في تشييع خامنئي: القرآن حاكمٌ على المحاور والمشاريع … لا خادمٌ لها

1644891.jpeg

ليس جديدًا أن توظف الأنظمة السياسية الرموز الدينية في صناعة المشهد العام، لكن اللافت في مراسم تشييع خامنئي هو تحويل تلاوة القرآن الكريم إلى جزء من بروتوكول سياسي دقيق، بحيث تُقرأ آية مخصوصة مع وصول كل وفد، في مشهد يوحي بأن اختيار الآيات لم يكن مجرد تلاوة للتدبر، وإنما رسالة سياسية مشفرة تسيء الفهم للنص القرآني.

ورؤية هذه الآيات وقد خصص عرضها لكل وفد بعينه، يجعلنا أمام واحدة من أخطر صور توظيف القرآن العظيم في العمل السياسي؛ إذ ينتقل القرآن من كونه كتاب نور وهداية وميزان حق يحكم بين الناس بالعدل، إلى أداة لإرسال الرسائل الدبلوماسية، وتصنيف الحلفاء، ومنح الأوسمة المعنوية، وتوجيه الإشارات السياسية.

فالآيات المختارة ليست من جنس واحد؛ بل كل منها يحمل معنى خاصًا يتناسب مع الجهة المستقبلة. فحين يُستقبل وفدٌ بآيات الجهاد، وآخر بآيات الصبر، وآخر بآيات الثبات، وآخر بآيات المغفرة، فإن الرسالة المقصودة لا تخفى: لكل طرف موقعه في المشروع الإيراني، ولكل حليف دوره، ولكل علاقة توصيفها القرآني الذي أراد منظمو المراسم إظهاره أمام الحاضرين والعالم.

فالوفد الإيراني يُستقبل بآيات تفضيل المجاهدين على القاعدين، في محاولة لترسيخ الرواية الرسمية التي تقدم خامنئي ومن معه باعتبارهم أهل الجهاد والمقاومة، وأن المشروع الذي يقوده مشروع اصطفاء وتضحية.

ويُستقبل وفد حزب الله بآية: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾، وكأنها رسالة مواساة بعد الخسائر، وفي الوقت نفسه دعوة للاستمرار وعدم التراجع.

أما وفد حركة حماس فتُقرأ أمامه آية: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾، وهي آية ذات حمولة وجدانية كبيرة، تُوظَّف لربط الحركة برواية “الشهداء الأوفياء” داخل المحور الإيراني، وإظهار أن دماء قتلاها امتداد للمشروع نفسه.

أما اختيار آية: ﴿قد كان لكم آية في فئتين التقتا…﴾ مع الوفد السعودي، فهو يحمل إيحاءً سياسيًا واضحًا، إذ تستحضر الآية معركة بدر وتقابل بين فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة، وهو استدعاء يُفهم منه إسقاطٌ سياسي أو رسالة ضمنية، حتى لو لم يُصرَّح بها.

وهكذا يصبح القرآن لغة سياسية موازية، تُرسل عبرها الإشارات دون أن تُقال صراحة، فيُترك لكل متلقٍ أن يفسر الآية بحسب موقعه وعلاقته بطهران.

غير أن الإشكال الأكبر ليس في الرسائل نفسها، بل في المبدأ الذي يقوم عليه هذا الأسلوب.

فالقرآن لم ينزل ليكون قاموسًا للرسائل البروتوكولية، ولا كتابًا للترميز السياسي، ولا وسيلة لإدارة العلاقات الدولية. إنما نزل هدى للناس، وحاكمًا على الجميع، لا تابعًا لمشروعاتهم، ولا خادمًا لسردياتهم.

إن تحويل الآيات إلى إشارات سياسية يحمل خطرًا بالغًا؛ لأنه يربط كلام الله جل جلاله بقرارات بشرية قابلة للخطأ والصواب، ويُلبس المواقف السياسية لباس القداسة، حتى يغدو الاعتراض على المشروع اعتراضًا – في وعي بعض الأتباع – على مدلول الآيات نفسها.

وهذا لون من ألوان استثمار الهيبة الدينية في تثبيت الشرعية السياسية؛ فالسلطة حين تعجز عن إقناع الناس بالخطاب السياسي المجرد، تستدعي النص المقدس ليمنحها ما لا يمنحه الواقع.

كما أن هذا الأسلوب يرسخ احتكارًا ضمنيًا للقرآن؛ إذ تُنتزع الآيات من سياقاتها العامة، ثم تُعاد صياغة دلالتها لتخدم محورًا سياسيًا معينًا، وكأن القرآن يتحدث باسم هذا المشروع دون غيره، مع أن القرآن يخاطب الجميع، ويحاكم الجميع، ولا يمنح أحدًا صك تمثيله.

وليس المقصود بذلك إنكار الاستشهاد بالقرآن في المناسبات العامة، أو قراءة الآيات المناسبة للأحداث؛ فهذا معروف في تاريخ المسلمين. وإنما الفرق كبير بين الاستدلال بالقرآن على معنى شرعي، وبين بناء بروتوكول سياسي كامل يجعل لكل وفد آية مخصوصة تؤدي وظيفة الرسالة الدبلوماسية.

إن أخطر ما في هذا المشهد أنه يُدخل القرآن في تفاصيل الاستقطاب السياسي، فيصبح النص المقدس جزءًا من معركة النفوذ، بدل أن يبقى فوق الخصومات، يهدي الجميع ويحاكم الجميع.

ولهذا فإن الواجب أن يُصان القرآن عن أن يتحول إلى لغة للترميز السياسي، أو وسيلة لإضفاء القداسة على التحالفات والمشروعات، وأن يبقى كما أنزله الله عز وجل: هداية للعالمين، وميزانًا تُوزن به السياسات، لا أداة تُزين بها السياسات نفسها.

ولو حاكمنا قيادة إيران، ومراسيم هذا التشييع، إلى ميزان القرآن العظيم الذي جعلوه لغة لرسائلهم، لوجدنا أن كثيرًا من سياساتهم وممارساتهم أبعد ما تكون عن هديه وأحكامه بل هي مخالفة ومحاربة له.

فالقرآن الذي استُحضر لتزيين المشهد هو نفسه الذي يحكم على الظلم، وينهى عن البغي، ويأمر بالعدل، ويحذر من عاقبة الإفك والطغيان، وسفك الدماء المعصومة، ويؤكد مكانة أمهات المؤمنين والسابقين الأولين وصحب النبي صلى الله عليه وسلم، ويزن الأقوال والأفعال بميزان الحق، لا بميزان الولاءات والمحاور والأحقاد والمكائد. ولذلك فإن أعظم إساءة إلى القرآن هي أن يُهجر في واقع الالتزام به، ثم يُستدعى ليمنح القداسة لمشروع الخميني، بل سيبقى القرآنُ حاكمًا على جميع المحاور والمشاريع، لا خادمًا لها.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *