الإرهاب والنظام السوري الجديد

وصل للأخبار | مقال رأي | الإرهاب والنظام السوري الجديد

تبادل الأدوار والتصفية الرمزية لـ حلفاء الخندق الواحد

كيف تحوّل حلفاء الأمس من المهاجرين إلى “إرهابيين” في خطاب النظام السوري الجديد؟

عندما ينزاح قناع الإسلام الذي ارتداه، تتبدى البراغماتية السياسية في أبشع صورها، هذا هو العنوان الأبرز الذي يمكن من خلاله قراءة الخطاب الإعلامي والسياسي لـ النظام السوري الجديد.

فبعد سنوات من القتال في خندق واحد تحت مسميات “التحرير” و”الدفاع عن إدلب” والشمال السوري، تحولت البنادق التي كانت تُرفع معًا إلى منصات اتهام، وتحول “رفاق السلاح” من المهاجرين الذين شاركوا في تلك المعارك إلى مصطلح جاهز ومعلب: “الإرهاب”.

هذه القراءة النقدية تفكك هذه الاستدارة الخطابية الحادة، وكيف يعيد النظام الجديد إنتاج سردية “مكافحة الإرهاب” لشرعنة مرحلته الحالية عبر التخلص من الإرث الرمزي والعسكري لحلفائه السابقين.

اقرأ أيضًا: الحرب الناعمة.. عندما تكون الكلمة والصورة أقوى من الرصاص

سيكولوجية انقلاب السردية: من الفداء إلى الوصم

في الأدبيات السياسية والعسكرية السابقة لهذا النظام، كان “المهاجرون” يُقدَّمون بوصفهم “إخوة المنهج” أو “أنصار الحق” الذين جاؤوا لنصرة المظلوم والدفاع عن قضايا التحرير.

أما اليوم، النظام الجديد يقدم أوراق اعتماده دوليًا وإقليميًا كـ “سلطة جديدة” عاقلة ومستقرة، وخضع هؤلاء الحلفاء لعملية “إعادة تعريف لغوية”.

المفارقة النقدية هنا تكمن في سقوط مفهوم “أخوة السلاح”، فالخطاب الحالي يعمد إلى:

  • نزع الشرعية الثورية: عبر تصوير وجود هؤلاء المهاجرين كـ “عبء تاريخي” أو “حالة مؤقتة فرضتها ظروف الحرب”.
  • التبرؤ من الإرث المشترك: محاولة محو حقيقة أن هؤلاء الحلفاء كانوا ركيزة أساسية في تثبيت نفوذ السيطرة على مناطق كإدلب وغيرها.

اقرأ أيضًا: خطورة الوهن على الأمة: أسبابه وعلاجه

كيف أعاد النظام السوري الجديد تعريف حلفائه السابقين؟

تفكيك المصطلحات التي بات النظام الجديد يطلقها على حلفائه السابقين، والهدف الكامن وراء كل مصطلح:

متطرفون / أنصار داعش

الهدف منه تصويرهم كجسم غريب ومحدود الأثر لا يمثل توجه النظام الحالي.

العناصر غير المنضبطة

الهدف منه استخدامهم كـ “كباش فداء” لتبييض صفحة النظام الجديد.

إرهابيون

الهدف منه استجلاب الشرعية الدولية والقبول الإقليمي عبر تبني المعجم الغربي.

استخدام تهمة الإرهاب لاكتساب الشرعية الدولية

استثمار نفس الأداة (شماعة الإرهاب) التي طالما استخدمتها الأنظمة الاستبدادية.

إن إطلاق وصف “الإرهاب” على حلفاء الأمس من المهاجرين ليس مجرد خلاف، بل هو اغتيال رمزي يسبق التصفية الجسدية أو الترحيل، بهدف احتكار السردية التاريخية لـ “التحرير”.

إن السقوط الأخلاقي لخطاب النظام الجديد يتجلى في أنه يمارس ذات السلوك الذي كان يمارسه النظام النصيري السابق.

إن تهمة “الإرهاب” الجاهزة التي يوزعها اليوم على من شاركوه معارك إدلب، تكشف عن حقيقة أن منظومة الاستبداد الجديدة لا تؤمن بالتحالفات الدائمة، بل بالمصالح المؤقتة.

فمن كان يُنظر إليه بالأمس كـ “مُحرر” يسيل دمه على أسوار المدينة، يُنظر إليه اليوم عبر منظار التهديد الأمني الذي يجب التخلص منه لفتح قنوات الدبلوماسية.

هذا التناقض يحول الخطاب الإعلامي للنظام الجديد إلى مسرحية هزيلة تفتقر إلى الحد الأدنى من الاتساق الأخلاقي.

لماذا لا يُستخدم وصف الإرهاب مع أطراف أخرى؟

من المفارقة العجيبة أن النظام الجديد لا يصف فلول النظام السابق أو الميليشيات الدرزية بالإرهاب، بل يصفهم إعلامه الرسمي بالخارجين عن القانون.

خاتمة:

في المحصلة، يتبين أن محاولة النظام السوري الجديد صبغ حلفائه السابقين من المهاجرين بصبغة الإرهاب هي رقصة بهلوانية على حبال السياسة الضيقة.

إنها محاولة لغسل اليد من التحالفات السابقة، وصناعة هوية جديدة تقوم على جثث الحلفاء.

29 ذو الحجة 1447هـ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *