لماذا يصف كثير من الفرنسيين إيمانويل ماكرون بأنه “أسوأ رئيس”؟ قراءة في أسباب التراجع السياسي والشعبي

1650207.jpeg

لم يكن مشهد زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق حدثًا معزولًا عن الجدل الذي يحيط به داخل فرنسا. فبينما يسعى ماكرون إلى تقديم نفسه بوصفه أحد أبرز القادة الأوروبيين على الساحة الدولية، تتزايد في الداخل الفرنسي الأصوات التي تصفه بأنه من أكثر الرؤساء إثارةً للانقسام في تاريخ الجمهورية الخامسة، حتى إن بعض معارضيه يذهبون إلى وصفه بـ”أسوأ رئيس فرنسي”.

ورغم أن هذا الوصف يبقى حكمًا سياسيًا يعكس آراء شريحة من الفرنسيين، فإن استطلاعات الرأي المتكررة أظهرت بالفعل تراجعًا حادًا في شعبيته، نتيجة تراكم أزمات داخلية وخارجية وضعت رئاسته تحت ضغوط مستمرة.

إصلاحات اقتصادية أشعلت الشارع

منذ وصوله إلى قصر الإليزيه عام 2017، تبنى ماكرون برنامجًا اقتصاديًا ليبراليًا ركز على إصلاح سوق العمل، وتقليص الإنفاق العام، وإعادة هيكلة نظام التقاعد.

لكن هذه الإصلاحات واجهت رفضًا واسعًا من النقابات وشرائح كبيرة من المجتمع، التي رأت أنها تميل إلى خدمة أصحاب رؤوس الأموال أكثر من الطبقات المتوسطة والفقيرة.

وكانت أزمة رفع سن التقاعد من 62 إلى 64 عامًا أبرز محطات الغضب الشعبي، خصوصًا بعدما استخدمت الحكومة المادة 49.3 من الدستور لتمرير القانون دون تصويت كامل في البرلمان، الأمر الذي اعتبره منتقدوه تجاوزًا للإرادة البرلمانية، وأدى إلى أشهر من الاحتجاجات والإضرابات.

احتجاجات السترات الصفراء

image 7

شكّلت حركة “السترات الصفراء” واحدة من أكبر التحديات التي واجهت ماكرون.

فما بدأ عام 2018 احتجاجًا على زيادة الضرائب على الوقود، تحول سريعًا إلى حركة اجتماعية واسعة ضد غلاء المعيشة واتساع الفجوة الاقتصادية بين العاصمة والأقاليم.

وشهدت فرنسا خلال تلك الفترة مواجهات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن، ما ألحق ضررًا كبيرًا بصورة الحكومة داخليًا وخارجيًا.

أزمة الثقة مع الفرنسيين

يرى كثير من منتقدي ماكرون أنه يقدم نفسه بوصفه رئيسًا تكنوقراطيًا قريبًا من النخب الاقتصادية أكثر من قربه من المواطنين العاديين.

وقد ساهمت تصريحاته المثيرة للجدل في ترسيخ هذه الصورة، إذ اتهمه معارضوه أحيانًا بالتعالي على الفئات الفقيرة والطبقة العاملة، وهو ما انعكس في تراجع مستويات الثقة به خلال ولايتيه.

برلمان منقسم وصعوبات سياسية

أدت الانتخابات التشريعية إلى فقدان معسكر ماكرون الأغلبية المطلقة في البرلمان، الأمر الذي جعل تمرير القوانين أكثر صعوبة، واضطر الحكومة إلى الاعتماد على أدوات دستورية استثنائية في بعض الملفات.

ويرى محللون أن هذا الضعف البرلماني كشف تراجع النفَس السياسي الذي رافق بدايات عهده.

الهجرة والأمن

واجهت الحكومة انتقادات من اتجاهين متناقضين؛ فاليمين يتهمها بالتساهل في ملفات الهجرة والأمن، بينما ترى قوى اليسار أن بعض السياسات الأمنية والهجرية أصبحت أكثر تشددًا وتمس الحريات العامة.

هذا التناقض جعل ماكرون يخسر دعم شرائح من الطرفين، دون أن ينجح في بناء توافق سياسي واسع.

السياسة الخارجية… حضور دولي ونتائج محل نقاش

image 8

على المستوى الخارجي، حاول ماكرون تقديم فرنسا باعتبارها قوة دبلوماسية مستقلة داخل أوروبا، ولعب أدوارًا بارزة في ملفات أوكرانيا والشرق الأوسط وأفريقيا.

إلا أن هذه السياسة واجهت انتقادات متزايدة، خاصة بعد تراجع النفوذ الفرنسي في منطقة الساحل الإفريقي، وانسحاب القوات الفرنسية من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، في ظل تصاعد المشاعر المناهضة لفرنسا في عدد من دول المنطقة.

كما تعرض لانتقادات بسبب مواقفه من الحرب على غزة، حيث اعتبره بعض الفرنسيين مترددًا في البداية، بينما رأى آخرون أنه لم ينجح في الحفاظ على توازن واضح بين الدعم للاحتلال الإسرائيلي والدعوات لحماية المدنيين الفلسطينيين.

أزمات متلاحقة

image 9

تزامنت رئاسة ماكرون أيضًا مع سلسلة من الأزمات الكبرى، من بينها:

  • جائحة كورونا وما رافقها من قيود وإجراءات استثنائية.
  • أزمة الطاقة والتضخم بعد الحرب الروسية الأوكرانية.
  • تزايد الدين العام وارتفاع تكاليف المعيشة.
  • تصاعد الاستقطاب السياسي وصعود اليمين القومي بقيادة مارين لوبان، إلى جانب تنامي حضور اليسار الراديكالي.

الرئيس المثير للسخرية

image 10

ومن أكثر الملفات الشخصية التي لاحقت ماكرون وأثرت في صورته العامة، الجدل المتكرر حول علاقته بزوجته بريجيت ماكرون، التي بدأت حين كان عمره 15 سنة وكانت حينها معلمته في المدرسة وعمرها قرابة 40 سنة، قبل أن يتزوجا لاحقًا. وقد تحولت هذه العلاقة إلى مادة دائمة للإعلام ومنصات التواصل، لا سيما لدى معارضيه داخل فرنسا وخارجها.

وزاد الجدل في عام 2025 بعد انتشار مقطع مصور بدا فيه أن بريجيت دفعت وجه ماكرون بيديها أثناء نزولهما من الطائرة الرئاسية، وهو ما أثار موجة واسعة من التعليقات والتكهنات حول طبيعة العلاقة بينهما، رغم تأكيد قصر الإليزيه أن المشهد كان مجرد مزاح بين الزوجين.

كما استغل خصوم ماكرون الواقعة للسخرية منه، فيما علق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاحقًا مازحًا بقوله إنه “عليه أن يتأكد من أن الباب يبقى مغلقًا”، مضيفًا أن ماكرون “بخير وأنهما زوجان رائعان”، وهو تعليق حظي بتغطية إعلامية واسعة. ومع ذلك، بقيت معظم الروايات الأخرى المتداولة على مواقع التواصل، بما فيها مزاعم تعرضه المتكرر للضرب أو وجود كدمات يخفيها بالنظارات الشمسية، التي استمرت في تغذية الجدل حول حياته الشخصية كرئيس مغلوب على أمره.

أكبر خطأ تاريخي لماكرون الإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم

image 11

ومن أكثر المواقف التي أثرت في صورة ماكرون لدى قطاعات واسعة من المسلمين موقفه خلال أزمة الرسوم المسيئة للنبي ﷺ عام 2020، عندما دافع عن حق نشر تلك الرسوم باعتبارها جزءًا من حرية التعبير في فرنسا ومن قيم الجمهورية الفرنسية.

وقد أثارت تصريحاته وسماحه بنشر الرسوم المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم حملة غضب كبيرة في العالم الإسلامي أعقبتها، احتجاجات ومقاطعات لمنتجات فرنسية في عدد من الدول الإسلامية، كما ترك موقفه المهين للمسلمين، أثرًا سلبيًا على صورته في العالم الإسلامي، حيث اتهم الرئيس الفرنسي بالنفاق، لأنه لم يوازن بين حرية التعبير واحترام المعتقدات الدينية. وضربوا مثالا عن حرصه على تشديد العقاب على معاداة السامية باعتبارها خطا أحمرا في القانون الفرنسي، بينما يستباح حق المسلمين وتُبرر المجاهرة بمعاداتهم والإساءة لمقدساتهم.

ومنذ تلك الأزمة بقي اسم ماكرون مرتبطًا في العالم الإسلامي بحقد العلمانية الفرنسية وحدود حرية التعبير المسيّسة لتبرير الحرب على الإسلام ونبي الإسلام صلى الله عليه وسلم. وهو الخطأ الذي لا يغتفر لماكرون وحُفر في سجل كوارثه الرئاسية.

متلازمة الأزمات الماكرونية

ومن الملفات التي تركت أثرًا كبيرًا على صورة ماكرون خارجيًا، تصريحاته حول الإسلام خلال عام 2020، عندما قال إن “الإسلام يعيش أزمة في كل مكان في العالم”، في خطاب تحدث فيه عن ما وصفه بـ”الانفصال عن الجمهورية” ومواجهة التيارات التي وصفها بـ “المتطرفة”.

وأثارت العبارة غضبًا واسعًا في العالم الإسلامي، واعتبرها كثيرون حربًا مقصودة على الإسلام والمسلمين. وجاءت هذه التصريحات بالتزامن مع أزمة الرسوم المسيئة للنبي ﷺ، ما جعلها تتحول إلى واحدة من أكبر الأزمات الدبلوماسية في عهده مع دول وشعوب إسلامية.

ويرى منتقدو ماكرون أن هذه المرحلة كشفت ضعف قدرته على إدارة العلاقة مع المكونات الدينية والثقافية خارج فرنسا، بينما يرى أنصاره أنه كان يدافع عن نموذج العلمانية الفرنسية وحرية التعبير. ومع ذلك، بقيت تلك التصريحات نقطة تحول في صورته لدى قطاعات واسعة من المسلمين، وأصبحت جزءًا من الجدل الأوسع حول سياساته الداخلية والخارجية.

وقد أعقبت تصريحاته عن الإسلام سلسلة من الأزمات التي واجهتها فرنسا في ظل قيادة ماكرون المضطربة، ما جعله محلَّ انتقادات وسخرية واسعة. وبدأت هذه الأزمات بخروج فرنسا من منطقة الساحل وفقدانها نفوذها وقواعدها العسكرية هناك، ثم تصاعدت الاحتجاجات في الشارع الفرنسي، وصولًا إلى تراجع شعبية ماكرون بشكل كبير داخل بلاده.

ويبقى ماكرون “أسوأ رئيس”

وصف ماكرون بأنه “أسوأ رئيس فرنسي” لا يمنع من أن هناك أيضًا من يرى أنه نجح في الحفاظ على نمو اقتصادي نسبي مقارنة ببعض الاقتصادات الأوروبية، وخفّض معدلات البطالة إلى مستويات أدنى مما كانت عليه عند توليه السلطة، وعزز دور فرنسا داخل الاتحاد الأوروبي.

لكن في المقابل، يرى منتقدوه أن هذه الإنجازات لم تنعكس بصورة كافية على حياة المواطنين، وأن أسلوبه في الحكم، واعتماده المتكرر على الإجراءات الاستثنائية، وفشله في احتواء الاحتجاجات، كلها عوامل جعلت شعبيته تتراجع بصورة ملحوظة.

في النهاية، يبدو أن إرث إيمانويل ماكرون سيظل محل جدل طويل داخل فرنسا؛ فأنصاره يعتبرونه رئيسًا إصلاحيًا اتخذ قرارات صعبة لمواجهة تحديات معقدة، بينما يرى خصومه أنه عمّق الانقسام الاجتماعي والسياسي، وترك البلاد أكثر استقطابًا مما كانت عليه عند وصوله إلى السلطة. وبين هذين التقييمين، يبقى الحكم النهائي متعلقا بدرجة مصداقية شعاراته التي رفعها، وسيبقى موقفه العدائي من النبي صلى الله عليه وسلم العار الذي لا يُمحى وسبب سقوطه الأنكى.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *