امبراطوريات تتصارع وعالم يتغير.. هل يمتلك المسلمون مشروعًا للحظة التاريخية القادمة؟

6005571814618238375

في غضون سنوات قليلة، تغيّر العالم بوتيرة تكاد تتجاوز قدرة البشر على استيعابها، فما كان يُعدّ قبل عقد من الزمن استثناءً في العلاقات الدولية، أصبح اليوم جزءًا من المشهد اليومي. لم يعد النظام العالمي يعيش أزمة عابرة، بل يمر بمرحلة إعادة تشكيل شاملة تتداخل فيها الحروب، والأزمات الاقتصادية، والتنافس الجيوسياسي، والكوارث المناخية، في لوحة واحدة تعيد رسم خرائط النفوذ وموازين القوة.

في الشرق الأوسط، فتحت المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، فصلًا جديدًا من الصراع الإقليمي، بينما لا تزال الحرب الروسية الأوكرانية تستنزف أوروبا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، وتعيد سباق التسلح إلى القارة بعد عقود من نهايته. وفي شرق آسيا، تواصل الصين توسيع قدراتها العسكرية ونفوذها الاقتصادي، وبناء شبكة من الشراكات والتحالفات التي تنافس النظام الذي قادته الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة، في حين تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية في بيئة إقليمية شديدة التوتر.

وفي الوقت نفسه، ما تزال الحرب في السودان تولّد واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، فيما تشهد مناطق أخرى من أفريقيا صراعات مسلحة وانقلابات وتنافسًا دوليًا متزايدًا على الموارد والنفوذ، أما العالم الإسلامي، فيعيش حالة غليان غير مسبوقة في ظل الاعتداءات اليهودية في قطاع غزة، وتصاعد التوتر في الأراضي الفلسطينية مع توسع الاستيطان، إلى جانب انعكاسات الاضطرابات الإقليمية على أمن دول الخليج واستقرارها الاقتصادي والاستراتيجي.

ولم يعد الصراع مقتصرًا على ساحات القتال، بل امتد إلى الاقتصاد العالمي، حيث تتزايد المخاوف من تباطؤ النمو، وارتفاع مستويات الديون، واضطراب سلاسل الإمداد، واحتدام المنافسة على الطاقة، والمعادن النادرة، والتكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، في وقت تضرب فيه موجات حر غير مسبوقة، وفيضانات مدمرة، وحرائق واسعة مناطق متعددة من أوروبا، لتؤكد أن التغير المناخي بات عاملًا مؤثرًا في الأمن والاقتصاد والسياسة، لا مجرد قضية بيئية.

إنها ليست أزمات منفصلة، بل حلقات في سلسلة واحدة تشير إلى أن العالم يدخل مرحلة انتقالية غير مسبوقة، يتراجع فيها نموذج الهيمنة الأحادية، وتتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى على قيادة النظام الدولي المقبل.

وفي مثل هذه اللحظات الفاصلة، يتبادر إلى الأذهان أسئلة، وهي: إلى أين يتجه العالم؟ ، وهل نشهد نهاية النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب الباردة، وبداية عصر جديد تعود فيه منطق الإمبراطوريات والتكتلات الكبرى، أم أن العالم بصدد ولادة نظام مختلف تمامًا؟ ، وهل يمتلك العالم الإسلامي فرصة ذهبية بعد عقود من الوهن والتشتت وغياب الهدف؟

قبل 3 عقود فقط، بدا وكأن التاريخ قد حُسم لصالح قوة واحدة، فمع انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1412هـ / 1991م، خرجت الولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمى الوحيدة، وسيطر الاعتقاد بأن النظام الليبرالي الغربي أصبح النموذج النهائي الذي سيقود العالم لعقود طويلة. غير أن التاريخ، كما تثبت تجاربه المتكررة، لا يعرف الثبات، فما بدا انتصارًا نهائيًا، تحول تدريجيًا إلى مرحلة انتقالية قصيرة نسبيًا في عمر الأمم.

اليوم، في ظل الأحداث المتلاحقة يتشكل عالم مختلف تمامًا.. عالم تتراجع فيه الهيمنة الأحادية، وتتنافس فيه القوى الكبرى على إعادة رسم خرائط النفوذ، بينما تتصدع أسس العولمة التي حكمت الاقتصاد والسياسة منذ نهاية القرن العشرين.

صراع الإمبراطوريات

حين تُذكر الإمبراطوريات، يتبادر إلى الذهن روما أو الدولة البريطانية أو الدولة العثمانية أو الإمبراطورية الروسية، لكن الإمبراطورية الحديثة لا تحتاج إلى احتلال مباشر أو رفع أعلامها فوق العواصم، بل يكفي أن تمتلك القدرة على التحكم في القرار السياسي والاقتصادي والتكنولوجي والعسكري للدول الأخرى.

لقد تغيرت أدوات النفوذ، لكن الهدف بقي واحدًا: إدارة النظام الدولي بما يخدم المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى، فالولايات المتحدة بنت شبكة غير مسبوقة من القواعد العسكرية والتحالفات والمؤسسات المالية العالمية، فيما اختارت الصين طريقًا مختلفًا يقوم على الاستثمار والبنية التحتية والتجارة، بينما تركز روسيا على استعادة مجالها الحيوي وتوسيع نفوذها الأمني والعسكري في محيطها الإقليمي وخارجه، أي أن أدوات النفوذ لم تعد عسكرية فقط، بل تشمل الاقتصاد والتكنولوجيا والدبلوماسية والقوة الناعمة أيضًا. وهذا يعني أن العالم لا يعود إلى الإمبراطوريات بصورتها القديمة، وإنما يعود إلى منطق الإمبراطوريات.

لماذا بدأ النظام الأمريكي يفقد احتكاره؟

بالمنطق “المادي”، لا تزال الولايات المتحدة تمتلك أقوى جيش في العالم، وأوسع شبكة قواعد عسكرية، وأكبر تحالفات سياسية، كما يحتفظ الدولار بمكانته المحورية في الاقتصاد العالمي، لكن امتلاك عناصر القوة لا يعني بالضرورة استمرار الهيمنة المطلقة.

خلال العقدين الأخيرين، واجهت واشنطن تحديات متراكمة، من بينها الحروب الطويلة المكلفة، وتصاعد المنافسة الاقتصادية مع الصين، واتساع الدين العام، والانقسامات السياسية الداخلية، إضافة إلى تراجع قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها منفردة في عدد من الملفات الدولية، لذلك فإن الديون المرتفعة واستنزاف التحالفات والتحديات الداخلية أصبحت من أبرز نقاط الضغط على النفرك الأمريكي.

ويلاحظ أن معظم الاستراتيجيات الأمريكية الحديثة لم تعد تتحدث عن “القيادة المنفردة”، بل عن “إدارة المنافسة” مع القوى الصاعدة، وهذا التحول في اللغة يعكس تحولًا أعمق في موازين القوى.

great powers muslim world 5alj5gh5
خريطة توضح الانتشار الواسع للقواعد العسكرية الأمريكية حول العالم.

الصين.. الإمبراطورية التي لا تغزو

إذا كانت الإمبراطوريات القديمة تتوسع بالجيوش، فإن الصين اختارت طريقًا مختلفًا، فمنذ نهاية القرن العشرين، ركزت بكين على بناء اقتصاد ضخم، وتحويل نفسها إلى مصنع العالم، ثم بدأت في تصدير الاستثمارات والبنية التحتية عبر مبادرة “الحزام والطريق”، التي تمتد إلى آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.

وبدل إرسال الجنود، ترسل الصين الشركات والمهندسين والموانئ وخطوط السكك الحديدية ومراكز التكنولوجيا، وبدل الاحتلال العسكري، تسعى إلى خلق اعتماد اقتصادي طويل الأمد يجعل كثيرًا من الدول جزءًا من شبكتها التجارية والاستثمارية، وهذا يعني أن أدوات النفوذ الصينية تقوم أساسًا على الاستثمار المباشر والتجارة والتمويل ونقل التكنولوجيا، مع استخدام مشاريع البنية التحتية كوسيلة لتعزيز النفوذ الجيوسياسي.

ولهذا فإننا في الحالة الصينية ، يمكننا القول بأنها تبني “إمبراطورية اقتصادية” تعزز بها إمبراطوريتها العسكرية ، التي لم تظهر قوتها حتى الآن إلا في ميدان التسليح.

روسيا واستعادة المجال الحيوي

أما روسيا، فلا تخفي أن أولويتها تتمثل في حماية ما تعتبره مجالها الحيوي، حيث عملت موسكو بعد سنوات من التراجع عقب انهيار الاتحاد السوفيتي على إعادة بناء قدراتها العسكرية، وتعزيز حضورها في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط وأفريقيا.

ولا تعتمد روسيا على الاقتصاد بحجم اعتمادها على أدوات أخرى، مثل القوة العسكرية، والطاقة، والدبلوماسية الأمنية، والحرب السيبرانية، والإعلام.

كما تنظر موسكو إلى محيطها الجغرافي باعتباره أولوية استراتيجية، وتستخدم مزيجًا من القوة الصلبة وأدوات النفوذ غير التقليدية للحفاظ على مصالحها.

وهكذا، تختلف الأدوات، لكن الهدف واحد: توسيع النفوذ وتأمين المصالح.

great powers muslim world 5alj5gh5 1
النفوذ الروسي المتزايد في أفريقيا

من النيل إلى الفرات؟

على الجانب الآخر ، وفي قلب الشرق الأوسط يسعى اليهود لتحقيق حلم دولتهم “من النيل إلى الفرات” ، فمنذ قيام ماتسمى بـ”دولة إسرائيل” في 1367هـ / 1948م، لم يقتصر مشروعها على بناء قوة عسكرية متفوقة، بل سعت إلى ترسيخ نفوذ إقليمي واسع عبر مزيج من التفوق العسكري، والتقدم التكنولوجي، والتحالفات الدولية، والتأثير السياسي والاقتصادي.

هذه التحركات تتم وفق رؤية تتجاوز حدودها الحالية، ومعلنه في المعارك والاعتداءات والمذابح التي تقوم بها ، وهي حلم الأرض التي تمتد “من النيل إلى الفرات”، لذلك نشهد خلال الأيام الجارية تسارعا في التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، وضربات عسكرية متكررة خارج الحدود، واحتلال قطاع غزة ، ومحاولات بناء شبكة نفوذ أمني وسياسي تمتد إلى مناطق مختلفة في الشرق الأوسط.

1119282 634109579
الحلم اليهودي من النيل إلى الفرات

معارك تحدد مصير العالم

قد يظن البعض أن الصراع يدور فقط فيما تحدثنا عنه في السطور الماضية ، لكن الحقيقة أن المنافسة الكبرى تُخاض أيضا  فوق أراضي وممرات ومياه دول أخرى.

فالشرق الأوسط، وأوكرانيا، وبحر الصين الجنوبي، وأفريقيا، أصبحت جميعها ساحات تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى، هذه المناطق ليست مجرد جغرافيا، بل مفاتيح للطاقة، والتجارة العالمية، والممرات البحرية، والموارد الطبيعية، والنفوذ السياسي.

ولهذا فإن كثيرًا من الأزمات الإقليمية لا يمكن فهمها بمعزل عن المنافسة بين القوى الكبرى، التي تحاول كل منها تثبيت موقعها في النظام الدولي القادم.. هذه المناطق تمثل أبرز خطوط التماس في النظام العالمي المتشكل.

هل نحن أمام حرب عالمية جديدة؟

رغم تصاعد التوترات، قد يستبعد البعض اتجاه العالم إلى حرب عالمية شاملة على غرار الحربين العالميتين، بسبب الترابط الاقتصادي، والردع النووي، وكلفة المواجهة المباشرة، تجعل الصدام العسكري الشامل خيارًا بالغ الخطورة.

لكن ذلك لا يعني غياب الصراع، فالحروب اليوم تأخذ أشكالًا مختلفة: عقوبات اقتصادية، وحروب سيبرانية، وسباقًا على الذكاء الاصطناعي، وصراعًا على أشباه الموصلات، ومنافسة على سلاسل الإمداد، ومعارك نفوذ في الدول النامية.

وبعبارة أخرى، فإن العالم يعيش حربًا بوسائل جديدة، حتى وإن لم تُعلن رسميًا، وما يجري اليوم ليس أزمة عابرة، ولا سلسلة أحداث منفصلة، بل تحول تاريخي يعيد تشكيل النظام الدولي.

والدول التي تدرك هذا التحول مبكرًا ستسعى إلى إعادة تموضعها، وبناء تحالفاتها، وتطوير أدوات قوتها، أما الدول التي تكتفي بمراقبة المشهد، فقد تجد نفسها بعد سنوات أمام نظام عالمي جديد تشكل من دون أن يكون لها دور في صناعته.

نافذة الفرص التاريخية.. هل يقف العالم الإسلامي أمام لحظة قد لا تتكرر؟

لم تكن التحولات الكبرى في التاريخ مجرد تبدل في أسماء القوى العظمى، بل كانت دائمًا لحظات أعادت توزيع النفوذ بين الأمم، ففي كل مرة تضعف فيها قوة مهيمنة، وتظهر أخرى تنافسها، تنشأ مساحة تسمح لقوى جديدة بالصعود، إذا امتلكت الرؤية والإرادة وأدوات الفعل.

يسمي علماء الاستراتيجية هذه اللحظات “نوافذ الفرص”، وهي فترات انتقالية لا تدوم طويلًا، لكنها تمنح الدول والمجتمعات فرصة لإعادة التموضع قبل أن يستقر النظام الدولي من جديد.

اليوم، يبدو العالم مقبلًا على واحدة من هذه اللحظات، فالتنافس بين الولايات المتحدة والصين، وعودة روسيا لاعبًا رئيسيًا، وتزايد دور القوى الإقليمية، وتراجع نموذج العولمة المفتوحة، كلها مؤشرات على أن النظام الذي تأسس بعد 1412هـ / 1991م لم يعد يعمل بالآليات نفسها، وأن العالم يتجه نحو تعددية أكبر في مراكز القوة.

هذا التحول نحو نظام متعدد الأقطاب يفتح فرصًا وتحديات جديدة، حيث تتوزع القوة بين عدة دول مؤثرة بدلًا من هيمنة قطب واحد، وهو مايجعلنا نسأل: من الذي سيكون مستعدًا للاستفادة من هذا التغيير؟

ليست العبرة بالقوة فقط

يخطئ من يظن أن امتلاك الثروات وحده يصنع الأمم، أو أن عدد السكان كافٍ لبناء النفوذ، خاصة أن التاريخ مليء بدول صغيرة أثرت في مجريات العالم لأنها امتلكت رؤية واضحة، بينما امتلكت أمم أخرى كل عناصر القوة، لكنها بقيت عاجزة عن تحويلها إلى تأثير حقيقي، ولهذا هناك فرق بين القوة الكامنة والقوة الفاعلة.

القوة الكامنة هي ما تمتلكه الدولة من سكان وثروات وموقع جغرافي، أما القوة الفاعلة فهي القدرة على توظيف هذه العناصر ضمن مشروع سياسي واقتصادي وعلمي متماسك.

وهنا تبرز قضية العالم الإسلامي، وعند النظر إلى الخريطة، يتضح أن العالم الإسلامي يمتلك كثيرًا من عناصر القوة التي تتحدث عنها نظريات الجيوبوليتيك.

فهو يمتد عبر قلب العالم، ويربط آسيا وأفريقيا وأوروبا، ويشرف على أهم الممرات البحرية، ويضم جانبًا كبيرًا من احتياطيات النفط والغاز، إضافة إلى كتلة بشرية تتجاوز الملياري نسمة، معظمها من فئة الشباب.

واذا كان الموقع الجغرافي، والموارد البشرية، والثروات الطبيعية، والإرث الحضاري تمثل أبرز مقومات النهوض إذا أُحسن استثمارها، لكن امتلاك المقومات شيء، وتحويلها إلى نفوذ شيء آخر.

فلو كانت الثروات وحدها تكفي، لما بقيت دول غنية بالموارد في ذيل مؤشرات التنمية، ولو كان عدد السكان كافيًا، لكانت أكثر الدول سكانًا هي الأقوى دائمًا.

إن المشكلة ليست في نقص الإمكانات، بل في كيفية إدارتها، ووجود مشروع يلتف حوله الأمة ، بعيدا عن القومية والطائفية.

لماذا بقيت هذه الإمكانات معطلة؟

عند مراجعة العقود الماضية، يبرز عدد من التحديات التي حالت دون تحويل هذه المقومات إلى مشروع نهضوي متكامل.

في مقدمتها غياب المشروع والمرجعية الإسلامية ، مما أدى بالتبيعية إلى الانقسامات السياسية، والصراعات الداخلية، وضعف التكامل الاقتصادي، والاعتماد الواسع على الخارج في التكنولوجيا والصناعة، فضلًا عن غياب رؤية استراتيجية مشتركة بين كثير من أبناء الأمة الإسلامية.

ورغم أن بعض المسلمين حققوا خلال السنوات الأخيرة تقدمًا ملحوظًا في مجالات الصناعة، والتقنية، والبنية التحتية، والتعليم، والاقتصاد، إلا أن هذه الإنجازات ما زالت متفرقة، ولم تتحول إلى مشروع تكاملي واسع يعكس ثقل العالم الإسلامي مجتمعًا.

ليست فرصة بسبب ضعف الآخرين

من الأخطاء الشائعة الاعتقاد أن تراجع الهيمنة الأمريكية يعني تلقائيًا صعود قوى أخرى، لأن التاريخ لا يقاس بهذه البساطة، فانهيار إمبراطورية لا يعني أن وريثها جاهز، إنما يمنح الآخرين فرصة للتنافس.

ولهذا فإن التغيرات الدولية ليست هدية مجانية، بل امتحان للأمم التي تمتلك مشروعًا واضحًا، ومن سيدخل المرحلة الجديدة وهو يملك رؤية، يستطيع أن يوسع نفوذه، أما من يدخلها مشتتًا، فقد يصبح ساحة يتنافس عليها الآخرون بدلًا من أن يكون شريكًا في صناعة النظام الجديد.

لذلن ، فإن المرحلة الحالية تمثل “نافذة فرصة”، لكنها ليست ضمانًا للنجاح، بل فرصة مشروطة بالاستعداد والقدرة على الفعل.

الوعي قبل القوة

غالبًا ما يُختزل مفهوم القوة في السلاح، لكن القوة الحقيقية في الوعي الغائب بين أبناء الأمة الإسلامية ، والبعد عن قراءة تاريخهم الذي يتحدث عن : متى وكيف وأين حكم الإسلام العالم؟.

ولهذا أصبح الوعي الاستراتيجي هو الشرط الأول للنهوض، والمقصود بالوعي هنا ليس كثرة المعلومات، بل فهم طريقة عمل النظام الدولي، وإدراك مصالح القوى الكبرى، والقدرة على قراءة التحولات، وبناء السياسات على أساس طويل المدى بدلًا من الاكتفاء بردود الأفعال، فالأمم الناجحة لا تتحرك لأنها فوجئت بالأحداث، بل لأنها كانت تستعد لها قبل وقوعها.

الرؤية الإسلامية.. بين القيم وبناء الحضارة

من منظور الفكر الإسلامي، لا تنفصل النهضة عن إصلاح الإنسان والمجتمع، فالقرآن الكريم يربط بين التغيير الحضاري والتغيير الداخلي، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].

وفي هذا الإطار، أي مشروع حضاري مستقبلي لا يكتمل بالشعارات، بل يحتاج إلى بناء الإنسان، وترسيخ القيم، وتعزيز العلم، وإقامة مؤسسات قوية، وتحقيق العدالة، مع الاستفادة من أدوات العصر في الإدارة والاقتصاد والتقنية. وهذا يمثل رؤية فكرية داخل النقاش الإسلامي، وبغض النظر عن اختلاف الرؤى السياسية، يبقى هناك اتفاق واسع بين خبراء التنمية والاستراتيجية على أن النهوض المستدام يبدأ من الداخل، عبر الاستثمار في الإنسان، والتعليم، والإنتاج، والابتكار، وبناء مؤسسات قادرة على الاستمرار.

إن التحولات الكبرى لا تبقى مفتوحة إلى الأبد، فبعد سنوات، سيستقر النظام الدولي في صورة جديدة، وستتحدد مواقع القوى الصاعدة، وستنشأ تحالفات طويلة المدى.

النهضة لا تُستورد

من أكثر الأخطاء التي وقعت فيها أمم كثيرة، الاعتقاد بأن النهضة تأتي عبر استيراد النماذج الجاهزة، أو انتظار تغير موازين القوى الدولية ليمنحها مكانة أفضل.

فاليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وكوريا الجنوبية، وسنغافورة، ثم الصين لاحقًا، لم تنهض لأن النظام الدولي قرر منحها القوة، بل لأنها بنت الإنسان، واستثمرت في التعليم، ورفعت الإنتاج، وطورت مؤسساتها، وأحسنت قراءة البيئة الدولية.

ولهذا، فإن أي مشروع نهضوي في العالم الإسلامي لن يبدأ من الخارج، بل من الداخل.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *