية.
لكن بعد عقود، أصبح عدد من الشباب الباكستاني يحلم بالوصول إلى أوروبا، حتى إن بعضهم يلجأ إلى طرق الهجرة غير النظامية، التي قد تنتهي بالوقوع في أيدي شبكات الاتجار بالبشر أو بالموت أثناء محاولات عبور البحر.
وهنا تظهر المفارقة المؤلمة: كيف تحولت الأرض التي كان يُفترض أن تكون وطناً للمستقبل إلى مكان يريد بعض أبنائها مغادرته بأي ثمن؟
المشكلة ليست في الدين
لا يمكن تفسير هذه الظاهرة ببساطة باعتبارها فشلاً للإسلام أو نجاحاً للغرب.
فالفارق بين الدول لم يكن في العقائد الدينية، خاصة بالنظر لكون الدول التي يعيش فيها المسلمون هي الأبعد عن نظام الشريعة الإسلامية الذي عرفته الدول الإسلامية في تاريخها قبل الاحتلال الغربي، لذلك فإن أسباب الهجرة هذه لا تتعلق بالدين الإسلامي إنما بالحوكمة، وسيادة القانون، والتعليم، والاقتصاد، ومكافحة الفساد، والمؤسسات، والاستقرار السياسي، وحقوق الإنسان، وقدرة الدولة على توفير فرص عادلة لشبابها.
كما أن أوروبا نفسها ليست مجتمعاً مثالياً خالياً من المشكلات؛ فهي تواجه البطالة وأزمات السكن وارتفاع تكاليف المعيشة والتوترات السياسية والاجتماعية، فضلاً عن تصاعد الجدل حول الهجرة والاندماج والهوية.
لكن رغم ذلك، يرى كثير من المهاجرين أن المؤسسات الأوروبية توفر لهم فرصاً أفضل من تلك المتاحة في بلدانهم الأصلية.
وهذا هو الجانب الذي ينبغي أن يؤخذ بجدية.
لماذا ينتقد بعض الدعاة الغرب بينما يهاجر الشباب إليه؟
لطالما انتقد الخطاب الديني والاجتماعي في العالم الإسلامي المجتمعات الغربية، ووصفها بأنها تعاني انحلالاً أخلاقياً أو أزمات ثقافية عميقة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: إذا كانت مجتمعاتنا تمتلك، كما يؤكد الخطاب الإسلامي، منظومة قيم قادرة على تحقيق العدل والرحمة وصيانة الكرامة الإنسانية، فلماذا لا تتحول هذه القيم إلى مؤسسات ناجحة وحياة كريمة تدفع الشباب إلى البقاء؟
لا يكفي أن نقول للشباب إن الغرب فاسد أو أن الحضارة الغربية ستنهار، بينما يظل الشاب نفسه راغباً في الوصول إليها، ويبحث عن فرصة عمل أو تعليم أو حياة مستقرة فيها.
فالقيم لا تقنع الناس بالشعارات وحدها؛ وإنما بما يرونه في الواقع.
وهذا يعني أن الخطاب الذي يكتفي بالتحذير من الغرب يجب أن يراعي حقيقة أن النموذج الإسلامي لم يتوفر بعد للمسلمين، وهو ما يقتضي استنهاض الهمم لإصلاح الواقع وتلاحم الجهود لإقام النظام الإسلامي الذي يصلح جميع المشاكل التي أدت بالمسلمين للارتماء في أحضان البحار بحثا عن حياة كريمة.
وفي المقابل… أوروبا قلقة من الهجرة
المفارقة الأخرى أن أوروبا نفسها أصبحت أكثر قلقاً من الهجرة.
فالهجرة تحولت إلى قضية سياسية مركزية في عدد من الدول الأوروبية، وأصبحت الحكومات تواجه ضغوطاً شعبية متزايدة لتشديد الرقابة على الحدود والحد من الهجرة غير النظامية.
كما تثير الهجرة نقاشات حول الاندماج والهوية والثقافة والأمن والجريمة، وتستغل بعض التيارات السياسية هذه المخاوف لتقديم المهاجرين باعتبارهم تهديداً للمجتمعات الأوروبية.
لكن من الضروري التمييز بين المخاوف المشروعة بشأن إدارة الهجرة وبين التعميم على ملايين المسلمين والمهاجرين باعتبارهم كتلة واحدة أو ربطهم تلقائياً بالجريمة.
فالمهاجرون ليسوا جميعاً سواء، كما أن مشكلات الاندماج أو الجريمة لا يمكن تفسيرها بعامل واحد.
الهجرة تكشف أزمة أعمق
إن أخطر ما تكشفه الهجرة غير النظامية ليس ضعف الحدود الأوروبية فحسب، بل فشل بعض الدول المصدّرة للمهاجرين في صناعة الأمل داخل حدودها.
الشاب الذي يخاطر بحياته من أجل الوصول إلى أوروبا لا يفعل ذلك دائماً لأنه يكره وطنه أو ثقافته أو دينه. أحياناً يكون السبب أبسط وأكثر قسوة: لا يرى مستقبله هناك.
وهنا ينبغي أن يتحول النقاش من سؤال: كيف نمنع هؤلاء من المغادرة؟ إلى سؤال آخر أكثر عمقاً: كيف نجعل البقاء خياراً مقنعاً؟
إن بناء نظام حوكمة إسلامي يصنع العدل والازدهار ويقوي الاقتصاد فيوفر وظائف حقيقية، ومدارس وجامعات جيدة، وقضاء نزيها، ومؤسسات تحترم حدود الشريعة، وأنظمة تحمي حقوق المسلمين كافة وغير المسلمين، ومجتمعات يشعر فيها المواطن بالكرامة، يكون أكثر فعالية على المدى البعيد من بناء المزيد من الحواجز.
الهجرة ليست المشكلة وحدها
ليس المطلوب أن تتحول الدول الإسلامية إلى نسخ من أوروبا، ولا أن تتخلى عن دينها أو هويتها حتى تصبح ناجحة.
بل السؤال الحقيقي هو: هل يمكن بناء دول مسلمة حديثة وناجحة، تجمع بين الهوية الإسلامية والكفاءة المؤسسية والعدالة والحرية والكرامة الإنسانية؟
إذا كان الجواب نعم، فإن التحدي الحقيقي يبدأ هنا.
فبدلاً من أن يضطر الشاب إلى الاختيار بين دينه وهويته من جهة، وبين مستقبله من جهة أخرى، ينبغي أن يكون قادراً على الحصول على الاثنين معاً: أن يعيش في مجتمعه، متمسكاً بهويته، وفي الوقت نفسه يتمتع بالتعليم والعمل والحرية والعدالة والكرامة.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأكثر إلحاحاً هو: لماذا ينجذب المسلمون إلى أوروبا؟
بل: لماذا لم ننجح بعد في جعل بلداننا أماكن يريد شبابنا أن يبنوا فيها مستقبلهم؟
وهذا سؤال لا تستطيع الحكومات ولا المؤسسات الدينية ولا النخب الفكرية الهروب منه بمجرد إلقاء اللوم على أوروبا أو المهاجرين. بل يضع الجميع أمام مسؤولية كبرى: من سيقيم نظاما إسلاميا يصون حقوق المسلمين ويحفظ هويتهم ويعيد لهم سيادتهم في العالم؟
بقلم: سهى عبد الرحيم





اترك تعليقاً