أثار تقرير للبنك الدولي حول مشاركة النساء المغربيات في سوق الشغل نقاشًا واسعًا، بعد أن اعتبر أن انخفاض معدل نشاط النساء يمثل “خسارة اقتصادية” للمغرب، وربط جزءًا من هذا التراجع بعوامل اجتماعية وأسرية، من بينها الزواج والإنجاب ومسؤوليات الرعاية داخل المنزل.
وبحسب التقرير، فإن معدل نشاط النساء في المغرب لم يتجاوز نحو 19 في المائة خلال عام 2025، مقارنة بـ 68.5 في المائة لدى الرجال، مشيرًا إلى أن مشاركة النساء تراجعت خلال العقود الماضية رغم ارتفاع مستويات التعليم والتكوين.
ويرى البنك الدولي أن استمرار هذا الوضع يحرم الاقتصاد المغربي من الاستفادة من “رأس مال بشري” مهم، داعيًا إلى توسيع فرص العمل، وتوفير خدمات رعاية الأطفال، وتغيير أنماط العمل بما يسمح بزيادة انخراط النساء في سوق الشغل.
لكن هذه الرؤية تفتح بابًا لنقاش أعمق حول طبيعة المعايير التي تستخدمها المؤسسات الاقتصادية العالمية في تقييم دور المرأة داخل المجتمع، وهل يُختزل نجاح المرأة في قدرتها على التحول إلى عنصر إنتاج داخل الاقتصاد؟
الأسرة ليست عبئًا اقتصاديًا
ينطلق خطاب البنك الدولي من منظور اقتصادي بحت، حيث تُقاس قيمة الفرد غالبًا بما يضيفه إلى الناتج المحلي وسوق العمل. ووفق هذا المنطق، فإن المرأة التي لا تعمل خارج المنزل تُصنف ضمن “القوة الاقتصادية غير المستغلة”.
لكن هذا التصور يتجاهل جانبًا أساسيًا من حياة المجتمعات، وهو أن بناء الأسرة وتربية الأبناء ورعاية البيت ليست أعمالًا بلا قيمة، حتى لو لم تحصل على راتب أو تُحسب في المؤشرات الاقتصادية.
فالأم التي ترعى أبناءها، وتبني شخصياتهم، وتتابع تعليمهم، وتوفر الاستقرار النفسي للأسرة، تؤدي دورًا اجتماعيًا وحضاريًا لا يمكن اختزاله في أرقام اقتصادية. فليست كل قيمة إنسانية قابلة للقياس بالمال أو الإنتاجية.
إشكالية الرؤية الرأسمالية للأسرة
تكمن الإشكالية في أن بعض المقاربات الاقتصادية الحديثة تنظر إلى الأسرة من زاوية أنها عائق أمام مشاركة المرأة في سوق العمل، فتعتبر الزواج والإنجاب عوامل تقلل من “الكفاءة الاقتصادية”.
لكن في الشريعة الإسلامية، لا يُنظر إلى الأسرة باعتبارها مشكلة يجب تجاوزها، بل باعتبارها مؤسسة أساسية في بناء المجتمع. فالأمومة ليست حالة طارئة تعطل المرأة عن دورها، بل رسالة ذات أثر عميق في تكوين الأجيال.
والأسرة في الإسلام تقوم على التكامل بين الأدوار، وليس بالضرورة على فرض نموذج واحد يجعل نجاح المرأة مرتبطًا فقط بالوظيفة خارج المنزل. فالمرأة قد تعمل إذا احتاجت لذلك وتوفرت الظروف المناسبة شرعا لعملها، لكنها ليست مطالبة بإثبات قيمتها عبر التخلي عن مسؤولياتها الأسرية أو التعامل مع الأمومة كعقبة.
هل الحل هو دفع الجميع إلى سوق العمل؟
يدعو البنك الدولي إلى توفير مزيد من الوظائف للنساء، وتحسين خدمات النقل والرعاية، وربط التعليم بسوق العمل.
لكن السؤال الأوسع: هل المشكلة الحقيقية هي انخفاض عدد النساء العاملات، أم أن المشكلة في ضعف قدرة الاقتصاد على توفير بيئة تحترم ظروف النساء؟
فليس كل مجتمع يحتاج بالضرورة إلى أن يكون جميع أفراده داخل سوق العمل طوال الوقت، بل يحتاج إلى اقتصاد يتيح للمرأة التفرغ للأسرة، ولا يجبرها على الجمع بين الاثنين بطريقة تؤدي إلى إنهاكها.
ثم أين الحديث عن الرجال، ومعلوم أن البطالة بين الرجال مرتفعة في المغرب، حيث تبلغ نسبة بطالة الرجال في هذه البلاد حوالي 9.4% وفق أحدث معطيات المندوبية السامية للتخطيط للفصل الأول من سنة 2026، مقابل معدل البطالة الوطني العام الذي بلغ 10.8%.
وتبقى البطالة أعلى بكثير بين الشباب (15–24 سنة) مقارنة بباقي الفئات العمرية.
فإن كان الرجل في مجتمعات مسلمة مكلّف بالإنفاق على أسرته وتحمل مسؤولياتها،
بين الحاجة والضغط الاقتصادي
من المهم التمييز بين أمرين: حاجة المرأة للعمل كالأرملة والمحتاجة والتي لا كفيل لها، وبين تحويل العمل الخارجي إلى معيار وحيد لقيمتها ومكانتها.
ففي كثير من المجتمعات، تضطر النساء إلى العمل ليس بسبب الرغبة، بل بسبب الاحتياجات المعيشة وعدم توفر معيل للأسرة، مما يجعل دخول المرأة إلى سوق العمل ضرورة يفرضها الأمر الواقع، أكثر من كونه خيارًا شخصيًا.
ولهذا فإن معالجة أوضاع النساء لا تكون عبر زيادة أعداد العاملات، بل عبر دعم الأسرة، وتحسين الأجور لمن يعيل الأسر من الرجال، وتوفير بيئة اجتماعية تحمي الأمومة وتمنح المرأة ما يسد حاجتها، كما كان يفعل بيت مال المسلمين في الزمن الماضي.
الخلاصة
إن تقرير البنك الدولي يسلط الضوء على تحديات حقيقية تتعلق بفرص العمل والتعليم والاقتصاد، لكن اختزال دور المرأة في مساهمتها داخل سوق الشغل يعكس رؤية اقتصادية مادية لا تتفق مع خصوصية المجتمعات الإسلامية التي لا تعتبر المرأة وسيلة تكسب، بل مربية للأجيال.
فالمرأة ليست مجرد قوة إنتاجية في الاقتصاد، والأسرة ليست عائقًا أمام التنمية، والأمومة ليست خسارة اقتصادية. بل إن بناء الأسرة ورعاية الأجيال يمثل استثمارًا طويل المدى في الإنسان والمجتمع.
والتحدي الحقيقي ليس إجبار المرأة على الاختيار بين الأسرة والعمل، وإنما بناء مجتمع يمنحها القدرة على أداء أدوارها الأسرية بكرامة، بعيدًا عن ضغط النماذج الاقتصادية التي تقيس الإنسان بما ينتجه لا بما يبنيه.
ومما يزيد من تأزيم واقع المرأة اليوم، أن تُفرض هذه القوانين لاستعباد النساء وتشغيلهن كآلة منتجة في سوق العمل بدعاوى تحرير المرأة بينما النساء اللاتي خضعن لهذه المعايير هن الأولى بالتحرير.
وهذا يوثّق حقبة انقلاب الموازين التي لا علاج لها إلا بشريعة ربانية تحفظ للمرأة خصوصيتها ودورها في المجتمع مٌصانا بعيدا عن ابتذال الرأسمالية.





اترك تعليقاً