لم تعد التحركات العسكرية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية أو في جنوب سوريا تقتصر على تحقيق أهداف أمنية أو تكتيكية آنية، بل تكشف التطورات الميدانية عن نمط متكرر يتمثل في التركيز على السيطرة على مقومات الحياة الأساسية للسكان، وعلى رأسها مصادر المياه، والأراضي الزراعية، والبنية الاقتصادية، بما يمنح الاحتلال أدوات تأثير طويلة الأمد تتجاوز السيطرة العسكرية المباشرة.
السيطرة على المياه… مفتاح النفوذ الاستراتيجي
تُعد المياه أحد أهم محددات الصراع في المنطقة، إذ تعتمد المجتمعات الزراعية في فلسطين وجنوب سوريا بصورة كبيرة على الآبار والينابيع وشبكات الري.
وفي المناطق التي شهدت توغلات إسرائيلية، يلاحظ أن العمليات تتركز بالقرب من:
- الأحواض المائية.
- مجاري الأنهار والأودية.
- الأراضي القابلة للري.
- المناطق المرتفعة المشرفة على مصادر المياه.
ولا تقتصر أهمية المياه على الشرب فحسب، بل تمثل أساس الإنتاج الزراعي واستقرار السكان، وبالتالي فإن التحكم بها يمنح الاحتلال قدرة على التأثير في النشاط الاقتصادي والحياة اليومية.
استهداف القطاع الزراعي
تعتمد مناطق واسعة من جنوب سوريا وقطاع غزة على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل والغذاء.
وتشير الوقائع الميدانية إلى أن كثيراً من التوغلات العسكرية تتم داخل القرى الزراعية، حيث يتعرض المزارعون للتفتيش أو تقييد الحركة أو منع الوصول إلى أراضيهم.
وفي غزة، أسهمت العمليات العسكرية في تدمير مساحات زراعية واسعة ومنشآت إنتاج غذائي، بينما شهد جنوب سوريا تكراراً لدخول القوات الإسرائيلية إلى مناطق زراعية في القنيطرة ودرعا، وهو ما انعكس على قدرة السكان على مواصلة أعمالهم الزراعية.
ويؤدي تعطيل الزراعة إلى آثار متراكمة، من أبرزها:
- انخفاض الإنتاج الغذائي.
- تراجع دخل الأسر الريفية.
- ارتفاع معدلات الاعتماد على المساعدات.
- زيادة معدلات النزوح من المناطق الريفية.
استهداف البنية الاقتصادية
في أكثر من ساحة، امتدت العمليات العسكرية إلى منشآت مدنية وبنى تحتية ترتبط بالحياة الاقتصادية، مثل:
- الطرق والجسور.
- شبكات الكهرباء.
- محطات الطاقة.
- بعض المرافق الصناعية والخدمية.
ويؤدي تعطيل هذه المنشآت إلى إبطاء حركة التجارة ونقل البضائع ورفع تكاليف الإنتاج، وهو ما ينعكس على الاقتصاد المحلي وقدرة المجتمعات على التعافي.
التحكم في حركة السكان
من خلال الحواجز العسكرية ونقاط التفتيش والمناطق العسكرية المغلقة، تستطيع القوات الإسرائيلية التأثير في حركة:
- المزارعين.
- الرعاة.
- العمال.
- نقل المنتجات الزراعية.
وقد اضطرت قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (UNDOF)، وفق تقارير حديثة، إلى إصدار بطاقات تعريف للمزارعين السوريين في بعض المناطق لتسهيل وصولهم إلى أراضيهم وتقليل احتمالات احتجازهم أثناء أعمال الحصاد، وهو مؤشر على حجم القيود المفروضة على النشاط الزراعي.
البعد الديموغرافي
يرى عدد من الباحثين أن التأثير على مقومات العيش قد يدفع بعض السكان إلى مغادرة مناطقهم نتيجة تراجع فرص العمل وصعوبة الوصول إلى الخدمات، وهو ما قد يفضي إلى تغيرات سكانية تدريجية في بعض المناطق المتأثرة بالنزاع.
وقد أثارت تصريحات عدد من الوزراء الإسرائيليين الداعية إلى إعادة إقامة مستوطنات في قطاع غزة، إلى جانب التوسع الاستيطاني المستمر في الضفة الغربية، مخاوف من ارتباط السياسات الميدانية بأهداف ديموغرافية وسياسية بعيدة المدى.
رؤية استراتيجية
في الدراسات العسكرية، يُعرف هذا النمط بأنه التركيز على مراكز الثقل، أي استهداف العناصر التي تمنح المجتمع القدرة على الصمود والاستمرار. وتشمل هذه العناصر:
- الأمن الغذائي.
- المياه.
- الطاقة.
- الاقتصاد.
- البنية التحتية.
- حرية الحركة.
وترى أدبيات الأمن القومي أن إضعاف هذه المقومات قد يقلل من قدرة الخصم على الاستمرار في الصراع، لكنه في الوقت نفسه قد يخلّف آثاراً إنسانية واقتصادية واسعة على السكان المدنيين.
الخلاصة
تُظهر التطورات في غزة وجنوب سوريا أن العمليات العسكرية لا تقتصر على الاشتباك مع أهداف عسكرية، بل تتداخل معها آثار تمس قطاعات المياه والزراعة والاقتصاد والبنية التحتية. ويرى محللون أن السيطرة أو التأثير في هذه المقومات يمنح أي قوة عسكرية نفوذاً يتجاوز المكاسب الميدانية المباشرة، لأنه يؤثر في قدرة المجتمعات على الإنتاج والاستقرار والصمود. ولا شك أن الاحتلال الإسرائيلي يتقدم وفق استراتيجية مدروسة بعناية مقابل جوار لا يزال يستجيب لعدوانه بمجرد التنديد والبيانات السياسية.






اترك تعليقاً