يوسف بن تاشفين.. عبقريةُ القيادة في بناء الدولة وإنقاذ الإسلام في الأندلس

المرابطون ودورهم في نشر الإسلام في قارة أفريقيا.jpg

توفي يوسف بن تاشفين في الأول من محرم سنة 500هـ، الموافق تقريبًا 2 سبتمبر/أيلول 1106م، عن عمر ناهز المئة عام بحسب أكثر الروايات التاريخية. بعد مسيرة حافلة بالدروس والعبر وصناعة القائد والدولة والحضارة، نحاول فيما يلي استذكار بعض الخلاصات منها لعلها تنفع.

ثمرات القيادة الفذّة

ليست عظمة القادة فيما يبرزونه من مهارات صناعة النصر في المعارك فحسب، وإنما فيما يبنونه من دولٍ تبقى بعدهم تؤمن استمرار صناعة النصر في المعارك المقبلة. فكثيرون انتصروا في ميدان القتال، لكن قليلين هم الذين استطاعوا تحويل ذلك النصر إلى نظامٍ سياسي، ووحدةٍ حضارية، ودولةٍ قادرة على الاستمرار.

ومن هؤلاء القلة يبرز اسم أمير المرابطين يوسف بن تاشفين، الذي ترك واحدة من أعظم التجارب السياسية في تاريخ الإسلام.

يربط كثير من الناس اسم يوسف بن تاشفين بمعركة الزلاقة، ويكاد هذا النصر يختزل سيرته كلها، مع أن الزلاقة لم تكن إلا ثمرةً لشجرةٍ زرعها قبل ذلك بعشرات السنين؛ شجرة اسمها دولة المرابطين.

فقد خرج يوسف بن تاشفين من بيئة صحراوية فقيرة، ينتمي إلى قبيلة لمتونة الصنهاجية، في وقت كانت فيه بلاد المغرب تعيش انقسامًا سياسيًا واسعًا، وتتنازعها الإمارات والقبائل. لكن مدرسة المرابطين، التي أسسها الشيخ عبد الله بن ياسين، لم تُخرّج مجرد مقاتلين، وإنما خرّجت رجال دولة؛ يجمعون بين العقيدة والانضباط، وبين العلم والسياسة، وبين الزهد والإدارة.

وحين عهد إليه ابن عمه أبو بكر بن عمر بقيادة الدولة، لم يتعامل مع السلطة بوصفها غنيمة، بل بوصفها مشروعًا طويل النفس.

فبدأ أولًا بتوحيد الداخل قبل التفكير في التوسع.

وأخضع القبائل المتفرقة لسلطان دولة واحدة، وأمّن طرق التجارة الصحراوية، وربط بين المغرب الأقصى وبلاد الصحراء، حتى أصبحت الدولة المرابطية تمتد من ضفاف نهر السنغال جنوبًا إلى البحر المتوسط شمالًا، ومن المحيط الأطلسي غربًا إلى تخوم الجزائر شرقًا.

ثم أسس مدينة مراكش، ولم تكن مجرد عاصمة جديدة، بل مركزًا سياسيًا وعسكريًا وإداريًا لدولة صاعدة، استطاعت خلال سنوات قليلة أن تصبح القوة الإسلامية الأكبر في الغرب الإسلامي.

وهنا تتجلى أولى عبقرياته القيادية.

فالقادة الأفذاذ لا ينشغلون بحصد الثمار قبل غرس الجذور، بل يرسخون قواعد مشاريعهم أولًا، حتى يقوم البناء على أساس متين، ثم يُثمر قوةً تحمي أهدافه وتضمن استمراره.

وابن تاشفين كان يعلم أن الدولة التي لا تملك مركزًا سياسيًا قويًا، ولا جيشًا منظمًا، ولا إدارةً موحدة، لن تستطيع حمل رسالة ولا حماية حدود، ولذلك سبق البناءُ العسكريَّ البناءَ الحضاري، وسبق توحيدُ الداخل مواجهةَ الخارج.

image 3

وحين استغاث به أهل الأندلس بعد سقوط طليطلة، لم يكن شيخًا يقود مجموعةً من المتطوعين، وإنما كان قائدا متمرسًا يقود دولةً مكتملة الأركان.

وهذا هو السر الذي يغيب عن كثير من قراءات التاريخ.

فالزلاقة لم ينتصر فيها رجلٌ شجاع فقط، وإنما انتصرت فيها دولة.

لقد عبر يوسف بن تاشفين البحر وهو في السبعين من عمره، لكنه حمل معه ما هو أخطر من السيوف؛ حمل معه الانضباط، ووحدة القيادة، والعقيدة الجامعة، وهي العناصر التي كانت مفقودة عند ملوك الطوائف.

وقد غيّر انتصار الزلاقة سنة 479هـ (1086م) ميزان القوى في شبه الجزيرة الإيبيرية، وأوقف الزحف القشتالي، وأجّل سقوط الأندلس قرابة أربعة قرون.

لكن بصيرته السياسية ظهرت أكثر بعد انتهاء المعركة.

فقد اكتشف أن الخطر الحقيقي لم يكن ألفونسو السادس، بل الانقسام الداخلي.

كان ملوك الطوائف قد اعتادوا دفع الجزية للنصارى، والاستعانة بهم ضد بعضهم بعضًا، حتى أصبحت عروشهم أغلى عندهم من بقاء الإسلام في الأندلس.

وحين رأى يوسف بن تاشفين أن هؤلاء الأمراء يعيدون التواصل مع أعدائهم بعد الزلاقة، لم يكتف بإلقاء الخطب أو توجيه اللوم، بل اتخذ القرار الذي لا يتخذه إلا رجال الدولة؛ فاستفتى كبار علماء المغرب والأندلس، ثم أنهى حكم الطوائف، ووحّد الأندلس تحت سلطة الدولة المرابطية.

لقد أدرك أن الأمة لا يحميها النصر العسكري وحده، بل تحميها الوحدة السياسية.

ومن هنا فإن أعظم إنجازاته لم يكن هزيمة ألفونسو، وإنما إنهاء حالة التشظي التي كانت تستنزف المسلمين.

ولعل أهم درس تقدمه تجربة يوسف بن تاشفين لواقع المسلمين اليوم أن المشاريع الكبرى لا تُبنى بردود الأفعال، وإنما ببناء الإنسان، وتوحيد الصف، وإقامة المؤسسات، وربط القوة العسكرية بمشروع سياسي واضح.

لقد أثبت أن الجيوش القوية لا تُصنع في ساحات القتال، وإنما تُصنع أولًا داخل خطة القيادة وبناء الدولة.

وأن الحضارات لا تنهار بسبب قوة أعدائها وحدهم، وإنما بسبب ضعف بنيانها الداخلي.

ولهذا بقي اسم يوسف بن تاشفين حاضرًا في ذاكرة التاريخ، لا لأنه ربح معركةً عظيمة فحسب، بل لأنه بنى دولةً استطاعت أن تصنع تلك المعركة، وأن تحمي نتائجها لعقود طويلة. وفي ذلك تأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي أقام أول دولة للإسلام في المدينة المنورة، وصنع جيشها المتفرد الذي حمى رسالتها ودافع عنها وعن حرية نشرها، حتى انتشر نورها في كل الجزيرة العربية وامتد لأصقاع الأرض.

image 4
image 5

على كتف سلسلة جبال آدرار، وعلى بعد 8 كيلومترات شمال مدينة أطار 450 كلم شمال نواكشوط، تقع أطلال مدينة آزوكي، العاصمة الأولى لدولة المرابطين، التي انطلقت منها طلائع جيوشها من صحراء موريتانيا.

إن الأمم لا تحتاج دائمًا إلى أبطال يحققون الانتصارات العابرة، بقدر حاجتها إلى رجالٍ يبنون الدول التي تجعل الانتصار مستمرًا، وتحفظ مكاسبه طويلًا.

ولعل هذا هو الإرث الحقيقي الذي تركه يوسف بن تاشفين للأجيال: أن بناء الدولة الصلبة هو أعظم أشكال الجهاد، وأن النصر العسكري لا يعيش طويلًا إذا لم تحمه دولة عادلة، موحدة، راسخة قد تأدبت من دروس التاريخ وسير قاداته الأفذاذ.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *