ترامب يطرح دورًا لسوريا ضد حزب الله … جدل إقليمي ومخاوف في لبنان من عودة النفوذ السوري

download 1 1 scaled

في تطور سياسي ودبلوماسي مثير يعكس تعقيدات المشهد الإقليمي في “الشرق الأوسط”، طُرحت فكرة مثيرة للجدل من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقضي بإسناد دور لسوريا في مواجهة حزب الله داخل لبنان، وهو ما أثار موجة قلق واسعة في بيروت، وأعاد إلى الأذهان تاريخًا طويلًا من التوتر والوجود السوري العسكري في لبنان.

فكرة أمريكية تثير الجدل

بحسب تقارير إعلامية، دعا ترامب أكثر من مرة إلى أن تتولى دمشق مسؤولية “التعامل مع حزب الله”، معتبرًا أن القيادة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع قد تكون أكثر فاعلية في احتواء نفوذ الحزب مقارنة بالعمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة في لبنان.

وخلال تصريحات له، انتقد ترامب أسلوب الحرب الإسرائيلي ضد حزب الله، مشيرًا إلى أن تدمير المباني السكنية ليس حلاً فعالًا، وأن هناك حاجة إلى “نهج أكثر دقة”، مضيفًا أنه “قد يكون قريبًا من تسليم الملف إلى سوريا”. إلا أنه لم يوضح المقصود تحديدًا بهذا “التسليم”، ما فتح الباب أمام تأويلات متعددة تتراوح بين ضغط سياسي أو دور استخباراتي أو حتى تدخل عسكري مباشر.

مخاوف لبنانية من العودة إلى الماضي

في لبنان، أثارت هذه التصريحات قلقًا كبيرًا، إذ رآها كثيرون تلميحًا لاحتمال عودة نفوذ سوري إلى الساحة اللبنانية، وهو ما يذكّر بمرحلة الوجود العسكري السوري الذي استمر لعقود وانتهى عام 2005م (1426هـ) بعد انسحاب القوات السورية.

وبحسب مصادر دبلوماسية، سارعت جهات في بيروت إلى طلب توضيحات وضمانات من دمشق، خشية أن تتحول هذه الطروحات إلى واقع يهدد التوازن الداخلي اللبناني، خاصة في ظل هشاشة الوضع السياسي والانقسامات الطائفية الحادة.

موقف دمشق: نفي قاطع للتدخل العسكري

في المقابل، حاولت القيادة السورية الجديدة احتواء الجدل سريعًا، حيث أكد الرئيس أحمد الشرع ومسؤولون في حكومته أن كل ما يُتداول بشأن نية سوريا التدخل عسكريًا في لبنان “غير صحيح”.

وشددت دمشق على أن أولوياتها تتركز على إعادة بناء الدولة السورية، وتعزيز الاستقرار الداخلي، وفتح قنوات اقتصادية وسياسية مع دول الجوار، بما في ذلك لبنان، دون أي تدخل عسكري.

كما أوضح مسؤولون سوريون أن أي دور محتمل لسوريا في الملف اللبناني يجب أن يكون عبر دعم مؤسسات الدولة اللبنانية، وليس عبر إرسال قوات أو الانخراط في صراعات مسلحة.

حزب الله وسياق الصراع الإقليمي

يأتي هذا الجدل في سياق أوسع من التوتر الإقليمي، خاصة بعد تصاعد المواجهات بين حزب الله والاحتلال الإسرائيلي ضمن امتداد الصراع في المنطقة المرتبط بإيران. وتعتبر “إسرائيل” حزب الله تهديدًا مباشرًا لأمنها، بينما يرى الحزب نفسه جزءًا من محور المقاومة الإيراني في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.

إدخال سوريا على هذا الخط، بحسب محللين، يعيد فتح ملفات حساسة تتعلق بدور دمشق السابق في لبنان، وبالتحالفات الإقليمية المعقدة التي تشمل إيران وتركيا والولايات المتحدة وإسرائيل.

تضارب في المواقف داخل واشنطن

اللافت أيضًا وجود تضارب في الخطاب الأمريكي، إذ سبق لمبعوث واشنطن إلى سوريا أن نفى وجود أي ضغط على دمشق للتدخل في لبنان، واعتبر تلك التقارير “غير دقيقة”، بينما واصل ترامب إطلاق تصريحات توحي بإمكانية إسناد دور لسوريا في التعامل مع حزب الله.

هذا التباين يعكس عدم وضوح الرؤية الأمريكية تجاه مستقبل الملف اللبناني ودور سوريا المحتمل فيه، خاصة في ظل التغيرات السياسية التي شهدتها دمشق بعد سقوط نظام بشار الأسد ووصول قيادة جديدة للحكم.

حساسية تاريخية معقدة

لا يمكن فصل هذا الجدل عن التاريخ الطويل والمعقد للعلاقات السورية اللبنانية. فبعد دخول القوات السورية إلى لبنان خلال الحرب الأهلية عام 1976م (1396هـ)، استمر وجودها العسكري والسياسي حتى عام 2005م (1426هـ)، وهي فترة لا تزال تترك آثارًا عميقة في الذاكرة السياسية اللبنانية.

وبالتالي، فإن أي حديث عن “دور سوري” جديد في لبنان يثير تلقائيًا حساسية داخلية شديدة، سواء على المستوى السياسي أو الشعبي.

تظهر هذه التطورات أن فكرة إقحام سوريا في مواجهة حزب الله ليست مجرد طرح سياسي عابر، بل قضية تحمل أبعادًا تاريخية وإقليمية معقدة. وبينما ترفض دمشق أي تدخل عسكري وتدعو إلى حلول سياسية، تبقى المخاوف في لبنان قائمة من تداعيات أي تغيير محتمل في موازين النفوذ داخل البلاد، في ظل استمرار الصراع الإقليمي المفتوح في المنطقة.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *