في الثامن والعشرين من يوليو/تموز 2014، شهدت منطقة ياركند (ياركند/ياركنت) في إقليم شينجيانغ (تركستان الشرقية) ذي الأغلبية الإيغورية واحدة من أكثر الأحداث دموية في تاريخ التوتر بين السلطات الصينية والسكان الإيغور، في حادثة ما زال الغموض يحيط بتفاصيلها وعدد ضحاياها بعد مرور أكثر من عقد.
ويحيي الإيغور في كل عام ذكرى ما يسمونه “مجزرة ياركند”، بينما تصفها السلطات الصينية بأنها عملية أمنية ضد “هجوم إرهابي”. وبين الروايتين المتناقضتين بقيت الحقيقة الكاملة غائبة، وسط مطالبات مستمرة بتحقيق دولي مستقل يكشف ما حدث في تلك الأيام.
روايتان متعارضتان حول أحداث يوليو 2014
وقعت الأحداث في بلدة إليشقو والمناطق المحيطة بها في محافظة ياركند، وهي مناطق يقطنها الإيغور بنسبة كبيرة. ووفق روايات إيغورية، بدأت الأزمة خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان، في ظل قيود أمنية مشددة على الممارسات الدينية للإيغور.
وتقول شهادات نقلتها منظمات إيغورية إن التوتر تصاعد بعد مداهمات أمنية استهدفت منازل ومساجد، وإن اعتقال نساء تجمعن للصلاة وقراءة القرآن أدى إلى خروج أقاربهن للمطالبة بمعرفة مصيرهن.
كما تحدثت روايات أخرى عن مقتل عائلة إيغورية خلال عملية أمنية، ما دفع السكان إلى الاحتجاج على ما اعتبروه استخداماً مفرطاً للقوة.
أما السلطات الصينية فأعلنت أن ما حدث كان “هجوماً إرهابياً منظماً”، وقالت إن مسلحين هاجموا منشآت حكومية ومراكز شرطة ومركبات، وإن 37 مدنياً و59 من المهاجمين قتلوا، إضافة إلى اعتقال أكثر من 200 شخص.
لكن منتقدي الرواية الرسمية يشيرون إلى أن السلطات لم تنشر قائمة كاملة بأسماء القتلى، ولم تسمح لجهات مستقلة بالتحقيق في ظروف مقتلهم أو تحديد المسؤولية عن كل حالة.
حصيلة القتلى.. رقم مجهول وسط تعتيم واسع

بعد الأحداث، فرضت السلطات الصينية قيوداً واسعة على الاتصالات، وأغلقت المنطقة أمام الصحفيين والمراقبين، ما جعل الوصول إلى معلومات مستقلة أمراً بالغ الصعوبة.
وتشير تقارير لمنظمات إيغورية ووسائل إعلام دولية إلى أن عدد الضحايا ربما كان أكبر بكثير من الرقم الرسمي. فقد نقلت إذاعة آسيا الحرة عن مصادر إيغورية تقديرات تشير إلى احتمال مقتل آلاف الأشخاص، بينما تحدثت مصادر أخرى عن أرقام تتراوح بين 3 آلاف و5 آلاف قتيل أو مفقود.
لكن هذه الأرقام لا يمكن التحقق منها بشكل مستقل بسبب غياب التحقيقات المفتوحة.
ويرى ناشطون إيغور أن المشكلة لا تتعلق فقط بعدد الضحايا، بل بمصير الأشخاص الذين اختفوا دون أن تعرف عائلاتهم أماكن دفنهم أو ما إذا كانوا قد قتلوا.
من ياركند إلى معسكرات الاحتجاز الجماعي

يعتبر كثير من الباحثين أن أحداث ياركند كانت مقدمة للتصعيد الأكبر الذي بدأ بعد عام 2017، عندما أطلقت السلطات الصينية حملة واسعة للاحتجاز وإعادة التأهيل السياسي في شينجيانغ.
وخلال تلك الحملة، قالت منظمات حقوقية دولية إن مئات الآلاف، وربما نحو مليون من الإيغور وأقليات مسلمة أخرى، احتُجزوا في منشآت وصفتها بكين بأنها “مراكز تدريب مهني”، بينما وصفها منتقدون بأنها معسكرات احتجاز جماعي.
وتتهم تقارير حقوقية السلطات الصينية باستخدام الاعتقالات الجماعية، والمراقبة الواسعة، والقيود على الممارسات الدينية والثقافية، إضافة إلى مزاعم حول العمل القسري.
وترفض بكين هذه الاتهامات، وتؤكد أن إجراءاتها تهدف إلى مكافحة الإرهاب والتطرف وتحقيق التنمية والاستقرار.
شهادة من داخل الجهاز الأمني الصيني

وفي تطور جديد يلقي الضوء على طبيعة النظام الأمني في شينجيانغ، تحدث الشرطي الصيني السابق تشانغ يابو عن تجربته داخل الأجهزة التي شاركت في مراقبة واعتقال الإيغور.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة Tنيويورك تايمز، خدم تشانغ نحو تسع سنوات في شرطة شينجيانغ، حيث شارك في عمليات مراقبة واحتجاز ونقل معتقلين.
وقال تشانغ، الذي طلب اللجوء في ألمانيا، إن المنطقة كانت أشبه بـ”سجن ضخم تحيط به جدران حديدية”، وإن النظام لم يسجن الإيغور فقط، بل أثّر أيضاً على الأشخاص الذين كُلّفوا بتنفيذه.
وأوضح أنه كان في البداية يصدق الرواية الرسمية التي تصف المعتقلين بأنهم “إرهابيون وانفصاليون”، لكنه بدأ لاحقاً في مراجعة ما شاهده بعد مغادرته الصين واستخدامه الإنترنت خارج الرقابة الحكومية.
الاعتراف بالمسؤولية أم محاولة تبرير الدور؟
يقول تشانغ إنه لم يعذب أي شخص بشكل مباشر، وإن دوره كان يقتصر على تنفيذ الأوامر والمهام الإدارية والحراسة، محملاً المسؤولية للقيادات العليا.
لكن منتقدين يشيرون إلى أن العمل داخل منظومة قمعية لا يعفي الأفراد بالكامل من المسؤولية، حتى لو لم يكونوا أصحاب القرار النهائي.
ويرى بعض الباحثين أن شهادة تشانغ مهمة لأنها تقدم رؤية من داخل الجهاز الأمني الصيني، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى تقييم مستقل، خاصة أنه يسعى أيضاً إلى الاعتراف به كضحية للنظام الذي خدم فيه.
وقال ناشطون إيغور إن معاناة الموظفين داخل النظام لا يمكن مقارنتها بمعاناة السكان الذين تعرضوا للمراقبة والاعتقال والعمل القسري وفقدان أفراد من عائلاتهم.
ذاكرة لم تُمحَ

بعد اثني عشر عاماً على أحداث ياركند، ما زالت القضية تمثل رمزاً للخلاف العميق حول سياسة الصين في شينجيانغ.
فبالنسبة للإيغور، تمثل ذكرى الضحايا الذين فقدوا حياتهم أو اختفوا دون إجابات. أما بالنسبة لبكين، فهي جزء من معركتها ضد ما تصفه بالإرهاب والانفصال.
وبينما تطالب منظمات حقوقية بالكشف عن أسماء الضحايا والسماح بتحقيق مستقل، تؤكد السلطات الصينية أن إجراءاتها كانت ضرورية لحماية الأمن الوطني.
لكن السؤال الذي لا يزال قائماً: لماذا لم تُفتح المنطقة أمام تحقيق دولي مستقل؟ ولماذا بقيت تفاصيل كثيرة حول القتلى والمفقودين غير معلنة؟
بالنسبة لعائلات كثيرة من الإيغور، لم تنتهِ أحداث ياركند بإعادة فتح الطرق وانتهاء الحصار؛ فالجرح ما زال مفتوحاً، والبحث عن الحقيقة مستمراً.






اترك تعليقاً