أعاد تعيين الفريق أول ياسر العطا رئيسًا لهيئة أركان القوات المسلحة السودانية تشكيل موازين القوة داخل الجيش، بعد أن بدأ القائد العسكري الجديد بإعادة ترتيب مواقع القيادة عبر الدفع بضباط تربطهم به علاقات طويلة داخل المؤسسة العسكرية، في خطوة تعكس توجهًا لتعزيز الانسجام الداخلي في صفوف الجيش خلال الحرب المستمرة مع قوات الدعم السريع.
صعود العطا إلى قيادة الجيش
تولى ياسر العطا منصب رئيس هيئة الأركان في أبريل/نيسان 2026 بقرار من قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، خلفًا للفريق أول عثمان الحسين، ضمن أكبر عملية إعادة هيكلة للقيادة العسكرية منذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع عام 2023.
ويُعد العطا من أبرز الشخصيات العسكرية التي برزت بعد سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير عام 2019، حيث كان عضوًا في المجلس العسكري الانتقالي ثم في مجلس السيادة الانتقالي، قبل أن يصبح أحد المقربين من البرهان داخل قيادة الدولة والجيش.
دائرة موالية من ضباط الحروب
وفق تقرير لموقع أفريكا أنتلجنس، بدأ العطا بعد توليه المنصب في بناء قيادة عليا للجيش تعتمد على مجموعة من الضباط الذين خاضوا تجارب عسكرية سابقة، ويرتبط بعضهم بشبكات سياسية وإقليمية مختلفة، بما في ذلك شخصيات ذات صلات بالإسلاميين المحسوبين على عهد البشير.
ويشير هذا التحرك إلى محاولة من قيادة الجيش لضمان تماسك المؤسسة العسكرية في مرحلة شديدة الحساسية، حيث تخوض القوات المسلحة حربًا مفتوحة ضد قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بـ”حميدتي”.
خيار الحسم العسكري بدل التفاوض
منذ ما قبل تعيينه، كان العطا من أبرز الأصوات داخل قيادة الجيش التي تؤكد أن إنهاء الحرب يجب أن يكون عبر الحسم العسكري، رافضًا تقديم تنازلات سياسية لقوات الدعم السريع. ويرى أنصار هذا النهج أن أي تسوية قبل تفكيك القوة العسكرية المنافسة قد تهدد مستقبل الدولة السودانية، بينما يرى منتقدوه أن استمرار الخيار العسكري يطيل أمد الحرب ويزيد معاناة المدنيين.
صراع النفوذ داخل المؤسسة العسكرية
لا تأتي إعادة ترتيب قيادة الجيش بمعزل عن الصراع الأوسع على مستقبل السودان، إذ تحولت الحرب بين الجيش والدعم السريع إلى مواجهة تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية.
فبينما يسعى الجيش إلى الحفاظ على مؤسسات الدولة التقليدية وقيادته المركزية، تحاول قوات الدعم السريع تثبيت نفوذها في مناطق واسعة من البلاد. وقد أدى ذلك إلى انقسام حاد داخل السودان، مع تزايد المخاوف من تحول الحرب إلى صراع طويل الأمد.
كما ارتبط اسم العطا خلال الفترة الأخيرة بخلافات إقليمية، إذ كان من المسؤولين السودانيين الذين وجهوا انتقادات لدول اتهمها الجيش بدعم قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها تلك الدول.
مستقبل الجيش والحرب
تعكس اختيارات ياسر العطا في إعادة تشكيل القيادة العسكرية توجهًا نحو تعزيز جناح داخل الجيش يرى أن الأولوية هي إعادة بناء القوة العسكرية وتحقيق تفوق ميداني قبل أي تسوية سياسية.
لكن استمرار الحرب يضع القيادة الجديدة أمام تحديات كبيرة، أبرزها الحفاظ على وحدة الجيش، إدارة الضغوط الاقتصادية والإنسانية، والتعامل مع سؤال سياسي أكبر: هل يمكن إنهاء الصراع عبر القوة العسكرية وحدها، أم أن مستقبل السودان سيحتاج في النهاية إلى اتفاق سياسي شامل؟
وفي ظل غياب حل قريب، يبدو أن المؤسسة العسكرية السودانية تدخل مرحلة جديدة عنوانها تركيز القيادة وتوحيد الصفوف استعدادًا لحرب طويلة، بينما يبقى مستقبل الدولة السودانية مرهونًا بمآلات هذا الصراع المفتوح.





اترك تعليقاً