سياسات التغريب الممنهج وتوثيق جرائم الإلحاق والتبعية المالية
وصل للأخبار | الاحتلال الفرنسي للبنان
يوثق هذا الفصل الحقائق التاريخية لجرائم الاحتلال الفرنسي في لبنان، ويفكك مكائده العسكرية، والسياسية، والاقتصادية، والثقافية التي استهدفت في مقامها الأول دين الناس وعقيدتهم. ويكشف النص كيف سعى المحتل الغربي بكل أدواته العسكرية والإدارية إلى إلحاق الضرر المباشر بالمنظومة الإيمانية للأهالي وتجريف هويتهم الإسلامية؛ حيث أقدم على مضاعفة الرقعة الجغرافية لجبل لبنان الضيق وتوسيع حدوده قسراً عبر قضم واقتطاع الثغور الساحلية والحواضر والسهول الخصيبة المحيطة به، ليصنع كياناً مصطنعاً يسهل فيه استضعاف المسلمين وعزلهم عن عمقهم الشامي الطبيعي.
ويركز الفصل بالوقائع الموثقة على رصد آليات فرض سياسة الأمر الواقع عبر نظام التفتيت الإداري الممنهج، والذي سُنَّ خصيصاً لفصم الروابط العقدية وتمزيق الوحدة الإسلامية والأخلاقية للشعب المسلم. كما يسلط الضوء على حرب التغريب التي شنها المحتل لمحاربة اللسان العربي لغة القرآن الكريم، والتضييق الصارم على شعائر العفة والحشمة ولباس المسلمة، بالتوازي مع مكيدة التبعية الاقتصادية وقرصنة المقدرات عبر ربط النقد بالفرنك الفرنسي لإشغال الناس في أقواتهم، بهدف إحلال النعرات الوطنية والحدود الوهمية مكان الولاء لله ورسوله والمؤمنين، لضمان إضعاف ديار الإسلام وتثبيت نفوذ الغرب.
أولاً: التمهيد للاحتلال والتفتيت الجغرافي
بدأت المؤامرات الغربية لسلخ المدن الساحلية لبلاد الشام مبكراً؛ حيث أكدت فرنسا مصالحها الاحتلالية في المنطقة خلال مباحثاتها السرية مع بريطانيا في اتفاقية (سايكس-بيكو) عام 1334هـ الموافق عام 1916.
وفور انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1337هـ الموافق عام 1918، أرسلت الحكومة العربية شتَّى الإداريين لترسيخ الوحدة في بيروت وجبل لبنان، إلا أن هذه الإجراءات قوبلت باعتراض عسكري مباشر من الجنرال الغربي “اللنبي”، الذي أقدم على تقسيم المنطقة إلى ثلاث مناطق عسكرية، واضعاً جغرافية لبنان ضمن المنطقة الغربية الخاضعة للنفوذ والسيطرة الفرنسية المباشرة.
ولم يلبث المحتل الفرنسي أن أحكم قبضته العسكرية؛ فأقدم على إسقاط الحكومة العربية في بيروت، وإنزال العلم العربي عن الدوائر الرسمية بقوة السلاح، بدعوى انتظار ما يقرره مؤتمر الصلح بشأن البلاد العربية. وفي عام 1338هـ الموافق عام 1920، جاء “مؤتمر سان ريمو” ليحسم القضية بفرض الانتداب والاحتلال الفرنسي رسمياً على سورية ولبنان كدولتين منفصلتين.
وفي ذات العام 1338هـ الموافق عام 1920، وفور احتلاله العسكري لمدينة دمشق، أعلن الجنرال الفرنسي “غورو” عن إحداث “دولة لبنان الكبير”، وتوسيع حدوده الجغرافية قسراً عبر قضم حواضر إسلامية عريقة ومدن ساحلية رئيسية شملت (طرابلس، وبيروت، وصيدا، وصور)، إضافة إلى أقضية البقاع وبعلبك، ومنطقة عكار شمالاً، وأقضية حاصبيا وراشيا، وإلحاقها جميعاً بمركز جبل لبنان الضيق، معلناً بيروت عاصمة لهذا الكيان المصطنع، بهدف عزل هذه الحواضر والمدن عن امتدادها الشامي الطبيعي، وحشر السكان في إطار إداري يفصمهم عن أمتهم الكبرى ويضعف وزنهم الديموغرافي والسياسي.
ثانياً: سياسات الإخضاع الإداري والقرصنة المالية
عمدت سلطات الاحتلال الفرنسي إلى ترسيخ نفوذها عبر منظومة من الإجراءات الإدارية والاقتصادية الجائرة التي استهدفت البنية المجتمعية والمالية للبلاد، وتمثلت أبرز هذه السياسات في:
– تفكيك النسيج الإسلامي: سعى الاحتلال إلى ضرب الوحدة الإسلامية عبر إذكاء الانقسامات وتعميق الفروقات بين أبناء المجتمع المسلم الواحد، حيث أبقى على المجالس الإدارية القائمة على المحاصصة التفكيكية لترسيخ الفرقة وتكريسها دستورياً بدلاً من الهوية الإسلامية الجامعة.
– الغزو الثقافي والفرنسة: فرض الاحتلال اللغة الفرنسية كلغة رسمية للبلاد إلى جانب اللغة العربية، ووظف المناهج والتعليم الإرسالي الأجنبي لتغريب الناشئة وإحلال ثقافة المحتل لغةً وفكراً وتنحية لغة الوحي الشريف.
– القرصنة والتبعية النقدية: أنشأ المحتل “مصرف سورية ولبنان الكبير” وربط النقد المحلي كلياً بالفرنك الفرنسي، مما جعل مدخرات الأهالي وأقواتهم رهينة لتقلبات الاقتصاد الفرنسي وعجزه، مسبباً إفقاراً حاداً للتجار والفلاحين لشل قدرتهم على الممانعة.
– السيطرة الإدارية المباشرة: عيَّن الاحتلال حاكماً إدارياً فرنسياً طاغوتًا يمتلك سلطات مطلقة وحق النقض في التعيين والتشريع في غير ما أنزل الله ليضيق على المسلمين دينهم، وجعل معظم الوظائف العليا في الجهاز الإداري حكراً على الموظفين الفرنسيين الذين تقاضوا رواتب ضخمة تُقتطع من أموال الضرائب المحلية والمصالح المشتركة كالجمارك.
ثالثاً: القمع العسكري وتوثيق المجازر والتهجير القسري
لم يتوقف تثبيت الكيان المصطنع عند الترسيم السياسي والنهب المالي، بل صاحبه بطش عسكري دموي مارسته قوات الاحتلال الفرنسي لإخضاع المناطق الرافضة لسياسات الإلحاق والتفتيت، عقاباً للسكان على تمسكهم بهويتهم الإسلامية ورفضهم الانفصال عن عمق بلاد الشام، وتوزعت هذه الجرائم على محطتين رئيسيتين:
اقرأ أيضًا: احتلال العراق في القرن العشرين من قبل بريطانيا وفرنسا
– حملات اجتياح الجنوب والبقاع (عام 1338هـ الموافق عام 1920): فور صدور قرارات الجنرال “غورو”، جردت القيادة العسكرية الفرنسية أرتالاً مسلحة بكافة الأسلحة الثقيلة لاجتياح مناطق جنوب لبنان والبقاع التي تمسكت بهويتها ورفضت التبعية للاحتلال الغربي. وأسفرت هذه الحملات الصارمة عن ارتكاب إعدامات ميدانية مباشرة بحق الأهالي، وإحراق وتدمير قرى كاملة ومصادرة أرزاقها، مما أدى إلى تهجير قسري لآلاف العائلات التي فرت من بطش الآلة العسكرية الفرنسية نحو الداخل، لتبدأ رحلة شتات قاسية جردتهم من ممتلكاتهم وديارهم.
– سياسة الأرض المحروقة وقصف الحواضر (عام 1344هـ الموافق عام 1925 إلى عام 1345هـ الموافق عام 1926): مع اتساع رقعة الرفض والمواجهة ضد المحتل لرفع عادية البغي، واجهت الإدارة الفرنسية المدنيين في مناطق راشيا وحاصبيا والبقاع وجبل عامل بعقوبات جماعية جائرة. واستخدم جيش الاحتلال سلاح الجو والمدفعية الثقيلة لقصف البلدات الآهلة بالسكان؛ حيث تعرضت بلدة “راشيا” وقرى المحيط لقصف مدمر هدم البيوت فوق رؤوس ساكنيها مخلفاً مجازر مروعة بين العزل، وتبعت ذلك موجات نزوح جماعي وهجرة قسرية للمستضعفين الذين تركوا أراضيهم وزراعاتهم التي أحرقها المحتل بالكامل لإجبارهم على الإذعان، مما تسبب في تفكيك كامل للاستقرار البشري للسكان في تلك المناطق الإسلامية.
رابعاً: الانتفاضات الشعبية
– حركات الرفض المسلح عام 1338هـ الموافق عام 1920
– امتداد حركات المواجهة: تزامناً مع الثورات السورية الكبرى.
خامساً: مشروع معاهدة عام 1355هـ الموافق عام 1936 وشروط الإذعان
أمام تصاعد الغليان الشعبي، حاولت فرنسا التفافاً سياسياً عبر التفاوض مع الحكومة في لبنان لتوقيع مشروع معاهدة عام 1355هـ الموافق عام 1936 لتنظيم العلاقات، إلا أن بنودها جاءت مكرسة للاستباحة والتبعية المطلقة، حيث اشترطت المعاهدة:
1. وضع القوات الفرنسية في لبنان تحت إمرة الحكومة المحلية شكلياً، مع تشكيل فرقة عسكرية مشتركة تكون نواتها صلب القوات الفرنسية، بذريعة تقديم بعثة عسكرية لتنظيم شؤون الدفاع.
2. جعل أرض لبنان بالكامل تحت تصرف القوات الفرنسية وتحركاتها العسكرية دون تحديد فترة زمنية تضبط هذا التواجد.
3. إلزام الحكومة بتقديم كافة التسهيلات العسكرية واللوجستية في الموانئ، والمطارات، وشبكات المواصلات والاتصالات لصالح جيش الاحتلال، مع فرض شروط مجحفة تتعلق بالمحافظة على امتيازات جماعات معينة عزلها المحتل عن عمقها.
أثارت هذه الشروط الجائرة واستجابة الحكومة لها موجة سخط عارمة، واندلعت صدامات مسلحة واحتجاجات حاشدة في مدينتي بيروت وطرابلس رفضاً للإذعان.
ميزان السنن وعبرة المآل
إن استقراء فصول الاحتلال الفرنسي لكيان لبنان المصطنع يكشف بجلاء كيف تتحرك مكائد البغي الغربي لضرب عُرى الإسلام وتفتيت دياره؛ فلم يكن عزل المدن الساحلية والحواضر الإسلامية عن امتدادها الشامي الطبيعي، أو قرصنة المقدرات المالية والإنتاجية بربط النقد بالفرنك، إلا واجهة لحربٍ أعمق استهدفت الهوية العقائدية والمنظومة الأخلاقية عبر فرنسة التعليم، ومحاربة لسان القرآن، والتضييق على شعائر العفة والاحتشام.
ويورث هذا الحصاد التاريخي أجيال الأمة بصيرة شرعية ويقينًا قاطعًا؛ بأن الوهن لا يرتفع عن ديار الإسلام، ولا تتحقق السيادة الحقيقية بالارتماء في أحضان الاتفاقيات والمعاهدات الجائرة التي تُكرس بقاء جيوش المحتل وتستبيح المطارات والموانئ، أو بالانكفاء خلف الحدود الوهمية والنعرات الوطنية الضيقة التي خطها الجنرالات الفرنسيون لتمزيق الجسد الواحد وإحلالها مكان الرابطة الإيمانية الجامعة.
إن المخرج والدرع الحصين لمواجهة مشاريع البغي الغربي يكمن في تجريد التوحيد لله تعالى، والاعتصام التام بالكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، وتثبيت ركيزة الولاء والبراء ليكون خالصاً لله ورسوله والمؤمنين؛ فبذلك وحده تسترد الأمة وعيها المسلوب، وتتحرر من أصفاد التبعية الفكرية الاقتصادية للاحتلال.





اترك تعليقاً