الحليف العسكري الذي لا يقاتل.. لماذا لم تتحرك باكستان لحماية الخليج من الصواريخ الإيرانية؟

GettyImages 2233279183

كشفت وكالة رويترز عن مفاوضات عسكرية تقودها الكويت مع باكستان، لإبرام اتفاقية دفاعية ​موسّعة مقابل التعاون في قطاعَي الطاقة والاستثمار، ويأتي هذا الخبر بعد عام فقط من توقيع السعودية اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان، في وقت ما تزال فيه المنطقة تعيش تداعيات المواجهة الأمريكية الإيرانية، والهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي وصلت إلى عمق الأراضي الخليجية.

وفي ظل ماتشهده المنطقة الآن، يتبادر إلى الجميع سؤالًا: ماذا قدمت باكستان للسعودية بعد الاتفاقية المبرمة معها ، حتى تٌقدم الكويت على نفس الخطوة ، رغم الاعتداءات الإيرانية المتكررة على الأراضي الخليجية؟

تاريخ طويل من التعاون لكنه بعيد عن ساحات القتال

على مدار الشهور الماضية، تم تقديم باكستان في الخطاب السياسي الخليجي باعتبارها “العمق العسكري” للعالم العربي في الشرق، والدولة الإسلامية الوحيدة المسلحة نوويًا القادرة – نظريًا – على تشكيل مظلة ردع في مواجهة أي تهديد إقليمي، وعلى رأسه إيران.

وبالنظر إلى العلاقات العسكرية بين باكستان ودول الخليج نجدها ليست جديدة، فمنذ سبعينيات القرن الماضي، اعتمدت السعودية والإمارات ودول خليجية أخرى على الخبرات العسكرية الباكستانية في مجالات التدريب، وبناء العقيدة العسكرية، وتأهيل الضباط، وحتى تشغيل بعض المنظومات الدفاعية.

بل إن آلاف العسكريين الباكستانيين خدموا داخل السعودية لعقود، ليس كوحدات قتالية مستقلة، وإنما ضمن مهام تدريبية واستشارية، كما شاركت إسلام آباد في حماية بعض المنشآت الحساسة داخل المملكة خلال مراحل مختلفة.

إذن، فالتعاون العسكري موجود بالفعل، لكنه ظل في إطار التدريب، والاستشارات، وبناء القدرات أكثر من كونه تحالفًا قتاليًا.

الجيش الباكستاني.. قوة ضخمة على الورق

يصنف الجيش الباكستاني بين أكبر الجيوش الآسيوية ، فهو يضم نحو 660 ألف عسكري في الخدمة الفعلية، وأكثر من 2570 دبابة قتال رئيسية، وما يزيد على 4600 قطعة مدفعية، وأكثر من 420 مقاتلة حديثة تشمل F-16 الأمريكية وJ-10C الصينية وJF-17 Thunder، وثماني غواصات و12 فرقاطة بحرية، ترسانة صاروخية متنوعة، والأهم ما يقارب 170 رأسًا نوويًا.

وعلى الورق، تبدو هذه القوة قادرة على لعب دور إقليمي كبير، لكن القوة العسكرية وحدها لا تعني بالضرورة استعدادًا للدخول في الحروب.

لماذا لم تتدخل باكستان عسكريًا؟

الجواب لا يتعلق بالقدرة، بل بالحسابات، لأن هناك خمسة اعتبارات رئيسية تفسر الموقف الباكستاني.

أولاً.. لا تريد حربًا مع إيران، حيث تمتلك باكستان حدودًا برية مع إيران تمتد لنحو 900 كيلومتر، وأي مواجهة مباشرة مع طهران قد تفتح جبهة استنزاف جديدة في إقليم بلوشستان المضطرب أصلاً، حيث تنشط جماعات مسلحة على جانبي الحدود، ولذلك تحرص إسلام آباد دائمًا على إبقاء قنوات الاتصال مع طهران مفتوحة.

ثانيًا .. اتفاقيات الدفاع ليست “شيكًا على بياض”، فالكثيرون يتصورون أن “اتفاقية الدفاع المشترك” تعني تدخلاً عسكريًا تلقائيًا، لكن الواقع مختلف.

فمعظم هذه الاتفاقيات تتحدث عن تبادل المعلومات، والتدريب، والتعاون الاستخباراتي، والصناعات العسكرية، والتنسيق الأمني، ولا تتضمن عادة التزامًا قانونيًا بإرسال قوات إلى الحرب.

ثالثًا.. الجيش الباكستاني منشغل بجبهاته الداخلية، فرغم حجمه الكبير، يخوض الجيش الباكستاني منذ سنوات معارك مستمرة ضد “الإرهاب” داخل البلاد، ويؤمن الحدود مع أفغانستان والهند وإيران، وأي تدخل خارجي واسع سيضيف عبئًا ضخمًا على مؤسسة عسكرية لديها بالفعل تحديات أمنية معقدة.

رابعًا.. الاقتصاد يفرض قيوده، حيث تعاني باكستان من أزمات اقتصادية متكررة، واعتماد كبير على قروض صندوق النقد الدولي، والاستثمارات الخليجية، والدعم الصيني، والدخول في حرب إقليمية قد يهدد هذا التوازن بالكامل.

خامسًا.. واشنطن ليست متحمسة، فرغم تحسن العلاقات الأمريكية الباكستانية نسبيًا، فإن الولايات المتحدة لا تبدو راغبة في رؤية قوة نووية إسلامية تدخل مباشرة في أي مواجهة مع إيران، لما قد يحمله ذلك من مخاطر توسع الصراع.

إذن ماذا قدمت باكستان فعليًا للخليج؟

إذا استبعدنا القتال المباشر، فإن الاحتمال الأكبر هو مساهمة باكستان في تدريب آلاف الضباط الخليجيين، وإرسال مستشارين عسكريين، والتعاون الاستخباراتي، والمساهمة في بناء بعض القدرات الدفاعية الجوية. أي أنها كانت شريك بناء للجيوش، لا شريك خوض للحروب.

هل يمكن أن تتدخل مستقبلًا؟

الاحتمال موجود، لكن بشروط صارمة. قد تتحرك باكستان إذا تعرضت دولة خليجية لتهديد وجودي مباشر يهدد بقاء الدولة نفسها، أو إذا جاء التدخل تحت مظلة دولية واسعة، أو إذا اقتصر على الدفاع الجوي وحماية المنشآت الحيوية دون الانخراط في عمليات هجومية داخل الأراضي الإيرانية، أما إرسال فرق مدرعة أو قوات برية للقتال ضد إيران، فيظل احتمالًا ضعيفًا في ظل التوازنات الحالية.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *