باب المندب يدخل دائرة التصعيد.. كيف منحت الحرب الأمريكية على إيران الحوثيين ورقة ضغط جديدة على السعودية؟

ea62d314 89bc 11f1 b5e4 00163e02c055

يشهد البحر الأحمر وباب المندب تصعيدًا متزايدًا مع عودة التوتر بين السعودية وجماعة الحوثيين، في تطور يربطه مراقبون باتساع رقعة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما نتج عنها من تغيرات في خريطة الملاحة النفطية الإقليمية.

ويرى محللون أن تهديد الحوثيين باستهداف الموانئ السعودية وفرض “حصار بحري” على حركة الملاحة منح الجماعة ورقة ضغط استراتيجية، بعدما أصبحت المملكة تعتمد بصورة أكبر على موانئ البحر الأحمر لتصدير نفطها عقب تعطل الملاحة في مضيق هرمز.

تصعيد بدأ بمطار صنعاء

بدأت موجة التصعيد الأخيرة بعد استهداف السعودية مطار صنعاء الدولي، في خطوة جاءت عقب إعلان سلطات صنعاء استئناف الرحلات الجوية المباشرة مع إيران لأول مرة منذ عام 2015.

وبحسب محللين، اعتبرت الرياض هذه الرحلات تجاوزًا لخطوطها الحمراء، خشية أن تؤدي إلى تعزيز النفوذ الإيراني في اليمن أو فتح قنوات مباشرة لنقل الدعم العسكري.

في المقابل، اعتبرت جماعة الحوثيين استهداف المطار تجاوزًا غير مقبول، وردت بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه مدينتي جازان وينبع، كما أعلنت استهداف ناقلات نفط سعودية في البحر الأحمر ضمن ما وصفته بسياسة “الحصار مقابل الحصار”.

باب المندب.. شريان عالمي للطاقة

أعاد التصعيد تسليط الضوء على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.

وقبل اضطرابات الملاحة الأخيرة، كان المضيق ينقل نحو 12% من تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا، إضافة إلى نحو 8% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، ما يجعله ثاني أهم ممر للطاقة في المنطقة بعد مضيق هرمز.

ورغم استمرار عبور بعض ناقلات النفط، فإن أي تصعيد طويل الأمد قد يؤدي إلى اضطرابات كبيرة في سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل وأسعار الطاقة.

السعودية أمام خيارات أكثر ضيقًا

خلال الأسابيع الأخيرة، حولت السعودية نسبة كبيرة من صادراتها النفطية من مضيق هرمز إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بعد تصاعد التوتر في الخليج وإغلاق هرمز جزئيًا أمام الملاحة.

لكن تهديدات الحوثيين باستهداف الموانئ والسفن السعودية في البحر الأحمر وضعت هذا المسار البديل تحت ضغط متزايد، الأمر الذي قد يجبر الرياض على اللجوء إلى طرق بحرية أطول وأكثر تكلفة، تمر عبر قناة السويس ثم البحر المتوسط ورأس الرجاء الصالح قبل الوصول إلى الأسواق الآسيوية.

ويرى مراقبون أن هذا السيناريو قد يزيد تكلفة نقل النفط ويطيل زمن الشحن، حتى لو استمرت الصادرات دون توقف كامل.

ورقة ضغط جديدة للحوثيين

ويعتقد محللون أن الجماعة لا تستهدف إغلاق باب المندب بصورة كاملة، وإنما تسعى إلى إثبات قدرتها على التأثير في حركة التجارة العالمية ورفع الكلفة الاقتصادية على السعودية وحلفائها متى شاءت.

ويأتي ذلك في ظل استمرار الحرب على إيران، حيث أصبح مضيق هرمز محل نزاع، الأمر الذي منح باب المندب أهمية مضاعفة باعتباره المنفذ البديل الرئيس لصادرات النفط السعودية.

وبهذا أصبحت جماعة الحوثيين تمتلك، وفق تقديرات عدد من الخبراء، وسيلة ضغط استراتيجية يمكن استخدامها في أي مفاوضات مستقبلية، سواء مع الرياض أو مع الأطراف الدولية المنخرطة في الصراع.

هل تعود المواجهة الواسعة؟

رغم التصعيد، تشير تقديرات سياسية إلى أن السعودية لا تزال حريصة على تجنب الانخراط في مواجهة شاملة مع الحوثيين، خصوصًا بعد سنوات من الحرب المكلفة التي لم تحقق حسمًا عسكريًا.

لكن استمرار الهجمات على المنشآت النفطية أو السفن التجارية قد يفرض على الرياض إعادة النظر في سياسة ضبط النفس، خاصة إذا تعرضت البنية التحتية للطاقة أو الملاحة الدولية لأضرار واسعة.

في المقابل، أثبت الحوثيون خلال السنوات الماضية قدرة على مواصلة القتال رغم الحملات العسكرية المكثفة، سواء تلك التي قادها التحالف العربي سابقًا أو الضربات الأمريكية اللاحقة.

أمن الطاقة في اختبار جديد

تكشف التطورات الأخيرة أن الحرب الدائرة في المنطقة لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية المباشرة، بل امتدت إلى الممرات البحرية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي.

فمع استمرار التوتر في مضيق هرمز، وتحول باب المندب إلى ساحة ضغط جديدة، تواجه أسواق الطاقة العالمية تحديات متزايدة قد تؤثر في حركة التجارة وأسعار النفط إذا استمر التصعيد.

وفي ظل غياب تسوية سياسية شاملة للحرب في اليمن، واستمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، يبقى أمن البحر الأحمر وباب المندب أحد أكثر الملفات حساسية، ليس بالنسبة لدول المنطقة فحسب، بل للاقتصاد العالمي بأسره.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *