مع اقتراب الولايات المتحدة من الاحتفال بالذكرى الـ250 لإعلان استقلالها، عاد الجدل داخل الأوساط الفكرية والسياسية الأمريكية حول طبيعة الدور الذي ينبغي أن تؤديه واشنطن في العالم، وسط دعوات متزايدة لمراجعة سياسة التدخلات العسكرية الخارجية والعودة إلى المبادئ الجمهورية التي قامت عليها البلاد.
وفي مقال نشره الكاتب الأمريكي براندان بي. باك، اعتبر أن الولايات المتحدة ابتعدت تدريجيًا عن إرثها التاريخي المناهض للإمبراطوريات، لتصبح دولة تتحمل أعباء انتشار عسكري واسع والتزامات أمنية تمتد إلى مختلف أنحاء العالم، وهو ما يثير، بحسبه، تساؤلات حول مدى انسجام السياسة الخارجية الحالية مع المبادئ التي تأسست عليها الجمهورية الأمريكية.
من جمهورية ناشئة إلى قوة عالمية
يرى الكاتب أن الولايات المتحدة تأسست باعتبارها جمهورية ترفض الهيمنة الإمبراطورية، إلا أن نهاية القرن التاسع عشر شهدت تحولًا كبيرًا مع التوسع خارج حدودها، بدءًا من ضم هاواي، ثم الحرب الأمريكية الإسبانية، والسيطرة على الفلبين وبورتوريكو، وهي خطوات أثارت آنذاك معارضة واسعة داخل الولايات المتحدة.
وبحسب المقال، اعتبر معارضو تلك السياسات أن التوسع العسكري الخارجي لا يهدد الشعوب الأخرى فحسب، بل يغيّر طبيعة النظام الأمريكي نفسه، ويؤدي إلى تضخم المؤسسة العسكرية والسلطة التنفيذية على حساب المبادئ الدستورية.
شخصيات بارزة قادت المعارضة
ويستعرض المقال تاريخ الحركة الأمريكية المناهضة للإمبريالية، التي ضمت شخصيات من اتجاهات سياسية واقتصادية مختلفة.
فمن أبرز رموزها رجل الصناعة الثري أندرو كارنيغي، الذي رأى أن الإمبراطورية تتناقض مع الهوية الجمهورية للولايات المتحدة، متسائلًا عام 1899 عما إذا كان الأمريكيون سيحافظون على جمهوريتهم أم سينجرفون وراء “شبح الإمبريالية”.
كما كان من أبرز المعارضين السياسي الديمقراطي ويليام جينينغز برايان، الذي حذر من أن الاحتلالات الخارجية ستفرض على الأمريكيين جيشًا دائمًا ضخمًا وأعباء مالية متزايدة، معتبرًا أن الإمبراطورية مشروع يخدم النخب السياسية والاقتصادية أكثر مما يخدم المواطنين.
وفي الاتجاه ذاته، يبرز المقال الرئيس الأمريكي الأسبق غروفر كليفلاند، الذي عارض خلال فترة رئاسته ضم هاواي، ورفض خطط توسيع الأسطول البحري الأمريكي، انطلاقًا من قناعته بأن السياسة الخارجية يجب أن تبقى منسجمة مع المبادئ الجمهورية.
ولم تقتصر المعارضة على الديمقراطيين، إذ يشير الكاتب إلى وجود شخصيات جمهورية بارزة رفضت أيضًا التوسع الإمبراطوري، معتبرة أنه يتعارض مع الإرث السياسي للحزب الذي ارتبط تاريخيًا بقضايا التحرر ورفض الاستعمار.
مخاوف دستورية واقتصادية
ويؤكد المقال أن معارضي الإمبريالية لم يركزوا فقط على الجانب الأخلاقي، بل حذروا أيضًا من تداعيات داخلية خطيرة.
فقد رأوا أن التوسع العسكري سيؤدي إلى تضخم السلطة التنفيذية، وإضعاف دور الكونغرس، والتأثير في الحريات المدنية، بما فيها حرية التعبير، إلى جانب زيادة الإنفاق العسكري بصورة مستمرة.
كما توقعوا أن يؤدي عسكرة السياسة الخارجية إلى تشويه الاقتصاد الأمريكي، وترسيخ نفوذ جماعات المصالح، وخلق علاقة متزايدة بين السلطة السياسية والصناعات العسكرية.
ويرى الكاتب أن كثيرًا من هذه المخاوف أصبحت اليوم موضع نقاش داخل الولايات المتحدة، في ظل استمرار الإنفاق العسكري الضخم والانتشار العسكري الأمريكي في مناطق متعددة حول العالم.
دوافع لم تكن مثالية بالكامل
وفي الوقت نفسه، يقر المقال بأن الحركة المناهضة للإمبريالية لم تكن تستند دائمًا إلى دوافع إنسانية أو ليبرالية خالصة.
فقد ضمت أيضًا شخصيات وجماعات كانت تعارض التوسع لأسباب ترتبط بمخاوف عرقية أو اقتصادية، إذ اعتقد بعضهم أن ضم أراضٍ جديدة أو إدماج شعوب أجنبية قد يؤثر في الهوية الثقافية الأمريكية، بينما خشي آخرون من انعكاسات اقتصادية على سوق العمل والأجور.
ويرى الكاتب أن هذه التناقضات لا تلغي أهمية الإرث الفكري للحركة، لكنها تجعلها أكثر تعقيدًا وإنسانية.
الحربان العالميتان غيّرتا المسار
ويشير المقال إلى أن الحركة المناهضة للإمبريالية لم تختفِ بعد الحرب الأمريكية الإسبانية، بل استمرت خلال العقود التالية، وكان لها تأثير في النقاشات السياسية خلال الفترة الفاصلة بين الحربين العالميتين.
لكن اندلاع الحربين العالميتين غيّر النظرة الأمريكية إلى دور الدولة في العالم، إذ بدأ أنصار التدخل الخارجي يقدمون الانخراط العسكري بوصفه مسؤولية دولية ضرورية للحفاظ على الاستقرار ومنع اندلاع حروب جديدة.
ومع بداية الحرب الباردة، ترسخ هذا التوجه بصورة أكبر، وتحول التدخل الخارجي إلى أحد المرتكزات الأساسية للسياسة الأمريكية، بينما تراجعت الأصوات الرافضة للإمبراطورية إلى هامش النقاش العام.
نقد التدخل أصبح “رأيًا متطرفًا”
ويقول الكاتب إن الأفكار التي كان يتبناها في الماضي رؤساء سابقون ومرشحون للرئاسة ورجال أعمال بارزون، أصبحت اليوم توصف غالبًا بأنها انعزالية أو غير واقعية أو حتى مناهضة للمصلحة الوطنية.
ويرى أن الولايات المتحدة فقدت خلال القرن العشرين مساحة واسعة للنقاش حول الكلفة المالية والأخلاقية للوجود العسكري العالمي، في وقت تواصل فيه تخصيص أكبر ميزانية دفاع في العالم، والحفاظ على شبكة واسعة من القواعد العسكرية والتحالفات الأمنية.
سؤال الذكرى الـ250
ويختتم الكاتب مقاله بالدعوة إلى إعادة فتح النقاش حول الدور الأمريكي في العالم، معتبرًا أن الذكرى الـ250 للاستقلال تمثل فرصة لمراجعة المسار الذي سلكته الولايات المتحدة منذ تحولها إلى قوة عالمية.
ويطرح سؤالًا يرى أنه لا يزال مطروحًا منذ أكثر من قرن: هل ستستمر الولايات المتحدة في تحمل أعباء الإمبراطورية، أم تعود إلى نموذج الجمهورية الذي تأسست عليه؟
ويخلص إلى أن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب، قبل كل شيء، استعادة الذاكرة التاريخية وإحياء النقاش حول رؤية بديلة للسياسة الخارجية الأمريكية، تقوم على تقليص التدخلات العسكرية الخارجية وإعادة التركيز على المبادئ الجمهورية التي شكلت أساس نشأة الولايات المتحدة.





اترك تعليقاً