في مثل هذا اليوم الموافق 12 صفر (28 يوليو)، يستحضر متابعو شؤون تركستان الشرقية (إقليم شينجيانغ) إحدى أكثر المحطات مفصلية في تاريخ الإقليم الحديث؛ وهي «أحداث ياركند» 30 رمضان 1435هـ (28 يوليو 2014م).
تلك الواقعة لم تكن مجرد حادث أمني عابر في مقاطعة معزولة جنوب الإقليم، بل كانت —كما يوثق الباحث شون روبتس (Sean R. Roberts) في كتابه المرجعي The War on the Uyghurs— المنطلق العملي والذريعة الكبرى التي اعتمدت عليها بيكين لإطلاق ما سُمي بـ «حملة الضربات الصلبة ضد الإرهاب» (Strike Hard Campaign)؛ وهي المبادرة التي شكلت الإطار التأسيسي لأكبر عملية هندسة ديموغرافية وثقافية في المنطقة خلال القرن الحادي والعشرين.
في السياق: تصادم بين الرواية الرسمية والرواية الميدانية
لإدراك خلفيات أحداث ياركند، ينبغي قراءتها ضمن المناخ الأمني المتردي الذي شهده عام 1435هـ (2014م)؛ حيث سبقتها حوادث عنف ومواجهات في مدن صينية متفرقة (كأحداث محطة قطارات كونمينغ وسوق أورومتشي).
استغلت السلطات الصينية هذا التوتر لتصعيد القبضة الأمنية وتبرير التدخل الموسع. بحسب الرواية الرسمية لبيكين، فإن ما حدث في ياركند كان “هجوماً إرهابياً مناهضاً للاستقرار”، استهدف مقرات حكومية ومراكز للشرطة باستخدام أسلحة بيضاء، وأسفر عن مقتل 96 شخصاً (تصنف السلطات 59 منهم كـ “مهاجمين” و37 كمدنيين ورجال أمن).
غير أن التحقيقات الاستقصائية والتسريبات الصوتية التي وثقها «راديو آسيا الحر (RFA)» عبر اتصالات حية مع أهالي المنطقة، تقدم رواية مغايرة تماماً: لم تبدأ الأحداث بمواجهات مسلحة كما ادعت الرواية الرسمية، بل بمداهمات أمنية تعسفية استهدفت منازل العائلات الإيغورية في قرية (Bashkent) التابعة لقضاء ياركند خلال ليلة القدر والأيام الأخيرة من شهر رمضان.
كان “الذنب” الوحيد لتلك الأسر هو التمسك بمظاهر الهوية الإسلامية؛ من التجمع لقراءة القرآن داخل البيوت، وارتداء النساء للزي الشرعي.
وعندما خرج الأهالي في احتجاجات سلمية غاضبة رفضاً لهذه الانتهاكات المباشرة لرموزهم الدينية، جوبهوا بإطلاق نار حي وعشوائي من القوات الخاصة الصينية. وعلى مدى أسابيع متواصلة، فُرض تعتيم رقمي وأمني كامل؛ حيث قُطعت خطوط الاتصالات والإنترنت بالكامل عن المنطقة، وأُغلقت الطرقات، ليتحول القمع المباشر إلى حصار واستنزاف بشري.
أما تقارير وكالة «رويترز (Reuters)» وتوثيقات «المؤتمر العالمي للإيغور» نقلاً عن شهود عيان ومصادر ميدانية، فتؤكد أن الحصيلة الحقيقية كانت مفجعة: سقوط ما بين 500 إلى أكثر من 2000 قتيل ومعتقل، واختفاء عائلات بأكملها عقب اقتحام وتطويق أكثر من 33 قرية في محيط ياركند، فضلاً عن إعدامات ميدانية تعسفية طالت كل من اتهم بمقاومة السلطات.
التحول الاستراتيجي: من الرصاص إلى الخوارزميات
شكلت أحداث ياركند ختام مرحلة “القمع العسكري المباشر” العالي الكلفة والمكشوف إعلامياً، والستار الصارم الذي أُغلق بعدها على الإقليم. فبدلاً من المواجهات الميدانية، اتجهت بيكين نحو «السيطرة الخوارزمية الهادئة» عبر الاستثمار في نظام مراقبة شامل يتكفل بإدارة الساكنة وتحييد أي نشاط دون تعطيل الحركة الاقتصادية أو إثارة الضجيج الدولي.
صَمَتت التغطيات الميدانية وتوارى الرصاص، لكن أدوات السيطرة لم تتوقف؛ بل انتقلت من الشارع إلى خوارزميات التعرف على الوجوه، وتحليل البيانات الضخمة، والبصمات الجينية.
فكيف تحول الإقليم إلى حقل تجارب مفتوح لتقنيات الذكاء الاصطناعي والمراقبة التنبؤية؟ وكيف أصبحت البيانات الحيوية بديلة للأسلحة التقليدية في إدارة المجتمع؟ هذا ما سنفكك أبعاده التقنية والاستراتيجية في مقالنا القادم…






اترك تعليقاً