أدى النزاع المستمر في السودان إلى تدهور شديد في الغطاء النباتي بولاية الخرطوم، مما دفع خبراء البيئة إلى التحذير من أن إزالة الغابات المتسارعة وفقدان المساحات الخضراء سيؤديان إلى تسارع التصحر، وارتفاع درجات الحرارة في المناطق الحضرية، وتفاقم انعدام الأمن الغذائي.
وقد تسببت الحرب، التي اندلعت في 1444هـ (أبريل 2023م)، في إلحاق أضرار جسيمة بالموارد الطبيعية في العاصمة. إذ تعرضت الحدائق العامة والغابات التاريخية والحدائق النباتية لأضرار واسعة نتيجة العمليات العسكرية، والقطع غير المنضبط للأشجار لاستخدامها كوقود، والانهيار الكامل لخدمات الصيانة والحماية البلدية.
وتُظهر التقييمات البيئية أن تقلص الغطاء الشجري أدى إلى زيادة تكرار العواصف الترابية، وتراجع قدرة التربة على الاحتفاظ بالمياه، وانخفاض حاد في التنوع الحيوي. كما أن فقدان الأشجار، التي تعمل كمصدات طبيعية للرياح ومنظمات للمناخ المحلي، ساهم في زيادة تأثير “الجزيرة الحرارية الحضرية” في أنحاء العاصمة.
ولمواجهة هذا الضرر البيئي، أطلقت إدارة الغابات التابعة لوزارة الزراعة بولاية الخرطوم، بالشراكة مع مشروع استدامة الموارد الطبيعية وسبل العيش، مبادرة لنثر البذور في عدد من المجتمعات الريفية بمحليتي أم درمان وشرق النيل. وبموجب البرنامج، سيقوم العاملون بنثر 2.5 طن من البذور المحسّنة على مساحة 1,250 فدانًا بهدف استعادة المراعي المتدهورة، وزيادة الكتلة الحيوية، ودعم سبل عيش السكان الذين يعتمدون على تربية الماشية.
كما يأمل المنظمون أن يساعد المشروع في الحد من آثار أنماط هطول الأمطار غير المنتظمة المرتبطة بظاهرة النينيو المناخية. وقالت مظاهر علي سعيد، مديرة الشؤون الزراعية بوزارة الزراعة في الخرطوم، لصحيفة سودان تريبيون إن النزاع خلّف آثارًا عميقة على النظام البيئي المحلي. وأضافت أن الوزارة تعمل أيضًا على إعادة تأهيل 173 حوضًا لحصاد مياه الأمطار تضررت خلال المعارك، بهدف تأمين المياه للسكان والماشية.
من جانبه، قال المحلل الاقتصادي عادل عبد العزيز إن موجات الجفاف المتعاقبة، إلى جانب ضغوط الحرب، استنزفت مخزون البذور الطبيعي في التربة. وحذر من أن الرعي الجائر غير المنظم في المناطق المتضررة قد يؤدي إلى استبدال النباتات الرعوية عالية القيمة بأعشاب منخفضة الجودة بشكل دائم، مما يسرّع من تآكل التربة.
وأوضح عبد العزيز أن تدهور المراعي يؤثر مباشرة على إنتاجية الثروة الحيوانية، ويؤدي إلى زيادة معدلات الأمراض وسوء التغذية، وهو ما يرفع تكاليف الأعلاف ويثقل كاهل الأسر الريفية، ويدفع العديد منها إلى بيع قطعانها والهجرة إلى المدن، مما يزيد الضغوط الاقتصادية الحضرية.
وأضاف أن مبادرة نثر البذور لن تحقق النجاح المطلوب ما لم تُقرن بإجراءات لحصاد مياه الأمطار، وتنظيم الرعي، وجمع البذور موسميًا لضمان استدامة المشروع على المدى الطويل.
وقال الخبير البيئي الدكتور طه أحمد لـسودان تريبيون إن استعادة الغطاء الأخضر في الخرطوم تتطلب استراتيجية شاملة تتجاوز مجرد نثر البذور. وأكد ضرورة حماية المناطق المستهدفة من قطع الأشجار والرعي الجائر، إضافة إلى مراقبتها باستمرار لعدة مواسم لضمان نجاح عملية الاستعادة.
ووصف أحمد الأشجار بأنها خط الدفاع الأول ضد التصحر والعواصف الترابية، مشيرًا إلى دورها في امتصاص الكربون وتبريد المناطق الحضرية. وحذر من أن بيئة الخرطوم ستصبح أكثر هشاشة مع مرور الوقت تحت تأثير التغير المناخي العالمي إذا لم تُتخذ إجراءات مستدامة.
وتفيد مجموعات محلية معنية بالحفاظ على البيئة بأن غابة السنط الشهيرة في الخرطوم وحديقة المقرن النباتية، إلى جانب عدد من الأحزمة الخضراء الحضرية، تعرضت لتدهور كبير بسبب المعارك العنيفة وعمليات قطع الأشجار غير القانونية منذ اندلاع الحرب.
وكان السودان يُعد أصلًا من أكثر الدول عرضة للتصحر قبل اندلاع النزاع، نتيجة التغير المناخي وموجات الجفاف المتكررة والاعتماد الكبير على الحطب كمصدر للوقود. وقد أدت الحرب إلى تفاقم هذه المشكلات البيئية بشكل كبير.
ووفقًا لتقرير صادر عام 1447هـ (2026م) عن الهيئة القومية للغابات وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، فإن إزالة الغابات في السودان تؤدي إلى إطلاق أكثر من 9.3 ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، بينما يضيف تدهور الغابات نحو 1.6 مليون طن أخرى، مما يضعف بشكل كبير قدرة النظم البيئية الطبيعية في البلاد على امتصاص الكربون.
المصدر: سودان تربيون.





اترك تعليقاً